الاقتراع العام المباشر
آخر تحديث: 2015/12/31 الساعة 15:34 (مكة المكرمة)
العضوية
حسابي
تعديل
خروج
اغلاق
آخر تحديث: 2015/12/31 الساعة 15:34 (مكة المكرمة)

الاقتراع العام المباشر

الاقتراع العام المباشر حق المواطن في اختيار ممثليه (أسوشيتد برس)

هو التعبير الأسمى والأوضح عن السيادة الشعبية والمزاج العام في مجتمع ديمقراطي، والتجسيد الفعلي للمساواة بين المواطنين كما هي معرّفة في الدساتير والقوانين الديمقراطية. ولا يستقيم الحديث عن شرعية سياسية في النظام الديمقراطي إلا إذا كان مصدرها الاقتراع، سواء كان مباشرا أو عبر التفويض للممثلين، وهذا ما يُسمى في القاموس الديمقراطي "الشرعية الشعبية".

المفهوم و الممارسة
الاقتراع العام المباشر يعني أنَّ كل مواطن له الحق في التصويت لتفويض ممثليه، برسم ولاية محددة زمنيا، ويضبط القانون شروطَ تجديدها والآجال التي يتم فيها ذلك.

وليكون الاقتراع عاما ومباشرا لا بد أن يكون لكل المواطنين الحق في التصويت وفي الترشح، مع أن ذلك طبعا يخضع لمقتضيات قانونية محددة، فالحقوق الانتخابية تكون أحيانا محددة بسن معينة، أو الأهلية المدنية، أو سلامة الذمة الجنائية.

ففي بعض البلدان يُحظر التصويت والترشح على المتهربين من الضرائب، كما يسقط الحق في التصويت والترشح أحيانا لأسباب جنائية مفضية إلى تجريد صاحبها من حقوقه المدنية، بل إن قوانين بعض البلدان تجعل سلامة الذمة المالية شرطا أساسيا للترشح.

النشأة
ظهر التصويت العام المباشر أول مرة في فرنسا بعد الثورة عام 1789، إذ أقرته الجمعية التأسيسية في أعمالها، وتم تضمينه في دستور عام 1793، الذي وضعته جمعية تأسيسية تشكلت في معظمها من أرباب أسر لا يقل عمر الواحد منهم عن 25 سنة مع شروط أخرى تتعلق بالمستوى التعليمي والمهني.

وكانت هذه المعايير مسايرة للميراث السياسي والاجتماعي الثقيل لقرون طويلة من الاستبداد وغياب التنوير وسيادة الفوارق في جميع مناحي الحياة.

والواقع أن المشرعين والساسة الفرنسيين استلهموا الفكرة من كتابات الفيلسوف جان جاك روسو التي كانت -مع كتابات فولتير ومونتسكيو- القاعدة الفكرية المرجعية للثورة الفرنسية، لا سيما في الجوانب المتعلقة بالعقد الاجتماعي الذي يجب أن يسود، ومصدر الشرعية السياسية للنظام القائم، والتي يرون أن مصدرها الوحيد لا يمكن أن يكون إلا الإرادة الشعبية المعبَّر عنها عبر التصويت العام المباشر.

التطور
رغم التنصيص عليه في دستور 1793، فإن فرنسا لم تشهد تطبيق الاقتراع العام المباشر إلا في ظل الجمهورية الثانية، وتحديدا بموجب مرسوم صادر بتاريخ الثاني من مارس/آذار 1848، ومردُّ ذلك إلى كون دستور 1793 لم يعرف طريقه إلى التطبيق أبدا نتيجة الاضطرابات التي أعقبت الثورة واستمرت قرنا من الزمان، وتُعرف هذا الفترة في أدبيات التاريخ الفرنسي "بالعبور الكبير للصحراء"، تعبيرا عن الجدب السياسي والاقتصادي والفكري الذي ساد تلك المرحلة.

الاقتراع الذكوري
قصر مرسوم 1948 بفرنسا، الذي جاء عقب ثورة شعبية، الحق في التصويت والانتخاب على الرجال دون النساء، ومن ذلك نجد في أدبيات التاريخ السياسي الفرنسي مفهوم (الاقتراع العام المباشر الذكوري) في إحالة على احتكار الرجال حق التصويت دون النساء اللائي لن يتمتعن بهذا الحق إلا بعد هذا التاريخ بقرن، أما سرية التصويت فلن تُفرض إلا بعد ذلك بسبعين سنة بموجب دستور 1913 الذي سُمَّي دستور الساتر (constitution d'isoloir). 

