انتقل سعر النفط من 36 دولاراً للبرميل في عام 2004 إلى 61 دولاراً في عام 2006 وإلى نحو 143 دولاراً نهاية يونيو/حزيران 2008. يأتي ذلك وسط تفسيرات متباينة تجلت في اجتماع جدة بالسعودية في 22 يونيو بين الدول المنتجة والمستهلكة بشأن السبب الرئيسي لارتفاع الأسعار فالأولى ترجعها للمضاربات وليست للعرض والطلب في حين تراها الثانية لتراجع الإنتاج ضاغطة على منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) لضخ المزيد.
 
ترى ماذا حدث في السوق النفطية ومن المستفيد من هذا الارتفاع وما هي آثاره الاقتصادية؟ 
 
في الوقت الحاضر يبلغ الطلب النفطي العالمي 87.8 مليون برميل يوميا أي بزيادة قدرها 2.5% مقارنة بالعام المنصرم الأمر الذي يوجه الأسعار نحو الارتفاع. ومن زاوية أخرى كلما هبط العرض مقارنة بالطلب ارتفعت الأسعار. ترتبط المشكلة الأساسية الحالية والمستقبلية بالإمكانية العملية لزيادة الإنتاج التي تخضع لحجم الاحتياطيات المؤكدة.

قبل سنوات قليلة منصرمة ساد الاعتقاد بأن التقدم التكنولوجي كفيل باكتشاف حقول جديدة وتحسين إنتاجية الحقول القديمة فترتفع الاحتياطيات النفطية. أدت هذه الثقة المفرطة بهذا التقدم إلى اطمئنان البلدان المنتجة على اعتمادها على إيرادات الخام لفترة طويلة والبلدان المستهلكة على استمرار تدفق النفط إليها.

في المستقبل القريب سوف تقتصر زيادة الإنتاج على خمس دول وهي السعودية والإمارات والعراق والكويت وإيران. ينتظر من هذه البلدان أن ترفع إنتاجها تدريجياً من 21 مليون برميل يوميا عام 2008 إلى 49 مليون برميل يوميا عام 2020 (تقديرات مذكورة في التقرير الأخير لوكالة الطاقة الدولية). لكن الدراسات الجيولوجية تثبت تعذر رفع الإنتاج على هذا النحو لأن الاحتياطيات النفطية بدأت بالهبوط بمعدل سنوي قدره 3% منذ عام 2005.
لم يعد ممكناً اكتشاف حقول جديدة كبيرة. وعند مراجعة جداول التقرير الاقتصادي العربي الموحد يتبين أن الاكتشافات النفطية للسنوات الماضية في العالم العربي تتعلق بحقول صغيرة في دول ذات احتياطيات نفطية ضعيفة. ففي عام 2006 بلغ العدد الكلي لهذه الاكتشافات 39 منها 34 اكتشافاً في مصر واليمن وتونس.
وتشير بعض الدراسات إلى أن الاحتياطيات العالمية المؤكدة ليست 1150 مليار برميل كما هو معلن رسمياً بل 780 مليار برميل.
 
وأخطر من ذلك ترى هذه الدراسات أن الخطأ في التقدير يخص الدول الخمس المذكورة أعلاه التي تعلن عن امتلاك 710 مليار برميل في حين أنه لا يتوفر لديها إلا 340 مليار برميل. الاحتياطيات السعودية (حسب هذه الدراسات) ليست 262 مليار برميل بل 181 مليار برميل والاحتياطيات الإيرانية ليست 125 مليار برميل بل 44 مليار برميل.

أمام هذا الوضع بات من اللازم التعامل بحذر مع هذه الدراسات ومع الإحصاءات الرسمية. ويأتي تردد البلدان النفطية خاصة الخليجية في رفع الإنتاج ليعطي دلالة على تناقص الاحتياطيات المؤكدة. وهكذا لا يستطيع الإنتاج تلبية الزيادة في الطلب فترتفع الأسعار.

