عبد الحافظ الصاوي*

يعد التضخم من الظواهر الاقتصادية السلبية، لذلك تستهدف السياسات الاقتصادية -وفي القلب منها السياسة النقدية- تحجيم التضخم. وقد يفرض التضخم نفسه لأسباب اقتصادية على دولة أو إقليم ما لفترة معينة، إلا أن استمراره لفترات طويلة يعد من المعضلات الاقتصادية. والحالة العربية من الحالات المركبة التي يتعايش فيها التضخم مع مشكلات اقتصادية أخرى مزمنة.

وحسب الإحصاءات المنشورة من قبل المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات، فإن معدلات التضخم بالعالم العربي في المتوسط تقدر بنحو 9% عام 2011، وثمة توقعات بأن ينخفض التضخم إلى 8.3% في 2012.

وتظهر الفجوة بوضوح بين أداء المنطقة العربية على مؤشر التضخم وباقي مناطق العالم، فالدول المتقدمة رغم ما تعانيه من تباطؤ اقتصادي منذ العام 2006 وحتى الآن، تحرك التضخم فيها على مدار هذه الفترة من 2.4% عام 2006 إلى 2.7% عام 2011.

وكذلك الأمر في الدول الناهضة والنامية، إذ تبلغ معدلات التضخم فيها نحو 7.5% في المتوسط، وهي معدلات أقل مما هي عليه في الدول العربية.

تختلف معدلات التضخم في الدول العربية، فبيانات عام 2012 تبين أنها تتباين ما بين 0.5% في البحرين، و28.6% في السودان

وخطورة ارتفاع التضخم في الدول العربية تأتي من خلال تزامنها مع ارتفاع معدلات البطالة التي تقدر في المتوسط بنحو 15% في المرحلة العمرية من 15 إلى 60 عاما، وتزداد حدة البطالة بين فئة الشباب مما يساعد على تفاقم العديد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما انعكس بوضوح في ثورات الربيع العربي التي كان عمادها الشباب.

واقع التضخم بالدول العربية
تختلف معدلات التضخم في الدول العربية، فبيانات عام 2012 التي نشرتها مجلة فوربس الشرق الأوسط بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، تبين أن معدلات التضخم تتباين ما بين 0.5% في البحرين، و28.6% في السودان.

وإذا ما نظرنا إلى أكبر خمس دول عربية من حيث ارتفاع معدلات التضخم، نجدها على الترتيب: السودان 28.6%، فاليمن 14.9%، ثم ليبيا 9.9%، تليها مصر 8.6%، فالجزائر 8.4%.

ودلالات الأرقام هنا تؤكد أنه من الطبيعي أن ترتفع معدلات التضخم في السودان واليمن باعتبارهما من الاقتصادات الأقل نموا على مستوى العالم، ولكن لابد أن يؤخذ في الحسبان أن السودان واجه مؤخرا تبعات اقتصادية لانفصال جنوب السودان عنه، وفقدانه لمورد مهم وهو النفط الذي حازت الدولة الجديدة معظمه بعد الانفصال.

أما اليمن فإضافة إلى كونه من الدول الأقل نموا، فإن أحداث الثورة اليمنية وما تبعها من حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني، واستمرار المواجهات المسلحة في بعض أراضيه، زادت من حدة مشكلته الاقتصادية، ومن الطبيعي في ظل هذه الظروف أن تتزايد معدلات التضخم فيه.

ولا تختلف الأحوال في الشأن المصري والليبي من حيث استمرار حالة غياب الاستقرار السياسي والأمني، وتراجع معدلات النمو الاقتصادي بهما، وبالتالي زيادة الواردات.

