بوتفليقة.. حكاية نحو 60 عاما مع السلطة
العضوية
حسابي
تعديل
خروج
اغلاق

بوتفليقة.. حكاية نحو 60 عاما مع السلطة

الدولة: الجزائر

حقق بوتفليقة خلال سنوات حكمه معادلة متوازنة مع الدوائر المتحكمة في السياسة الجزائرية وفي مقدمتها العسكر (الجزيرة)

الدولة:

الجزائر

انتخب عبد العزيز بوتفليقة رئيسا للجزائر أربع مرات، وقبل ذلك ناضل في صفوف المقاومة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي للجزائر، وتولى مناصب قيادية في الثورة قبل الاستقلال، وفي الدولة بعده، وقاد الدبلوماسية الجزائرية في زمن الحرب الباردة، تميزت فترة حكمه بمحطات فاصلة تمكّن خلالها من تحقيق التوازن مع أركان الدولة العميقة ممثلة أساسا في رئاسة أركان الجيش والاستخبارات.

مقاومة المحتل
مع انطلاق الثورة المسلحة ضد الاحتلال الفرنسي في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 1954 قرّر بوتفليقة -المولود بمدينة وجدة المغربية بتاريخ 2 مارس/آذار 1937- إنهاء مساره الدراسي مبكرا بحصوله على الثانوية العامة من مدينة وجدة المغربية، والانخراط في صفوف جيش التحرير لمقاومة الفرنسيين.

في تلك المرحلة، اختير بوتفليقة مراقبا عاما للولاية الخامسة عامي 1957 و1958 وضابطا في المنطقتين الرابعة والسابعة بالولاية الخامسة كذلك.

ثم ما لبث أن ألحق بهيئتي قيادة العمليات العسكرية وقيادة الأركان بالغرب، ثم بهيئة قيادة الأركان العامة، وذلك قبل أن يوفد عام 1960 إلى حدود البلاد الجنوبية لقيادة "جبهة مالي".

وبعد استقلال الجزائر عام 1962 أصبح بوتفليقة عضوا في أول مجلس تأسيسي وطني، كما انتخب عام 1964 عضوا باللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير وعضوا بالمكتب السياسي، وأصبح أحد أبرز الوجوه السياسية في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين، فأسندت إليه وظائف تنفيذية عليا عديدة.

ثم اختير لعضوية مجلس قيادة الثورة (أعلى سلطة) وعيّن وزيرا للشباب والسياحة عام 1962.

بعدها عيّن بوتفليقة وزيرا للخارجية عام 1963 وظل بالمنصب حتى وفاة بومدين عام 1978.

ومع وفاة رفيق دربه الرئيس الجزائري هواري بومدين (28 ديسمبر/كانون الأول 1978)، خرج بوتفليقة من دائرة الضوء وغادر الجزائر عام 1981 ولم يعد إليها إلا عام 1987، وكان من الموقعين على "وثيقة الـ18" التي تلت أحداث أكتوبر/تشرين الأول 1988، وشارك في مؤتمر حزب جبهة التحرير الوطني 1989 فانتخب عضوا في لجنتها المركزية.

عرش الجزائر
في ديسمبر/كانون الأول 1998 أعلن عبد العزيز بوتفليقة نيته الترشح للانتخابات الرئاسية بصفته مرشحا مستقلا، ونافسه ستة مرشحين انسحبوا قبل يوم من موعد إجراء الاقتراع، فانتخب يوم 15 أبريل/نيسان 1999 رئيسا للجزائر بنسبة 70% حسب الأرقام الرسمية.

وفي عام 2004 ترشح للرئاسة مرة ثانية مدعوما بتحالف سياسي، وفاز بنسبة 85% من الأصوات، وبعد أن عدل الدستور ترشح لولاية رئاسية ثالثة عام 2009 في انتخابات رأت أطراف سياسية عديدة أنها محسومة سلفا لصالحه، فانتخب بأغلبية 90.25%.

وأعيد انتخاب بوتفليقة لولاية رئاسية رابعة عام 2014 بأكثر من 80% من الأصوات في انتخابات قاطعتها المعارضة وأدلى فيها هو بصوته على كرسي متحرك.

video

الوئام المدني
اعتلى بوتفليقة عرش الجزائر وهي في أوج العشرية الحمراء التي بدأت بتوقيف المسلسل الديمقراطي إثر فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالانتخابات بداية تسعينيات القرن الماضي.

وبدأ بوتفليقة -الذي لم يتزوج قط- الحكم باقتراح قانون ينهي الأزمة الأمنية والسياسية التي كانت تعاني منها البلاد، سماه قانون الوئام المدني.

القانون صدر يوم 13 يوليو/تموز 1999، وأُقر رسميا بنيله تأييدا واسعا في استفتاء شعبي أجري يوم 16 سبتمبر/أيلول 1999، ليكون بديلا عن "قانون الرحمة" الذي أصدره الرئيس الجنرال اليمين زروال يوم 25 فبراير/شباط 1995.

وقد عرض هذا القانون -الذي تألف من ستة فصول تضمنت 43 مادة، وانتهى مفعوله يوم 13 يناير/كانون الثاني 2000- على المواطنين الجزائريين الذين "حملوا السلاح ضد الدولة" عفوا شاملا أو جزئيا "شرط ألا يكونوا ارتكبوا مجازر جماعية أو عمليات اغتصاب أو اعتداءات بالمتفجرات في أماكن عامة" مقابل تخليهم عن القتال وتسليم أنفسهم وأسلحتهم إلى السلطات.