إن تضخيم هذه الاحتياطيات لم يعد يخدم إلا مصالح الشركات الكبرى لأنه يساهم في ارتفاع قيم أسهمها في السوق المالية من جهة ويجعل مفاوضاتها سهلة في الحصول على قروض مصرفية للقيام بعمليات استثمارية من جهة أخرى.

لكن زيادة الإنتاج لا تخضع لحسابات نفطية فقط بل كذلك لاعتبارات سياسة. في اجتماع جدة -الذي جمع كبرى الدول المصدرة والمستوردة للخام- استجابت السعودية والكويت للرغبة الأميركية في زيادة العرض رغم أن ذلك لا ينسجم مع مقررات (أوبك).
 

على إثر انفجار الفقاعة العقارية في الولايات المتحدة وما ترتب عليها من أزمة مالية حادة اتجهت صناديق الاستثمار الأميركية على وجه الخصوص إلى القطاع النفطي فارتفعت بالتالي أسعار الخام في السوق العالمية. ونفس هذا التحليل ينطبق على الذهب وبعض المواد الغذائية. أصبح المضاربون في مقدمة المسببين لهذا الارتفاع والمستفيدين منه.

إن رفض أوبك زيادة الإنتاج لا يتأتى من الحرص على الخام من النضوب السريع فحسب بل من قناعتها أيضاً بأن العرض يغطي الطلب بالكامل. وبالتالي لا حاجة لزيادة الإنتاج، وأنه لو لم تكن المضاربات موجودة لبات من اللازم تقليص الإنتاج لتعديل الأسعار لأن هذا الإنتاج (حسب تصريح الأمين العام لأوبك بتاريخ 12 يونيو) في حالة فائض بمقدار نصف مليون برميل يوميا.

وتعتقد مراكز البحوث في البلدان الصناعية بأن السبب الأساس لارتفاع الأسعار هو هبوط العرض مقابل الطلب، في حين ترى أن منظمة أوبك التي كانت تتكفل بزيادة العرض عند ارتفاع الأسعار لم تعد قادرة على ذلك. ولا يمكن بالطبع معالجة هذه المشكلة إلا برصد أموال طائلة لاكتشاف حقول جديدة.
 
لا شك أن دول أوبك تبالغ في تأثير المضاربات النفطية وأن الدول الصناعية تتغاضى عن المكانة المؤثرة لهذه المضاربات. ويبدو أن منظمة التجارة العالمية ستلعب دوراً بارزاً في تنظيم التجارة النفطية ومن بينها تحديد مساهمة ومسؤولية المضاربات والبلدان النفطية في رفع الأسعار. ففي مايو/أيار المنصرم قدمت ألمانيا والنمسا وسويسرا طلباً مشتركاً إلى هذه المنظمة لمناقشة ارتفاع أسعار الخام، وأكدت هذه الدول أنها لا تشتكي بل تقدم برنامجاً للمناقشة والتفاوض.
 
يدعو هذا البرنامج إلى إجراء دراسة معمقة للتفريق الدقيق بين مساهمة كل من المضاربات وقلة العرض في ارتفاع أسعار الخام. وفي حالة إثبات مسؤولية الدول النفطية قد ينقلب الطلب إلى شكوى ترمي إلى إدانة الدول النفطية خاصة الخليجية وحثها على زيادة الإنتاج بل وعلى التخلي عن التدخل في هذا الميدان وفق الاتفاقات المتعددة الأطراف لتلك المنظمة التي تمنع أي إجراء من شأنه تقييد الصادرات.

كما احتلت المسؤولية عن ارتفاع الأسعار جدول أعمال وزراء الدول الثماني الكبرى المجتمعين بمدينة أوساكا اليابانية في 13 و14 يونيو. وطلب المجتمعون من صندوق النقد الدولي والوكالة الدولية للطاقة دراسة دور المضاربات وقلة الإنتاج في رفع أسعار الخام. 
 