التضخم في دول الخليج يوصف بأنه  مكبوت، بمعنى أن أسعار العديد من السلع الأساسية لحياة المواطنين لا تعبر عن واقع حقيقي لآليات العرض والطلب، حيث إن أسعار السلع الأساسية تحظى بدعم كبير من الحكومات

استثناء خليجي
أشارت الأرقام الخاصة بمنطقة الخليج العربي إلى تدني معدلات التضخم بها مقارنة بباقي الدول العربية الأخرى، فالسعودية تحقق المعدل الأكبر للتضخم بين الدول الخليجية بنسبة 4.9%، تليها الكويت بنسبة 4.2%، ثم سلطنة عمان بـ3.2%، فقطر بـ2%، وفي المرتبة قبل الأخيرة تأتي الإمارات بنسبة تضخم تقدر بـ0.7%، ثم البحرين بأقل نسبة تضخم بين دول الخليج والدول العربية الأخرى بنسبة 0.5%.

غير أن هذه الأرقام يجب ألا تنسينا حقيقة مهمة تتعلق بمعدلات التضخم في دول الخليج، وهي أن التضخم فيها يصنف على أنه تضخم مكبوت، بمعنى أن أسعار العديد من السلع الأساسية لحياة المواطنين لا تعبر عن واقع حقيقي لآليات العرض والطلب، حيث يتبين أن أسعار الوقود والكهرباء والسلع الغذائية تحظى بدعم كبير من الحكومات، وكذلك خدمات التعليم والصحة. فمثلًا سعر لتر البنزين في السعودية بحدود ثماني سنتات، وهي تعد ثاني دولة على مستوى العالم من حيث رخص بيع البنزين لمواطنيها.

ومن هنا لو أطلقت أسعار هذه السلع حسب قواعد العرض والطلب ودون الدعم الحكومي، فسنجد أن معدلات التضخم في دول الخليج تقفز إلى معدلات عالية.

أسباب ارتفاع التضخم
معدل التضخم يمكن اعتباره متغيرا تابعا نظرا لارتباطه بكثير من العوامل الاقتصادية التي تؤثر فيه، والتي يمكننا الإشارة إلى بعض منها في الحالة العربية، وهي:

1- هشاشة الناتج، فحسب بيانات عام 2011 تراجع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي عام 2011 ليصل إلى 4.2%، مقارنة بنسبة 4.6% عام 2010.

والأهم أن قطاع الصناعات الاستخراجية لا يزال يهمين على النسبة الأكبر من الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية بنسبة تصل إلى 40.7%. ودلالة ذلك أن الجانب الأكبر من الناتج المحلي يتحقق من خلال الدول النفطية التي تعد الأقل من حيث الكثافة السكانية، وبالتالي لا يعود الفائض الاقتصادي لهذا القطاع إلا على جزء محدود من سكان العالم العربي.

معدل التضخم يمكن اعتباره متغيرا تابعا، نظرا لارتباطه بكثير من العوامل الاقتصادية التي تؤثر فيه، ومن أبرزها الناتج المحلي الإجمالي، ومدى الاعتماد على الخارج، والدور الرقابي على حركة السوق

من ناحية أخرى فإن قطاع النفط بطبيعته من الأنشطة ذات رأس المال الكثيف، فلا يوفر فرص عمل تناسب البطالة المرتفعة في العالم العربي، ولذلك فإن التغيرات الاقتصادية والاجتماعية لقطاع النفط محدودة الأثر على سكان العالم العربي خارج الدول المنتجة للنفط. 

فانخفاض معدلات النمو الاقتصادي، والتكوين الهش للناتج المحلي الإجمالي الذي لا يصنع قاعدة إنتاجية قوية للسلع والخدمات، يؤدي إلى عدم وفاء السلع والخدمات المنتجة داخل الدولة أو الإقليم بمتطلبات مواطنيها، وبالتالي يزيد الطلب ويقل العرض فيرتفع التضخم الذي هو الارتفاع في المستوى العام للأسعار.

2- الاعتماد على الخارج، إذ يصنف الاقتصاديون التضخم المترتب على الاعتماد على الخارج بأنه تضخم مستورد، وهو عادة ما ينتج عن ارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية، مما يجعل الاقتصادات التي تعتمد في توفير احتياجاتها الأساسية على الخارج عرضة لتقلبات الأسعار بالأسواق العالمية.