وقد مهد قانون الوئام الطريق للعفو عن آلاف المسلحين الذين ينتمي بعضهم إلى "الجيش الإسلامي للإنقاذ" المحسوب على الجبهة الإسلامية للإنقاذ. وبعد انتهاء مفعوله أصدر بوتفليقة قانون "الميثاق من أجل السلم والمصالحة" الذي أُقر باستفتاء شعبي يوم 29 سبتمبر/أيلول 2005، وقد حاول القانون كسابقه معالجة الأزمة بإقرار عفو عن المسلحين مقابل إلقائهم السلاح.

العشرية السوداء
وقد أنهى قانون الوئام المدني العشرية السوداء التي خلفت مئات الآلاف من القتلى والجرحى والمعطوبين والمفقودين.

الحكاية بدأت باكتساح الجبهة الإسلامية للإنقاذ المشهد السياسي بعد فوزها في الانتخابات المحلية (البلدية والولائية) في يونيو/حزيران 1990، غير أن السلطة بادرت إلى اعتقال قادة الحزب وعلى رأسهم زعيمه عباسي مدني ونائبه علي بلحاج.

ورغم الجو المشحون حينها بالتوتر، فإن الانتخابات التشريعية نُظمت يوم 26 ديسمبر/كانون الأول 1991، وفازت فيها الجبهة بـ188 مقعدا من أصل 228 في المرحلة الأولى (عدد مقاعد المجلس الإجمالية آنذاك 380).

video

هذا الفوز كان مفاجئا للسلطة، فتم حل البرلمان القديم يوم 4 يناير/كانون الثاني 1992. و"استقال" رئيس الجمهورية الشاذلي بن جديد في الـ11 من الشهر نفسه. وبعدها بيوم واحد أعلن المجلس الأعلى للأمن "استحالة استمرار المسار الانتخابي إلى غاية أن تتوفر الشروط الضرورية للسير العادي للمؤسسات"، مما يعني إلغاء المسار الانتخابي.

بالنسبة للسلطة، فإنها قد أقدمت على توقيف المسار الانتخابي "لحماية النظام الجمهوري"، ولـ"إنقاذ البلاد من الظلامية" و"حماية الجزائر من أن تتحول إلى أفغانستان ثانية".

وفي المقابل تقول الجبهة إن ما حدث "خطوة غير دستورية"، وإن أصحاب السلطة آنذاك -وفي مقدمتهم القيادة العسكرية- حصلوا على ضوء أخضر من دول فاعلة -مثل فرنسا والولايات المتحدة- للقيام بـ"الانقلاب على خيار الشعب".

لا يوجد إحصاء مستقل لعدد التفجيرات والمجازر الجماعية التي وقعت أثناء هذه الأزمة التي كبدت اقتصاد البلاد خسائر مادية تجاوزت عشرين مليار دولار، لكن المؤكد أن المجازر التي قتل فيها من خمسة أشخاص فما فوق فاق عددها 622 مجزرة.

وفي المجمل، قتل خلال العشرية السوداء في الجزائر أكثر من 250 ألف شخص، وفق ناشطين، لكن بعض المصادر نسبت إلى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة قوله -في أحد تصريحاته- إن العدد بلغ مئة ألف قتيل. وبلغ عدد المفقودين عشرين ألفا، وفق "تنسيقية عائلات المختفين قسرا"، في حين تقول أوساط رسمية إن عددهم 7144 مفقودا. هذا إضافة إلى مئات الآلاف من اللاجئين خارج الوطن.

توازن الرعب
حقق بوتفليقة خلال سنوات حكمه معادلة متوازنة مع الدوائر المتحكمة في السياسة الجزائرية وفي مقدمتها العسكر (قيادة الأركان) وجهاز الاستخبارات، واستطاع ربح دعمها مستغلا نجاحه في تحقيق الأمن والاستقرار بالبلاد بعد سنوات الدم والرصاص.

ومع رسوخ أقدامه في الحكم، أظهر الرئيس الجزائري رغبة في إحداث تغييرات على مستوى الأجهزة الأمنية العسكرية التي ظلت بعيدة عن أيدي الرئيس مدة طويلة.

فبعد وفاة العديد من الأسماء المؤثرة في صناعة المشهد السياسي للبلاد وفي مقدمتها الجنرال العربي بلخير والجنرال محمد العماري، وتراجع تأثير قيادات متقاعدة مثل الجنرال خالد نزار، أقدم بوتفليقة على خطوة اعتبرت مفصلية تمثلت في الإطاحة بالجنرال القوي والبارز والذي ارتبط اسمه بالعشرية السوداء محمد مدين الشهير بالجنرال توفيق، من على عرش الاستخبارات عام 2015، وتعويضه باللواء عثمان طرطاق، الملقب بالبشير.

وكان الجنرال مدين متحفظا على ترشح بوتفليقة لولاية رئاسية جديدة، ولم تكن الحالة الصحية الصعبة للرئيس هي السبب، بل نجاح بوتفليقة في تجريده من صلاحيات كثيرة كانت تشكل مصدر قوة له، مما جعل قرار إقالته يحدث بسلاسة دون مشاكل.

هذه التفاعلات على مستوى القيادات المتحكمة في الخريطة السياسية الجزائرية دفعت محللين للتأكيد على أن ما جرى تمهيد لمرحلة ما بعد بوتفليقة، التي يضطلع فيها الموالون للرئيس، وفي مقدمتهم شقيقه سعيد، بدور بارز.

المصدر : الجزيرة + وكالات,مواقع إلكترونية