بين عام 2004 و2007 انتقلت أرباح توتال الفرنسية من 11 إلى 17 مليار دولار وشل البريطانية الهولندية من 18 إلى 28 مليار دولار وإكسون موبيل الأميركية من 25 إلى 41 مليار دولار. وارتفعت قيم أسهم جميع الشركات الكبرى ارتفاعاً هائلاً خلال فترة قصيرة. فعلى سبيل المثال ارتفعت أسهم شركة شيفرون الأميركية بنسبة 30% في الربع الأول من العام الحالي مقارنة بنفس الفترة من العام المنصرم.

وبالمقابل هبطت القدرة الشرائية للمستهلكين خاصة أصحاب الدخول الضعيفة فظهرت دعوة ترمي إلى فرض المزيد من الضرائب على أرباح الشركات. انتشرت هذه الدعوة في الحملة الانتخابية الحالية في الولايات المتحدة. وطبقت فعلاً في إيطاليا منذ فترة قصيرة حيث أقدمت الحكومة على رفع الضريبة على الشركات النفطية من 27% إلى 33% وقررت صرف الحصيلة الناجمة عن الفرق بين هاتين النسبتين لصالح ذوي الدخول المنخفضة.
 

"
يمكن وضع البلدان النامية المستوردة للنفط في مقدمة المتضررين من ارتفاع أسعار الخام، إذ لا يقتصر الأمر على التضخم بل يشمل أيضاً إرهاق المالية الخارجية وما يترتب عليه من تفاقم المديونية

"
يمكن وضع البلدان النامية المستوردة للنفط في مقدمة المتضررين من ارتفاع أسعار الخام، إذ لا يقتصر الأمر على التضخم بل يشمل أيضاً إرهاق المالية الخارجية وما يترتب عليه من تفاقم المديونية. للتخفيف من وطأة هذه النتائج السلبية دأبت الدول النفطية على مساعدة هذه البلدان بطرق عديدة منها القروض الميسرة الممنوحة من قبل صندوق أوبك للتنمية الدولية.

أما في الدول الصناعية المستوردة للنفط فيتعين تجنب المبالغة في التداعيات السلبية إذ لم يصل سعر البرميل بعد إلى ثلاثمائة دولار وهو المبلغ الذي قد يحدث صدمة نفطية ثالثة في العالم.

فحسب تقرير المفوضية الأوروبية هبط معدل النمو في منطقة اليورو في عام 2007 بمعدل 0.2% نقطة مئوية.
 
وفي العام الحالي يتوقع التقرير أن يصل الهبوط إلى 0.4%. وبحسب تقرير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية فإن كل زيادة بمبلغ عشرة دولارات تقود إلى انخفاض النمو بمعدل 0.2% في الولايات المتحدة و0.3% نقطة في أوروبا وكذلك اليابان. كما تقود هذه الزيادة وفق التقرير إلى ارتفاع التضخم بحوالي 0.4% نقطة في الولايات المتحدة و0.5% في أوروبا و0.3% في اليابان.

إن هذه الآثار السلبية ضعيفة وبعيدة عن تلك التي يمكن أن تحدثها صدمة نفطية. ينجم هذا الضعف عن تراجع النفط في التجارة العالمية وعن قابلية الدول الصناعية في تقليص الاعتماد على النفط في توليد الطاقة الكهربائية عن طريق الطاقة النووية وفي توليد الطاقة الحرارية عن طريق الطاقات المتجددة خاصة الخشب.
 
كما أن قسطاً لا يستهان به من الاعتمادات المخصصة لشراء الخام يعود إلى هذه الدول عن طريق ما تخصصه الدول النفطية من أموال لاستيراد السلع والخدمات المدنية والعسكرية. أضف إلى ذلك أن ارتفاع أسعار الخام يؤدي إلى زيادة حصيلة الضرائب في الدول المستوردة وهي المصدر الأساس للإيرادات العامة وتساهم بالتالي في تغطية العجز المالي.

إن أسعار النفط مقيمة بالدولار وهي عملة تتراجع قيمتها التعادلية باستمرار منذ عدة سنوات لأسباب ترتبط بالسياسة التجارية والعسكرية الأميركية. وعلى هذا الأساس يرى الأوروبيون أن ارتفاع سعر صرف اليورو مقابل الدولار أدى إلى امتصاص نصف نسبة ارتفاع أسعار الخام.