وحسب بيانات عام 2011، يبين صافي تعاملات الميزان التجاري للعالم العربي وجود فائض يقدر بنحو 413 مليار دولار، حيث بلغت الصادرات العربية 1.1 تريليون دولار، بينما كانت الواردات في حدود 753 مليارا.

غير أن الأمر الذي يجب أن يؤخذ بالاعتبار في هذه الأرقام، هو أن زيادة الصادرات العربية عام 2011 كان مرده بنسبة 30% إلى الصادرات النفطية وارتفاع أسعار النفط في السوق العالمي.

وتوضح الأرقام أن العالم العربي يعتمد بشكل رئيسي على الخارج في توفير احتياجاته الأساسية، إذ رغم الفائض الظاهر في الميزان التجاري فإن نسبة اكتفائه الذاتي من السلع الأساسية لا تزيد عن 46.9%، وقد بلغت الفجوة الغذائية عام 2010 بما يقدر بنحو 35.2 مليار دولار.

أما هيكل التجارة الخارجية للدول العربية فيظهر وجود خلال كبير يكرس استمرار ارتفاع معدلات التضخم فيها، فالصادرات يمثل النفط والمعادن نسبة 73.6% منها، أما الواردات فتصل مساهمة الواردات الصناعية فيها نحو 64%، كما تشكل واردات الدول العربية من المعدات والآلات ما نسبته 28% من إجمالي الواردات.

وفي ظل هذا الاستيراد الكبير للسلع الصناعية وخاصة المعدات والآلات، نجد أن تكاليف الإنتاج في الدول العربية مرتفعة مقارنة بغيرها من الدول، مما يسهل انصراف المستثمرين إلى التجارة وترك مجالات الإنتاج، وقد ظهر ذلك جليًا في ظل تحرير قواعد التجارة الدولية في العديد من الدول العربية منذ عقد التسعينيات من القرن الماضي.

3- غياب الدور الرقابي، إذ يرجع ارتفاع معدلات التضخم في جانب منه إلى غياب الرقابة عربيا، سواء من قبل الأجهزة الحكومية أو منظمات المجتمع المدني، مما يساعد على وجود احتكارات كبيرة للعديد من السلع التي تمثل احتياجات أساسية لمعيشة المواطن العربي.

وإذا كانت بعض الدول العربية قد اتجهت مؤخرا إلى وجود مؤسسات معنية بتنظيم المنافسة ومنع الاحتكار، فإن أثرها لم يلمسه المواطن العادي بعد، فضلا عما يمارسه القطاع الخاص من فساد لتعطيل عمل المؤسسات الرقابية بشكل عام، وجهاز حماية المنافسة بشكل خاص.

4- غياب ربط الأجور بالأسعار، ففي معظم الدول العربية نجد أن رب العمل الأول هو الدولة، ولذلك لا تعتمد عملية التوظيف على قواعد اقتصادية سليمة، بل نجد أن معظمها يعتمد على جوانب سياسية واجتماعية، فتظل الأجور في جانب والأسعار في جانب آخر، فالحكومات لا تستطيع أن تلتزم بحد أدنى للأجور في ظل هذه العمالة الزائدة في أجهزتها التي تنخفض إنتاجيتها. وتعتبر هذه العلاقة أقرب إلى إعانات البطالة من كونها علاقة أجرية بين طرفي العمل. 

وما لم تتم معالجة أسباب التضخم في العالم العربي ستظل تداعياتها السلبية اقتصاديا واجتماعيا، حيث لا يشعر الأفراد بأي تحسن في دخولهم الحقيقية، وبالتالي تقل مدخراتهم. والمعروف أن معدلات التضخم تمثل جانبا سلبيا من ناحية على مدخرات القطاع العائلي في العالم العربي، لأن معدلات التضخم في الغالب أعلى من معدلات سعر الفائدة في الجهاز المصرفي، ومن هنا يشعر الأفراد أن مدخراتهم تتعرض للانخفاض من حيث قيمتها.
_______________
كاتب ومحلل مصري

المصدر : الجزيرة