حرب الاستنزاف.. الإنهاك دون الحسم
آخر تحديث: 2016/1/14 الساعة 15:53 (مكة المكرمة)
العضوية
حسابي
تعديل
خروج
اغلاق
آخر تحديث: 2016/1/14 الساعة 15:53 (مكة المكرمة)

حرب الاستنزاف.. الإنهاك دون الحسم

بدأت أساليب حرب الاستنزاف خلال الحرب العالمية الأولى (الجزيرة-أرشيف)

حرب الاستنزاف نوع من الحروب يسعى من خلاله أحد أطراف المواجهة إلى تقويض القوة العسكرية للخصم عبرَ استنزافِ مقدراته وتكبيده خسائر مادية كبيرة وتدميرِ معنويات الجنود بجرهم إلى دائرةٍ مفرغة من المواجهات المتقطعة.

وتُعتبر حرب الاستنزاف مقياسا لرصدِ قدرةِ طرفي الصراع على تحملِ مواجهة غير محسومة تمتد فترة طويلة، من دون آفاق واضحة للنصر أو الهزيمةْ.

وفي بعض الأحيان يكون هدفها المحافظة على قدرٍ من الحيوية وعدم الاستقرار على الجبهة بما يسمح برص الصفوف استعدادا لجولة جديدة من الحرب، أو لحرمان العدو من تحقيق نصر عسكري من خلال مدَّ أجل المواجهة.

تاريخ
ظهر مفهوم حرب الاستنزاف لأول مرة خلال الحرب العالمية الأولى، حين شنت فرنسا وبريطانيا عملية واسعة ضدَّ التحصينات الألمانية على مستوى منطقة فردين وبلدة لاسوم الواقعة شمالي فرنسا.

وكان مهندس تلك العملية الجنرال جوزيف جوفر القائد العام للجيوش الفرنسية الذي أسندَ قيادتها العملية إلى الجنرال فوش، وتقرر في البدء أنْ يضطلع الجيش الفرنسي بالجهد الأكبر في المعركة، وبعد مشاوراتٍ وتقديرات للموقف على الجبهة، استقر رأي العسكريين والساسة على توزيع الجهد الحربي بين الجيشين الفرنسي والألماني.

واندلعت المواجهة الدامية بالأول من يوليو/تموز 1916 بعمليةٍ واسعة النطاق للجيش البريطاني ضد التحصينات الألمانية الممتدة على جبهة طولها 45 كيلومترا، واستمرت المعركة إلى مطلع نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، وقُتل فيها وفُقد أكثر من مليون ومائة ألف عسكري من الفريقين ما جعل منها المعركة الأكثر دموية في التاريخ.

ورغم الخسارة البشرية والمادية الهائلة، فإنَّ المكاسب المحققة بالنسبة للحلفاء كانت ضئيلة ولم تتجاوز إحكام السيطرة على 12 كيلومترا مربعا. لكن معركة السوم دخلت التاريخ كأول معركة في تاريخ حرب الاستنزاف، وألحقت ضررا كبيرا بمعنويات الجيش الألماني ورجحت كفة الحلفاء في السنتين التاليتين للحرب.

video

الخبرة الغربية
أصبحت حرب الاستنزاف تقليدا شائعا، خلال الحرب العالمية الثانية. فمعركة ستالين غراد التي كانت مفصلية في رسم مسار الحرب كانت حرب استنزاف، فبعد صد الروس الجيش الألماني عن دخول موسكو فشل في السيطرة على حقول القمح بأوكرانيا وبات بديهيا فشلهُ في حسم المعركة على الجبهة الشرقية ما فتح الباب على مصراعيه لحرب الاستنزاف.

وأبدى عدد من الجنرالات الألمان مخاوفهم من ركودِ الأوضاع على الجبهة الشرقية، كما أبدوا معارضتهم الصريحة لخطة هتلر بتوجيه حملة بارباروسا وفق ثلاثة محاور، معتبرين أن المصلحة الإستراتيجية تقتضي توجيه القوة العسكرية في اتجاه هدف واحد، مفضلين أن يكون ذلك الهدف العاصمة موسكو.

وكلفت تلك المواقف عددا من أولئك الجنرالات أرواحهم، بيد أنَّ وجاهة طرحهم ظهرت نهاية المطاف. فقد استدرج الروس الجيش الألماني إلى مستنقع قاتل تكالب عليه فيه جهل الأرض وقساوة المناخ وطول خطوط الإمداد ووعورتها، لتَنتهي معركة تسالين غراد بخسارة فادحة للألمان وتُؤذن ببداية هزيمتهم.

من النكسة إلى الاستنزاف
عقب هزيمة مصر في حرب يونيو/حزيران 1967، والتي أطلق عليها اسم "نكسة" أعلن الزعيم المصر، جمال عبد الناصر حرب الاستنزاف ضد الجيش الاسرائيلي مركزا جهده على الضفة الشرقية لقناة السويس.

وأعلن في يوليو/تموز 1969 أنَّه ليس عاجزا عن اجتياح سيناء لكنه قادر على تدمير معنويات الجيش الإسرائيلي. وفي مارس/آذار شنت المدفعية المصرية قصفا كثيفا ضدَّ المواقع الإسرائيلية، وردت عليه إسرائيل لاحقا بغاراتٍ جوية كثيفة استهدفت المدن والبلدات الواقعة على الضفة الغربية للقناة ما دفع أكثر من 750 ألف مدني إلى النزوح.

كان هدف عبد الناصر من العملية حرمان إسرائيل من تعزيز مواقعها على الجبهة، في انتظارِ المد الروسي من العتاد والذي تقرر إثرَ النكسة وتحملت دولٌ عربية أبرزها الجزائر جزءا كبيرا من كلفته المالية.

كما كان جهد فصائل المقاومة الفلسطينية جوهريا في تلك الحرب حيث شتَّتت تركيز جيش الاحتلال وكبَّدته خسائر خصوصا على الجبهة الأردنية التي شهدت معركة الكرامة التي كانت أولَ نصرٍ رمزي استعاد به العرب بعض كرامتهم بعد النكسة.

الحرب الباردة
شكَّلت حرب الاستنزاف آلية حيوية للمقارعة الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي اللذين تواجها على أكثر من ساحة دونَ أنْ تكون تلك المواجهة وجها لوجه.

وقد شكلت فيتنام أنصع مثال على المواجهة القائمة على الاستنزاف، وتدفق الدعم العسكري السوفياتي والصيني على حكومة فيتنام الشمالية بزعامة "هوشي منه" مدفوعا بأسباب أيديولوجية، لكنْ لإنهاك الولايات المتحدة التي تورطت في تلك الحرب بشكلٍ مباشر.

وفي عام 1979، شكلَّ الغزو السوفياتي لأفغانستان فرصة للأميركيين لردَّ الصاع صاعين للسوفيات، فتدفق السلاح الأميركي بسخاء على المجاهدين الأفغان والعرب رغم التناقض الجذري في المنطلقات الفكرية والمرجعيات العقدية، وإن كانت بلدان عربية لعبت دورا كبيرا في ذلك الدعم. ومع ذلك، فإنَّ إلحاق الهزيمة بالاتحاد السوفياتي كان الدافع الأهم فضلا عن منع عودةِ النظام الشيوعي الموالي لموسكو.

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية

شارك برأيك