خطوط الإمداد.. شرايين حياة الجيوش
آخر تحديث: 2015/12/31 الساعة 15:34 (مكة المكرمة)
العضوية
حسابي
تعديل
خروج
اغلاق
آخر تحديث: 2015/12/31 الساعة 15:34 (مكة المكرمة)

خطوط الإمداد.. شرايين حياة الجيوش

يشمل الإمداد العمل التمويني الروتيني اليومي لتزويد مختلف القطاعات العسكرية باحتياجاتها التموينية والعملياتية كافة (أسوشيتد برس)

خطوط الإمداد هي مختلف الطرق والعمليات والمواد المستخدمة من قبل جيش ما لإيصال الجنود والمؤن والعتاد والذخائر والآليات والوقود وغيرها من احتياجات قواته المقاتلة في الجبهات الأمامية خلال أوقات الحروب، أو تلك المنتشرة في مناطق نائية لدواعٍ إستراتيجية أو سياسية أوقات السلم، فضلا عن التدبير اليومي للقوات تجهيزا وتموينا.

ويشمل الإمداد العمل التمويني الروتيني اليومي لتزويد مختلف القطاعات العسكرية بكافة احتياجاتها التموينية والعملياتية، هذا فضلا عن اقتناءِ الأسلحة والآليات والذخائر والملابس وغيرها من مستلزمات التجهيز العسكري وما يرتبط به.

كما تدخل في نطاق الإمداد أشغال الهندسة العسكرية التي تُشكل في الغالب جزءا من العملية اللوجستية نظرا لوظائفها المتعددة والحيوية كالإنشاءات والتهيئة وبناء التحصينات والخطوط الدفاعية.

والإمداد والتموين جزء من منظومة أشمل تُدعى اللوجستيك تضطلع بمهمة إدارة تحركات وتجهيز وتموين القوات المسلحة بدءا بالتخطيط ومرورا بالإعداد والتحرك وصولا إلى التنفيذ.

ومنذ سبعينيات القرن العشرين، انتبهت الشركات التجارية الكبرى إلى حيوية اللوجستيك في تنشيط التجارة العالمية، ليُصبح مجالا مستقلا من مجالاتها ومهنة قائمة بذاتها.

النشأة
تعود أصول الإمداد العسكري إلى ما قبل الميلاد، فقد أثار القائد الصيني الشهير سون تزو (عاش بين القرنين السادس والخامس قبل الميلاد) فكرة إحداث عربات تحمل المؤن وتصاحب القوات خلال المعارك لتلبية احتياجاتها المختلفة خاصة من الأطعمة.

وكان التموين بالمأكل أحد أهم التحديات التي تواجهها جيوش تلك الحقبة سيما خلال حملاتها العسكرية بالبلاد البعيدة، وكان التقليد السائد هو الاعتماد على الغنائم ومخازن المناطق التي يتم إخضاعها في الحصول على المؤن.

وأظهر الإسكندر الأكبر تمسكا شديدا بهذا التقليد، فأمر مع بدء مغامرته العسكرية الكبرى بآسيا (أواسط القرن الرابع قبل الميلاد) بإحراق عربات المؤن لتيسير حركة الجيوش والتخفيف من الأعباء ضاربا بذلك عرض الحائط بنصيحة الجنرال سون تزو.

لكنه في المقابل، ابتكر طريقة جديدة وهي تحضير عمليات الإمداد بشكل قبلي، إذ تتحرك وحدات الإمداد في مقدمة الجيوش وتُعسكر بمناطق قريبة من جبهات القتال وتُعد عملية الإمداد عن قرب.

التطور
سيُصبح الإمداد والتموين تخصصا عسكريا قائما بذاته في ظل الإمبراطورية الرومانية، فقد أنشأ يوليوس قيصر (100-44 قبل الميلاد) قسما خاصا بالتموين والإمداد في جيش روما أطلق عليه قسم (اللوجستيا) وأسند قيادته لضابط.

حُددت مهمة القسم الناشئ بإدارة تحركات الكتائب العسكرية وإقامة مخيمات لاستضافة الجنود خلال الحملات العسكرية، وستشتهر مخيمات الحاميات الرومانية مع اتساع نفوذ روما في عهد يوليوس قيصر ليشمل ما بين الراين والمحيط الأطلسي، ويُرجع مؤرخون أوروبيون إلى تلك المخيمات الفضل في نشأة أو ازدهار بعض الحواضر الأوروبية الشهيرة مثل مرسيليا في فرنسا وهانوفر في ألمانيا.

video

الإمداد بالحقبة الوسيطة والحديثة
سيتطور الإمداد والتموين ويكتسب مكانة مركزية مع تطور الجيوش وتنامي أعدادها وبروز الحاجة إلى إدارتها على كل المستويات. ومن هنا برزت إشكالية التوفيق بين عاملي الزمان والمكان في إدارة العنصر البشري وتلبية احتياجاته المختلفة، وكذلك إدارة التجهيزات العسكرية من صيانة وتحريك ونشر وغير ذلك.

وتُشير وثائق فرنسية إلى أنه عام 1445، خلال حكم الملك لويس السابع، كانت توجد مصلحة إدارية بالجيش مسؤولة عن التعزيزات الحربية والحصون والقلاع، وكانت تساهم بشكل مركزي في الإمداد العسكري بمختلف مستوياته رغم أنه يومها كان محدودا جدا ويكاد يقتصر على الإمداد المباشر من المخازن، فالدول الغربية حينها لم تعرف الاستكشافات الكبرى بعد ولم تَفتح عيونها على غزو العالم، وبالتالي كانت جيوشها غير كثيرة الحركة خارج جوارها المباشر.

بيد أن حملات بونابارت التي بلغت آفاقا بعيدة بمقاييس ذلك الزمان، أوجدت نمطا جديدا من الإمداد يعتمد على مقدرات البلدان التي يتم إخضاعها ومخازن جيوشها المهزومة.

وكان بونابارت مسكونا بهاجس تموين جيوشه، فأنشأ وحدة خاصة بإدارة الجيش وتموينه، وقد اشتهرت هذه الوحدة بملابسها المميزة وحضورها الحيوي في حملات بونابارت العسكرية بين 1806 و1815 والتي غزا خلالها روسيا وألمانيا وإسبانيا وبلجيكا قبل أن يُهزم في معركة واترلو الشهيرة.

وبحلول عام 1870، ظهر نوع آخر من إدارة الإمداد استفاد من الصناعة وسخرها في تقليص المسافات بين قواعد الإمداد وجبهة القتال مستفيدا بالخصوص من ظهور السكك الحديدية مع ما تتيحه من إمكانيات هائلة لنقل المؤن والرجال بكميات وأعداد كبيرة وفي أوقاتٍ قصيرة مقارنة بمعايير ذلك الزمان.

وستتعزز هذه النزعة مع اختراع السيارة وظهور الشاحنات الثقيلة أوائل القرن العشرين، وهي آليات ووسائل شاع استخدامها في الحرب العالمية الأولى التي لفتت انتباه كثير من الحكومات الغربية إلى حيوية الإمداد في كسب الحروب واسعة النطاق وطويلة الأمد.

video

الحرب العالمية الثانية
كانت الحرب العالمية الثانية حرب إمداد بامتياز نظرا للمساحات الشاسعة التي دارت عليها واتساعها لتشمل جميع قارات العالم اعتبارا من عامها الثاني. وقد برز دور التموين بعد احتلال ألمانيا النازية لفرنسا وبلجيكا وضربها حصارا على بريطانيا التي بقيت وحيدة في مواجهة الرايخ الثالث.

وما يجدر ذكره أن أحد الأسباب الرئيسية لتأجيل الزعيم النازي أدولف هتلر غزو الاتحاد السوفياتي هو حاجته إلى قمحه وحديده، فتوقيت عملية "بارباروسا" لغزو الاتحاد السوفياتي تم تحديده بناءً على تقديرات الجيش الألماني بأنه حصل على كميات من القمح والحديد الروسي تسد حاجياته من التموين والصناعة الحربية لفترة زمنية تُوازي تلك التي قدر أنه سيتمكن خلالها من إخضاع الاتحاد السوفياتي.

وخلال هذه الحرب، اشتهرت سفن التموين القادمة من كندا عبر الأطلسي محملة بالوقود والمؤن، وهو ما سمح لبريطانيا بالصمود رغم إغراق الألمان مئات من تلك السفن بحمولاتها، كما أن مشاركة الولايات المتحدة في إمداد بريطانيا كانت من الأسباب العميقة لقرار اليابان ضرب قاعدة بيل هاربر.

فقد استشعر اليابانيون والألمان أن الدعم اللوجستي الذي تُقدمه الولايات المتحدة سيجعل هزيمة بريطانيا مستحيلة، كما أنَّ تطوع طيارين وجنود أميركيين إلى جانب بريطانيا كان بمثابة مشاركة رسمية للولايات المتحدة بالحرب.

وأكثر من ذلك، فإن إنزال قوات الحلفاء على شاطئ نورماندي بغرب فرنسا، يوم 6 من يونيو/حزيران 1944، كان نتاج عملية لوجستية ضخمة نُقل فيها عشرات آلاف الجنود والآليات والقطع البحرية، وتم تجميعها في بريطانيا تحسبا لليوم الموعود والذي تم تحديده بناءً على اعتبارات عدة منها حالة البحر التي أرجأت العملية يومين عن الموعد الأصلي وهو الرابع من يونيو/حزيران.

شهد المحيط الهادئ كذلك عمليات إمداد ضخمة وذات خطوط طويلة ومحفوفة بالمخاطر منها عملية إمداد القطاعات البحرية البريطانية والأميركية خلال معركة الباسفيك، إذ شكَّلت جزيرة ميدواي رأس جسر التموين الرئيس الذي مكَّن من حسم المعركة رغم قوة الأسطول الياباني وتوفره على تفوق جوي واضح خلال الأشهر الأولى من المعركة.

المصدر : وكالات,الجزيرة

شارك برأيك