|
|||||||||
|
خروج عن المألوف خروج عن المألوف فإنشاء سدود بدول المنبع كان دائمًا محل نقاش بين دول المنبع ودول المصب بحضور المؤسسات الدولية، وغالبًا ما كانت الأمور تنتهي إلى أن هذه المشروعات ستؤثر على حصة دول المصب، وستترتب على نقص حصص المياه لهذه الدول مشكلات اقتصادية. غير أن إعلان إثيوبيا منفردة خلال الأيام القليلة الماضية تحويل مياه نهر النيل الأزرق لإنشاء "سد النهضة" على أراضيها، كان بمثابة خروج عن المألوف إقليميًا بين دول حوض النيل.
والمعروف أن متطلبات بناء سد النهضة تفوق الإمكانيات المادية المتاحة لإثيوبيا، وأن ثمة تدخلات من قبل دول أخرى من خارج إقليم حوض النيل، تدفع لإقامة السد وتقبل بتحمل نفقات بنائه بهدف خنق مصر مائيًا وبالتالي اقتصاديًا واجتماعيًا، وإظهار مصر بعد الثورة في موقف الضعيف غير القادر على حماية مصالحه التاريخية التي لم تتأثر منذ عقد الستينيات من القرن الماضي حين أنشئ السد العالي بمصر. علاقة دول حوض النيل وحصة الدول في مياه النهر نظمتها مجموعة من الاتفاقيات بين دول الحوض، منها اتفاقيات 1902، و1929، و1959. ولا تجيز هذه الاتفاقيات وجود تصرفات منفردة بشأن مياه النهر. كما أن القانون الدولي ينص على مجموعة من المبادئ، بينها مبدأ حسن النية في تطبيق المعاهدات الدولية، بمعنى عدم الإضرار بمصالح الآخرين نتيجة لتطبيق هذه الاتفاقيات. ومن هنا فالتصرف الإثيوبي خالف الاتفاقيات المبرمة بشأن مياه النيل، وكذلك مبادئ القانون الدولي. ولا شك أن ملف المياه في منطقة حوض النيل له العديد من الجوانب الاقتصادية والسياسية. ويتناول هذا التحليل الآثار الاقتصادية السلبية على مصر بسبب عزم إثيوبيا إقامة مشروعها لسد النهضة. التداعيات السلبية - تراجع المساحة الزراعية إن المساحات الزراعية المتاحة لمصر حاليًا لا تتناسب مع تزايد عدد سكانها الذي يناهز 92 مليون نسمة، وهو قابل للزيادة خلال السنوات القادمة في ظل معدل زيادة سكانية تقدر بنحو 1.9% سنويًا. ومما هو معروف أن ثبات المساحة الزراعية ووجود زيادة سكانية سيؤثر بشكل كبير على حجم الاحتياج من المنتجات الزراعية والغذائية التي تنتجها مصر. وفي ظل حصتها الحالية من المياه بدون نقصها، ستستورد مصر نحو 60% من غذائها، فما بالها لو نقصت حصة المياه وتوقف التوسع في استصلاح الأراضي الصحراوية؟ ما من شك في أن ذلك سيزيد العجز في الميزان التجاري المصري الذي يعاني بدوره من عجز تاريخي.
- مزيد من البطالة
لا شك أن الأمر سيزداد تعقيدًا من حيث مساهمة قطاع الزراعة في توفير فرص عمل، بل سيكون القطاع طاردا للعمالة في ظل مشكلات الحصول على المياه اللازمة للزراعة. - العجز المائي وقد بنيت هذه التقديرات على أساس ثبات حصة مصر من مياه النيل، ولكن في ظل افتراض استكمال سد النهضة بإثيوبيا وخصم نحو 9 أو 12 مليار متر مكعب سنويًا من حصة مصر من مياه النيل، فإن ذلك يعني انخفاض حصتها الحالية بنسب تتراوح بين 16.3 و21.8%. وهذا سيضيف أعباء اقتصادية جديدة على كاهل الاقتصاد المصري، تتمثل في تكاليف تحلية مياه البحر لسد العجز في المياه الصالحة للشرب، أو ما يمكن عمله من خلال إعادة المعالجة لمياه الصرف للاستفادة منها في ري الأراضي الزراعية. وهذه الإجراءات المتعلقة بعمليات التحلية أو المعالجة ستربك خطط التنمية في مصر التي تحاول أن تخرج من مشكلاتها الاقتصادية الآنية، أو الخروج من مصاف الدول النامية لتحتل مركزًا متقدمًا في مصاف الدول الصاعدة عبر مشروعها للدخول في تجمع دول البريكس. - خفض