وأما في البلدان المصدرة فإن الانعكاسات الإيجابية لارتفاع أسعار الخام عديدة أهمها تحسن إيرادات الميزانية العامة فيرتفع مستوى الاستثمار والمرتبات. وكذلك يرتفع فائض الميزان التجاري الأمر الذي يدعم مركز ميزان المدفوعات وما يترتب على ذلك من تنامي الاحتياطيات الرسمية وسداد الديون الخارجية التي تراكمت بسبب سنوات تردي أسعار الخام. بالنتيجة النهائية يسجل النمو معدلات إيجابية عالية.

أما التضخم فقد ارتفع في بلدان مجلس التعاون الخليجي بنسب عالية (بين 5% و20% حسب التقديرات وحسب الدول) تفوق بكثير نسب التضخم في الدول الصناعية. ونلاحظ أن جميع أسباب التضخم المتعلقة بأسعار النفط ثانوية.
 
فارتفاع أسعار العقارات سابق على ارتفاع أسعار الخام ويعود إلى زيادة الطلب الناجمة عن عدة أسباب منها السماح للأجانب بامتلاك العقار. كما أن زيادة المرتبات والأجور أي ارتفاع نفقات الدولة جاء نتيجة تحسن حقيقي في الإيرادات العامة. أما السيولة النقدية الناجمة عن ارتفاع أسعار الخام فقد نجحت البنوك المركزية الخليجية في امتصاص قسط كبير منها عن طريق السندات.

"
السبب الأساس للتضخم في الخليج نقدي بحت لا علاقة له بالنفط وهو ارتباط العملات المحلية بسعر صرف ثابت بالدولار

"
السبب الأساس للتضخم في الخليج نقدي بحت لا علاقة له بالنفط وهو ارتباط العملات المحلية بسعر صرف ثابت بالدولار. فبسبب هبوط سعر صرف الدولار مقابل العملات الرئيسة الأخرى تهبط أيضاً أسعار صرف العملات الخليجية مقابل هذه العملات عندئذ ترتفع أسعار السلع المستوردة من جميع مناطق العالم التي يعتمد نظامها النقدي على التعويم كمنطقة اليورو.

لا توجد علاقة وطيدة بين ارتفاع أسعار النفط ومشكلة التضخم في دول مجلس التعاون الخليجي. وبالتالي لا يمكن معالجة هذه المشكلة إلا بإحدى الطريقتين التاليتين أو بهما معاً: أن تغير الولايات المتحدة سياستها الاقتصادية وإستراتيجيتها العسكرية بحيث يرتفع سعر صرف الدولار، أو أن تتخلى دول المجلس عن الدولار كمثبت لعملاتها وتتبنى التعويم أو على الأقل نظام سلة من العملات. وجميع الدلالات تشير إلى أن ما يجري فعلاً هو عكس هذين الاتجاهين.
 
بات على أوبك أن تقلل الإنتاج عندما تنخفض الأسعار إلى حد يهدد مصالح أعضائها. أما ارتفاع الأسعار فيجب تركه لقوى السوق دون تدخل المنظمة. عكس اجتماع جدة وقوف الدول المصدرة إلى جانب الدول المستوردة للخام لإيجاد صيغة لمعالجة ارتفاع الأسعار. في حين لم يحدث أن وقف المستوردون إلى جانب المنتجين عندما هبطت أسعار البرميل إلى 13 دولاراً عام 1986 وإلى 12 دولاراً عام 1998.
 
علماً بأن المشكلات التجارية والمالية التي عانت منها البلدان النفطية جراء هبوط الأسعار (عجز الميزانيات العامة واختلال موازين المدفوعات والبطالة وتفاقم المديونية الخارجية وتراجع الاستثمارات وتباطؤ النمو) كانت أخطر بكثير من المشكلات التي تعاني منها حالياً البلدان المستوردة بسبب ارتفاع أسعار الخام والتي لا تتعدى زيادة ضئيلة في معدلات التضخم.
_______________
باحث اقتصادي عراقي مقيم في فرنسا

المصدر : الجزيرة