|
||||||
|
مع امتداد النمو البطيء من عام إلى عام، ينشأ جدل متزايد حول ما يمكننا توقعه على مدى العقود المقبلة، فهل كانت الأزمة المالية العالمية نكسة قاسية ولكنها عابرة حلت بالنمو الاقتصادي في الدول المتقدمة، أم أنها كشفت عن ضعف أعمق وأطول أمدا؟ في الآونة الأخيرة تبنى عدد قليل من الكتاب -بما في ذلك متعهد الإنترنت بيتر تايل والناشط السياسي وبطل العالم السابق في الشطرنج غاري كسباروف- تفسيرا راديكاليا بعض الشيء للتباطؤ الاقتصادي، ففي كتاب سيصدر قريبا من تأليف تايل وكسباروف يزعمان فيه أن انهيار النمو في الدول المتقدمة لم يكن نتيجة للأزمة المالية فحسب، بل إن الضعف الذي تعاني منه هذه البلدان يعكس في جذره ركودا ممتدا زمنيا في التقنية والإبداع. ويرى غوردون أن أهمية الإبداعات التقنية اليوم تتضاءل كثيرا مقارنة بما تحقق في الماضي من تقدم هائل، مثل اكتشاف الكهرباء وتوصيل المياه الجارية إلى المنازل، واختراع محرك الاحتراق الداخلي، وغير ذلك من الاختراعات التي تجاوز عمرها الآن قرنا من الزمان.
الركود التقني وهي أفكار مثيرة للاهتمام حقا، ولكن الأدلة لا تزال تشير بشكل ساحق في ما يبدو، إلى أن الإعاقة التي يعاني منها الاقتصاد العالمي تعكس في الأساس آثار الأزمة المالية العميقة، وليس أزمة إبداع ممتدة في الزمن. هناك بكل تأكيد أولئك الذين يعتقدون بأن منابع العلم في طريقها إلى الجفاف، وأن المرء إذا دقق النظر فسيتبين له أن أحدث الأجهزة والأفكار التي تحرك التجارة العالمية مشتقة في الأساس من أجهزة وأفكار سابقة. ولكن الغالبية العظمى من زملائي العلماء في أرقى الجامعات يبدون قدرا هائلا من التحمس لمشاريعهم في مجال تقنية النانو وعلم الأعصاب والطاقة ومجالات كثيرة. طفرة الائتمان من المسلم به أن طفرة الائتمان في حد ذاتها ربما كانت راجعة إلى التفاؤل المفرط الذي أحاط بإمكانات النمو الاقتصادي التي صاحبت العولمة والتقنيات الحديثة. وكما أؤكد أنا وكارمن راينهارت في كتابنا "هذه المرة الأمر مختلف"، فإن الأرقام المتفائلة تصاحب غالباً الطفرات الائتمانية، وهذه ليست المرة الأولى التي يلعب فيها الإبداع التقني والعولمة دوراً مركزياً.
وعندما نعزو التباطؤ الحالي إلى الأزمة المالية فإن هذا لا يعني ضمناً غياب التأثيرات الزمنية الطويلة الأجل، والتي يضرب بعضها بجذوره في الأزمة ذاتها. وتكاد تكون الشركات الصغيرة والجديدة هي الأكثر تضرراً من انكماش الائتمان على نحو شبه ثابت. ولأن العديد من أفضل الأفكار والإبداعات تأتي من الشركات الصغيرة لا من الكبيرة، فإن الانكماش الائتماني المستمر سيفرض تكاليف حتمية طويلة الأمد في ما يتصل بالنمو. عوامل ضاغطة وبعيداً عن الاتجاهات التقنية، هناك أيضاً عوامل الزمن مثل شيخوخة السكان في أغلب الدول المتقدمة، والتي تعمل أيضاً على عرقلة آفاق النمو. وحتى في غياب الأزمة، كان من واجب الدول أن تجري تعديلات مؤلمة سياسياً لبرامج التقاعد والرعاية الصحية. وبالجمع بين هذه العوامل سيكون من السهل علينا أن نتخيل اتجاهاً لنمو الناتج المحلي الإجمالي أدنى بنحو نقطة مئوية واحدة من المعدل الطبيعي لعقد آخر من الزمان، بل وربما لفترة أطول. وإذا كانت فرضيات كسباروف وتايل وغوردون صحيحة، فإن هذا يعني أن التوقعات تصبح أكثر قتامة، وتصبح الحاجة إلى الإصلاح أكثر إلحاحا. هل السبب الرئيسي وراء التباطؤ الحالي إذن هو أزمة إبداع أم أزمة مالية؟ لعل الأمر راجع إلى مزيج منهما، ولكن المؤكد أن الصدمة الاقتصادية على مدى الأعوام القليلة الماضية تعكس في المقام الأول انهياراً ماليا، حتى لو كان الطريق إلى الأمام يستلزم حتماً التعامل في الوقت نفسه مع عقبات أخرى تعوق النمو على المدى البعيد. ــــــــــــــ
المصدر : بروجيكت سينديكيت
شروط الخدمة
|
||||||
|
|
|