الطاقة الكهربائية وبعد الثورة اشتدت أزمة الطاقة في مصر، ومن شأن التأثير على حصة مصر من المياه أن تنخفض الكهرباء المنتجة من خلال السد العالي الذي يوفر نسبة 10 إلى 12% من الطاقة المنتجة في البلاد. ويعتبر الـتأثير على هذه الحصة رغم صغرها نقطة ضغط على الاقتصاد المصري في ظل ظروفه الحالية، أو خلال المرحلة المقبلة. فمصر دفعت ثمنًا كبيرًا لبناء السد العالي في الستينيات، ومن حقها أن تحصل على العائد من هذه التكلفة على مدار سنوات طويلة. فخفض حصة السد العالي من إنتاج الكهرباء يعني تعويضها من مصادر أخرى ذات تكلفة اقتصادية عالية، فضلًا عن نظافة المصادر المائية في توليد الكهرباء. والتفكير في مصادر بديلة للكهرباء المتحصل عليها من السد العالي، يستغرق وقتًا في حالة اللجوء إلى المصادر الجديدة والمتجددة مثل الرياح أو الطاقة الشمسية أو تدوير المخلفات، كما أن اللجوء إلى الطاقة النووية محفوف بكثير من المخاطر رغم أهميته لمصر، وكذلك اللجوء إلى مصادر أحفورية من خلال النفط والغاز ذوي التكلفة العالية، وخاصة بعدما أصبحت مصر تستورد أكثر مما تصدر من النفط والغاز بسبب سياسات التصدير الخاطئة التي نفذتها قبل الثورة. مخطط لخنق مصر
الدراسات الخاصة بالتربة في إثيوبيا كانت عادة ما تنتهي إلى عدم ملاءمة هذه التربة للاحتفاظ بالمياه لفترات طويلة نظرًا لطبيعتها الجيرية، وهو ما يزيد من احتمال انهيار السدود في هذه المنطقة. والشروع في تنفيذ سد النهضة في ظل هذه الدراسات يحتمل أحد أمرين: دخول إثيوبيا في تكلفة مالية لا تحتملها في ظل اقتصادها الضعيف، أو تكفّل جهات خارجية بدفع هذه التكلفة مع علمها بعدم نجاعة المشروع اقتصاديًا، لكنها تهدف إلى تشديد الخناق على مصر. فتقديرات تكلفة سد النهضة تتراوح بين 5 و8 مليارات دولار، وقد أعلنت الصين أنها ستتحمل مليارين، في حين رفض البنك الدولي المشاركة في تمويل السد بسبب النزاعات الموجودة بين دول حوض النيل حول إقامة مثل هذه السدود. لكن الخبراء السياسيين يشيرون إلى حرص بعض الدول المعادية لسياسة مصر -دون أن يسموها- على الدفع لبناء هذا السد. ولا بد أن نأخذ في الاعتبار أن إثيوبيا تصنف كإحدى الدول الأشد فقرًا وفق تصنيف تقرير التنمية البشرية الصادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة. كما تشير قاعدة بيانات البنك الدولي إلى أن الناتج المحلي الإجمالي لإثيويبا لم يتجاوز 30 مليار دولار عام 2011، وأن متوسط دخل الفرد السنوي بحدود 370 دولارا، وهي من أقل النسب الموجودة لدخل الفرد في العالم. لكن مصر تملك العديد من الأوراق المهمة لإدارة هذا الملف، خاصة أن الملف له بعد تاريخي، ولدى مصر مؤسسات ذات خبرة في إدارته، سواء على الصعيد الدبلوماسي أو باستخدام القوى الناعمة عبر الأزهر والكنيسة. ويمكن الاستشهاد هنا بنتائج اللجنة الثلاثية التي تشكلت عام 2011 باتفاق بين مصر والسودان وإثيوبيا عندما أعلنت الأخيرة رغبتها في بناء سد النهضة. وتضم اللجنة عشرة أعضاء: اثنان من كل بلد والبقية خبراء دوليون. وكان يفترض أن تعلن اللجنة تقريرها أمس السبت، إلا أن تسريبات المشاركين في اللجنة أشارت إلى أن إثيوبيا عجزت عن إثبات عدم وجود ضرر على مصر والسودان ببناء سد النهضة، وبالتالي لا بد من العودة إلى المفاوضات للبحث عن مخرج للأزمة. وتشير نتائج اللجنة إلى حق مصر في حصتها من المياه، وإلى أن إقامة سد النهضة سيؤثر بلا شك على حصة كل من مصر والسودان من مياه النيل.
المصدر : الجزيرة
شروط الخدمة
|
|||||||||
|
|
|