"دمقرطة" الاقتراع
تمكنت المرأة الفرنسية من نيل حق التصويت والترشح على قدم المساواة مع الرجل عام 1944، حين صدر قانون بذلك في وقت كانت فيه فرنسا تنفض غبار أربع سنوات من الهزيمة والاحتلال النازي. قبل ذلك كانت المرأة الفرنسية تصوت فقط في انتخابات التجمعات (الكانتونات) وغيرها من الانتخابات ذات الصبغة المحلية، وإن كان قانون صادر في 1906 ألغى كل أنواع التمييز بين الجنسين في ممارسة حق الاقتراع، لكنه ميّز بينهما في سن الأهلية الانتخابية.

والواقع أن تمتع المرأة الفرنسية بحق التصويت كان خطوة من الجنرال شارل ديغول هدفها تشجيع دورها الطلائعي في مقاومة الاحتلال النازي (1940-1944). وفي ألمانيا تمتعت المرأة بحق الاقتراع الكامل عام 1918، مع أن الريادة في منح المرأة حق التصويت والترشح تبقى للولايات المتحدة التي أقرت بعض ولاياتها المساواة بين الجنسين في ممارسة حق التصويت والترشح منذ 1788، لكن هذه الحقوق بقيت محصورة في نطاق انتخابات شديدة المحلية.

ربط الاقتراع بالضريبة
توجد أنواع أخرى من الاقتراع مختلفة عن الاقتراع العام المباشر سادت في أوروبا قبل الثورة الفرنسية؛ ففي فرنسا مثلا، كان الحق في التصويت مربوطا بدفع الضرائب أو الأعطيات، وهي إتاوات كان يدفعها دافع الضرائب ويعود جزء منها لسيد المنطقة التي يسكن فيها (دوق، كونت، أمير،...) بينما يُصرف الجزء الآخر للكنيسة.

وكان القانون الفرنسي يُحدّد سقفا معينا لقيمة الضريبة المدفوعة ليكون لصاحبها حق الاقتراع. وشكَّلت هذه الإتاوات المعروفة (le cens) أساس النظام الضريبي السائد في العصور الوسطى.

واعتُمد هذا النوع من الاقتراع في انتخاب أعضاء الجمعية التأسيسية الفرنسية بعد الثورة، إذ كان التصويت حكرا على أرباب الأسر الذين تتجاوز أعمارهم 25 سنة ويدفعون الضرائب بانتظام.

ساد هذا النظام كذلك في بلجيكا إلى 1893، أما ألمانيا فلم تعرف الاقتراع العام المباشر إلا في
1870، مع أنَّ الحق في الاقتراع ظلَّ حكرا على الرجال دون النساء إلى مطلع القرن الماضي.

اقتراع الكفاءة
ساد اقتراع الكفاءة على نحو واسع في أوروبا خلال القرنين 18 و19، ويرهن الحق في التصويت بالمستوى الفكري للشخص، وقيمة الضرائب التي يدفعها، والفئة المهنية التي ينتمي إليها.

وفي ضوء ذلك، كان الحق في الاقتراع مقتصرا على الأطباء والموثقين وضباط الجيش وغيرهم من ''أنتلجنسيا'' المجتمع، وفي بعض الولايات بجنوب الولايات المتحدة كان الناس إلى عام 1965 يُختبَرون في مواد الدستور لمعرفة قدرتهم على تفسيرها، وبناء على ذلك تتحدد أهلية التصويت من عدمها لكل ممتحن، وفي أميركا اللاتينية كانت بعض الدول -وإلى عهد قريب- تقصر الحق في الاقتراع على مواطنيها المتعلمين.

ومع تنامي الوعي بضرورة تعميم الاقتراع العام المباشر، عملت بعض القوى الدافعة في المجتمعات الأوروبية على الالتفاف على المطالب الشعبية بإقرار التصويت المتعدد، إذ يكون للناخب الحق في التصويت عدة مرات في اقتراع واحد بناء على مستواه المعرفي والشهادات الأكاديمية التي حصل عليها، وهذا النوع من الاقتراع نجد له أثرا اليوم في الشركات، إذ يتم التصويت أحيانا في مجالس الإدارة على قاعدة الأسهم؛ فمثلا من له عشرة أسهم له مثلها من الأصوات.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك