بقلم/ د. ثناء فؤاد عبد الله

أولا: قضية التاريخ والمفاهيم والثقافة ثانيا: تشخيص الحالة العربية ثاثا: إعادة إنتاج الاستبداد في الواقع العربي
قضية التاريخ المجتمع العربي.. سمات عامة الدولة وتداعياتها كحالة حصارية
قضية المفاهيم أشكال التسلط الدين وذرائع الاستخدام المراوغ
قضية الثقافة المحصلة والمخاطر الفقر وامتصاص طاقة المجتمع
استنتاجات ختامية

كل الناس من حقهم أن يعيشوا عيشا كريما، مادياً ومعنوياً، نفسا وجسدا وروحا. ويتمنى كل إنسان في الوطن العربي أن يتمتع بحريته وكرامته الإنسانية، مثله مثل غيره من البشر لمجرد كونهم بشرا.

ولكن كيف يمكن أن تتحقق هذه الأمنية بدون أن نسلط الضوء، ونكشف الحقائق، حول كل الأسباب التي تقف في طريق تحقيقها؟

إذا كانت جهودنا بحثا ودراسة تروم غاية نهائية تتصل "بالنهضة العربية" أو بعبارة أصح بعث "حالة نهضوية عربية شاملة" ماديا وإنسانيا "فهل يمكن أن يتحقق ذلك بدون نقد ما هو قائم، أي الواقع والفكر والمؤسسات؟

إن ذلك يعنى، ضمن ما يعنيه، تأسيس خطاب ذي مهمة مزدوجة:

  1. مهمة النقد المباشر.
  2. مهمة التحليل الشامل والعميق.

وهذه المهمة الكبرى التي يتصدى لها الكثير من المفكرين تحتاج إلى الشجاعة بقدر ما تحتاج إلى الجهد العلمي الجاد.

وإنها لشجاعة فائقة من جانب القائمين على "مشروع" دراسات الديمقراطية في البلدان العربية، اختيارهم لموضوع "الاستبداد والتغلب في نظم الحكم المعاصرة للدولة العربية" كموضوع للقاء السنوي الرابع عشر للمشروع.

وتختص هذه الدراسة بموضوع "آليات الاستبداد وإعادة إنتاجه" ويحدوها الأمل في أن تكون ومضة "تنوير" في بحث هذه الإشكالية الكبرى في حياتنا.


منطق الحياة لم يعد يقبل استمرار صيغة توفيقية مفتعلة لواجهة ديمقراطية ترتكز على شكل من المؤسسات العصرية المطعمة ببعض حقوق الإنسان، والمرتكزة في الوقت نفسه على جذر استبدادي في صورته الأصلية

ولاشك أن بحث قضية الاستبداد وحكم الغلبة في الواقع العربي يكتسب أهميته من حقيقة أساسية مؤداها أن منطق الحياة لم يعد يقبل استمرار صيغة توفيقية مفتعلة لواجهة ديمقراطية ترتكز على شكل من المؤسسات العصرية المطعمة ببعض حقوق الإنسان، والمرتكزة في الوقت نفسه على جذر استبدادي في صورته الأصلية.

بيد أنه قد تكون هناك حاجة ماسة في هذا الإطار لطرح نوع من "الاستدراك" بشأن قضية الاستبداد في العالم العربي. ومن ذلك على سبيل المثال، أن الاستبداد ليس "حالة عربية محضة" بالمعنى "الطبيعي" الذي يفضي إلى استثناء الذهنية العربية من دورات التطور الديمقراطي.

بالعكس فإن الاستبداد مفروض تحت وطأة شروط وظروف قابلة للتغيير إذا ما توفرت قوة الدفع المناسبة.

من ناحية أخرى، فإن قضية الاستبداد بما هي حالة مركبة، والمقترب الذي يمكن استخدامه في معاملتها هو بدوره معقد ومتنوع، فإن ذلك يعنى أنه يمكن وصف الخوض في هذا الأمر على أنه من قبيل "المغامرة المحسوبة".

هذه "الإشكالية/المغامرة" تنبع صعوبة التصدي لها من أنه من غير الممكن معالجة الزوج "الاستبداد/الديمقراطية" بمعزل عن تأثيرات وضغوط النماذج التي تعودنا التفكير في ظلها وتحت تأثيرها.

هذا، في الوقت الذي أصبحت فيه هذه القضية -أي الاستبداد في الواقع العربي- تحتاج في معالجتها لأقصى درجة يمكن الوصول إليها من "الموضوعية" والانصراف إلى الواقع الحي مباشرة.

بعبارة أخرى، ونحن نعيش في ظل مناخ ملتبس، تصدمنا فيه "السياسة"، ويشدنا فيه "المقدس" -المقدس بالمعنى الشامل- وترنو أنظارنا نحو أنماط مثالية نتصور أن فيها الحل الأمثل لأزمتنا المستحكمة، ألم يعد من الملح أن نتجاوز حدود الفكر الذي لم نتجاسر على تجاوزه من قبل، وأن نطرح من القضايا ما لم نطرحه، ومن ثم نكتشف هذه "الحلقة الخبيثة" التي تجعلنا ندور حول أنفسنا دورة كاملة، في كل مرة، لنعود أدراجنا إلى نقطة البداية.

ولكن، هل يمكن حقا تجاوز الفكر المسموح، وطرح القضايا التي لم تطرح من قبل، أليست المسألة في النهاية تتعلق بالسياسة، أي حكم وحاكم ومحكوم، أي سلطة تتربص بالجميع؟

إنها حقا مغامرة، ولكن لا مناص عن المحاولة.

أولاً: قضية التاريخ والمفاهيم والثقافة

قضية التاريخ

مفهوم الحرية
الحرية، بما هي غياب كامل لكل عناصر القهر والقسر في صورتها المادية والمعنوية، هي أهم مشكلة اجتماعية وفلسفية في تاريخ البشرية. والتاريخ بما هو صناعة إنسانية في الأساس فهو تسجيل مستمر لمكابدة أبدية لا تنتهي من أجل نيل حرية الإنسان، هذا مع الاعتراف بأن الحرية ظاهرة إنسانية متغيرة في الزمان والمكان "فحرية الحاضر لم يتحدث عنها السلف"
1.

وحسبما يكون مفهوم المجتمع للحرية تكون صورة هذا المجتمع وثقافته. وفى النظم القبلية والأبوية، وحيث يكون "النظام السياسي صنو الدين" والحاكم هو صاحب السلطان ومستخلف في الأرض، فإن مفهوم الحرية يتمحور أساسا حول طاعة الرعية لصاحب وولي الأمر. ومع اقتران الطاعة السياسية بالطاعة الدينية تتشكل لبنات الاستبداد 2.

تطور أشكال الحكم السياسي
على صعيد الفكر، يعتبر البعض أنه على مدار التاريخ، فإن السلطة الاستبدادية بصفة عامة كانت هي القاعدة، وأن التحول عن هذه السلطة إلى أشكال قريبة من الديمقراطية كانت هي الاستثناء. ويعنى ذلك أن النظم الأتوقراطية المستبدة كانت هي السائدة من الصين إلى أميركا اللاتينية حتى أوروبا، بحيث كانت هي القاعدة، وبالتالي فإن التحول إلى الديمقراطية يأتي على سبيل الاستثناء
3.

ويظل هنا للبعد التاريخي أهميته في هذا التطور. فقد تحدث مثلا خلدون النقيب عن "الدولة السلطانية" التي سادت العالم الإسلامي منذ الحكم المملوكي، واتخذت شكلها الكامل في الدولة العثمانية. كما تحدث عن الدولة البيروقراطية التي ولدت في أعقاب الثورة الفرنسية، وتمخضت عنها اضطرابات القرن التاسع عشر، وفى هذا الإطار يلاحظ التركيز على "الدولة التسلطية" التي يصفها النقيب بأنها "ظاهرة خاصة بالقرن العشرين" حيث يمثل فيها الطور المكتمل للدولة البيروقراطية الحديثة 4.

هنا نجد أهمية للإشارة إلى "الابتكارات التنظيمية" التي مكنت الدولة البيروقراطية الحديثة من الدخول والتحكم في حياة الشعب بصورة لم يسبق لها مثيل، ونعني بها الجيش والشرطة ورجال الدين، وهو ما غير بصورة جذرية الأسس التي كانت تقوم على أساسها مؤسسة الحكم المطلق.


لقد مرت عصور طويلة قبل أن يتم أهم اكتشاف في تاريخ الإنسانية وهو "أن الملوك ليسوا آباء شعوبهم"، وليس لهم أي حق إلهي في امتلاك الشعوب والأوطان

وبينما نجحت الدول الأوروبية وبعض الدول الأخرى في العالم، في الحد من قوة الدولة البيروقراطية الحديثة عن طريق القوانين والدساتير وفصل السلطات، مما أفضى إلى ميلاد ما أطلق عليه "الدولة الليبرالية الدستورية البرلمانية" 5، فإن دولا عديدة أخرى لم تنجح في الوصول لهذه النتيجة لتظل حتى الآن في طور "الدولة التسلطية".

إذا لقد مرت عصور طويلة وأحداث جسام قبل أن يتطور مجال السياسة من الفطرية أو البدائية إلى المدنية، وقبل أن يتحرر الإنسان من قيود "الحكم المطلق والاستبدادي" حيث قادت هذه العملية لعقلنة العلاقات البشرية، وليتم أهم اكتشاف في تاريخ الإنسانية وهو "أن الملوك ليسوا آباء شعوبهم" 6، وليس لهم أي حق إلهي في امتلاك الشعوب والأوطان.

قضية المفاهيم

في سياق بحثنا الراهن حول "الاستبداد" نرى بداية ضرورة إيضاح بعض الضوابط حول المفاهيم أو المصطلحات التي قد تبدو مترادفة في نظر البعض لأن معانيها تبدو متشابهة.

مفهوم السلطة
ونبدأ بتعريف "السلطة" التي اعتبرها أحمد زكي بدوي "أنها القدرة على التأثير، وهي تأخذ طابعا شرعيا في إطار الحياة الاجتماعية، والسلطة هي القوة الطبيعية، أو الحق الشرعي في التصرف، أو إصدار الأوامر في مجتمع معين، ويرتبط هذا الشكل من القوة بمركز اجتماعي يقبله أعضاء المجتمع بوصفه شرعيا، ومن ثم يخضعون لتوجيهاته وأوامره وقراراته"
7.

وفى إطار اللغة العربية، فإننا نواجه ثراء بالغا في المفاهيم التي توحي بالشدة أو القـوة مثل: التسلط– القهر– الاستبداد– العبودية– الإكراه– العنف– العدوان– الإرهاب.. الخ. وهناك من يعتبر "التسلط"، بما ينطوي عليه من بطش وعدوان وعنف، هو الأصل لهذه المفاهيم خاصة مع الإشارة إلى الخيط الرفيع الذي يفصل بين السلطة والتسلط، مع غلبة الرأي الذي يؤكد النزعة الاستبدادية للتسلط.
وفي الإطار العام، فإننا نجد أنفسنا -في سياق البحث الراهن- في حاجة إلى تحديد وضبط مفهومين أساسيين مما يخدم أغراض البحث في المقام الأول، وهما:

  1. القمع.
  2. والاستبداد.

مفهوم القمع
وبالنسبة للقمع، نجد أن هناك تعريفا دالا طرحه نجاح محمد الذي يرى أن القمع هو "كل نظرة دونية لأي إنسان، وكل تعصب قبلي أو عائلي أو ديني أو قومي أو طائفي أو مذهبي أو سياسي، وكل تزوير وتضليل في كل الميادين الحياتية، وكل نقد تجريبي غير موضوعي، وكل رفض للحوار والتعاون والتنسيق والتوحيد، وكل استهتار بالأخلاق والحريات والقوانين، الخادمة للإنسان"
8.

مفهوم الاستبداد
أما عن الاستبداد، فقد استخدمه كمصطلح خلدون النقيب للتفرقة بين الحاكم الذي يلتزم بالقانون قولا وفعلا، والحاكم الذي يكون قوله وفعله هو القانون. فإذا وجد القانون، ولكن الحاكم يحتكر سلطة تعديل وتغيير القانون فهو إذن حكم مطلق، وإذا قيدت سلطة الحكم بقانون أساسي "فهو حكم دستوري"
9.

وقد يكون الحكم الاستبدادي فرديا أو حكم جماعة، كما أن هناك أهمية لتوجيه النظر نحو نوعية "الاستبداد" الذي ينبع من اختراق الدولة للمجتمع، وهيمنتها عليه بصورة كبيرة يجمعها خلدون في عبارة "الاحتكار الفعال لمصادر القوة والسلطة في المجتمع" 10.

كذلك نجد تعريفا آخر للاستبداد ينقله حسن حنفي في عرضه القيم لفكر عبد الرحمن الكواكبي في "طبائع الاستبداد ومصارع الاستبعاد"، وذلك باعتبار "الاستبداد هو الحكم الذي لا توجد بينه وبين الأمة رابطة معينة معلومة مصونة بقانون ناقد الحكم. ولا عبرة فيه بيمين أو عهد أو دين أو تقوى أو حق وشرف أو عدالة ومقتضيات المصلحة العامة" 11.

ولأن الأشياء تعرف بعكسها، فإننا هنا نرى ضرورة الإشارة إلى معنى قيمة "العدل" لاستيضاح الصورة العكسية لمعاني ومرادفات الاستبداد.

مفهوم العدل
ولتأسيس المعنى المراد توضيحه بخصوص قيمة العدل نقول إن القوانين والتشريعات التي يتم سنها وكذلك الأشكال التنظيمية، في بلد ما، تعكس أو تعبر عن تصور السلطة لقيمة ومفهوم العدل.

بناء على ذلك وبوجه عام، فإنه في الأنظمة الحاكمة المستبدة تسير الأمور دوما من أعلى إلى أسفل. بينما في الأنظمة الديمقراطية تسير الأمور من أسفل إلى أعلى وبالتبادل.

وتبدو أهمية قيمة العدل في الحياة السياسة والاجتماعية إلى حد أنه يبدو طبيعيا أن نعتبرها الشرط الأساسي لوجود "دولة" بتنظيمها السياسي والقانوني والاجتماعي، فإذا غاب العدل فنحن أمام أي شكل اجتماعي آخر غير الدولة. فالنظام السياسي العادل هو الذي يعمل لصالح المجتمع، ويحترم حقوق المواطنة ويقيم "دولة القانون" 12.

قضية الثقافة

إشكالية الحكم والسياسة
في تصدى البعض لإشكالية الحكم والسياسة وقضية الحرية والديمقراطية في واقعنا العربي، جاء التناول من خلال منهجية تكرس العودة للوراء بدلا من السير إلى الأمام أو حتى النظر بإمعان للواقع المباشر.

ففي معرض التفسير والتحليل للإشكالية يقال إن قضية الحرية والديمقراطية في بلادنا ليست مجرد أن الدول العربية تقع تحت نظم ملكية أو عسكرية مما يجعل الحكم وراثة أو شوكة، وليست مجرد أن هناك قوانين طوارئ وقوانين استثنائية تكبل الحريات -وهي أيضاً في نظر أصحاب هذا التوجه- ليست وجود أحكام عرفية وأجهزة أمن وبوليس وجيش ومخابرات واعتقالات وسجون وتزييف لإرادة الشعوب عبر انتخابات مزورة، وتأليه للحكام، واستلاب الوعي لدرجة إسباغ القدسية الإلهية أو شبه الإلهية على الحاكم السياسي، والتعددية الشكلية لحساب قوة واحدة مسيطرة كانت فردا أو نخبة أو حزبا، وحتى ليست القضية في انعدام فرصة تداول السلطة كل هذا، من وجهة نظر هذا التوجه، ليس هو سبب الإشكالية السياسية وتعثر الحرية والديمقراطية في واقعنا العربي، وإنما الإشكالية تعود إلى "عمق الموروث الثقافي بعد أن ترسخ في الثقافة الشعبية وأصبح جزءا من الوعي القومي".

يقول حسن حنفي إن "أزمة الحرية والديمقراطية في واقعنا المعاصر إنما تمتد جذورها إلى الموروث الثقافي في الوعي القومي، وما تبقى فيه من تصور هرمي أو مركزي أو رأسي للعالم، يعطى الأعلى ما يسلبه من الأدنى. الأعلى يأمر والأدنى يطيع كما هو معروف في الثنائيات التقليدية الموروثة.. ". 13

وطبعا يمتد هذا التحليل، على هذا النحو لإبراز دور "الموروث الثقافي" في خلق المجتمع الأبوي وسماته الخاصة، هذا مع إشارة عابرة للعوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية "والتفاعل بين العوامل المادية والمكونات الثقافية في الوعي الفردي والوعي الجمعي، في ثقافة الفرد والتصور الجماعي للعالم".

الثقافة العربية وترسيخ الاستبداد
والسؤال الآن هو: هل صحيح أن ثقافتنا العربية تتحمل كل ذنب الاستبداد الذي نعيش في ظله؟

هل صحيح، كما يقول سعد الدين إبراهيم "إن هناك شيئا في الثقافة العربية إما أنه يعادي الديمقراطية صراحة أو لا يعطيها أهمية مركزية في منظومة القيم والمعايير السائدة في مجتمعاتنا؟" 14

إن هذا المنظور بعينه هو الذي جعل سعد الدين إبراهيم ينوء بحمل هذه الثقافة ويعتبرها "الإرث الذي نحمله على ظهورنا"، فالاستبداد لا يعود فقط إلى "أنظمة حكمنا الاستبدادية" ولكن أيضا يعود إلى "ينابيع ثقافتنا المعاصرة، التي تجعل جماهيرنا نفسها مهيأة لقبول هذا الاستبداد، أو متواطئة في التعايش معه".

والغريب هو تعدد بل كثرة أصحاب هذا النوع من التحليل، فلننظر على سبيل المثال للنماذج التي ذكرها إيليا حريق مثل عبد الله حمودي في "كتاب الشيخ والمريد: قواعد الذهنيات والمسالك في السلطوية المغربية"، وهشام شرابي في "كتاب البنية البطركية: بحث في المجتمع العربي المعاصر"، وفؤاد إسحق الخوري في كتاب "الذهنية العربية: العنف سيد الأحكام" 15.

بل ينقل لنا إيليا حريق، أحد نماذج هذه التحليلات والتي يقول فيها إيلي قدوري "ليس هناك في التراث السياسي الإسلامي شيء مما يجعل أفكارا منظمة كالحكم الدستوري والتمثيلي أليفة أو قابلة للفهم" 16، كما ينقل لنا ملاحظة الخوري "لنزعة الاتجاه نحو الداخل ضمن الهيئة الاجتماعية ذات الروابط الوشائجية التي تؤثر مباشرة في مفهوم الحرية بين العرب" فيقول: "ليس الحر عندنا من مارس حرية التفكير والإبداع والتعبير عن الذات الخلاقة، إنما هو من استطاع حماية النفس من الآخرين تجنبا للسيطرة" 17.

وإذا تجاوزنا نسبيا منطق "الإرث الموروث" في الثقافة لنرى منطق الذين ينظرون للثقافة العربية المعاصرة بالمعنى العام، فإننا نجد علي أسعد وطفة يقول: "الثقافة العربية تعاني من العلاقات الاجتماعية التي تأخذ طابع الإكراه والقهر والتسلط، التي تضرب جذورها في العائلة والمدرسة والحياة العامة" 18.

ثم ينقل عن مصطفى صفوان قوله "إن الثقافة العربية مشبعة بروح العنف وغنية بمظاهره، وإن العنف يدخل في نسيج العملية التربوية، وبالتالي فإن السمة التسلطية تعود إلى الطبيعة الأبوية للمجتمع العربي" 19.

وينقل عن محمد قمبر قوله "إن القمع يسود ثقافتنا ويؤدى إلى مظاهر الإحساس بالدونية وفقدان مشاعر احترام الذات" 20.

والآن، جاء دور أحد النماذج الذي يربط بين "الجذور التاريخية" وممارسات المؤسسية الحديثة، فيقول نور فرحات إن الاستبداد العربي "ظاهرة اجتماعية ثقافية ذات جذور تاريخية وليست مجرد ظاهرة سياسية رسمية" هنا نجد أن فرحات يوجه الاهتمام لمؤسسات المجتمع المدني الراهنة من أحزاب ونقابات واتحادات مهنية وتجمعات ثقافية وأندية رياضية واجتماعية، مؤكدا أنها أبعد ما تكون عن القيم والممارسة الديمقراطية. وفي معرض التحليل والتفسير الذي اضطلع به هذا النموذج فإنه يشير إلى "ثقافة الاستبداد الغالبة في كل حنايا البناء الاجتماعي العربي" وهذه الثقافة بعينها هي التي تقوم بتغذية التطرف اللاعقلاني الذي تفشى في المجتمعات العربية.

والمحصلة، من وجهة نظر هذا النموذج، تتمثل في القاعدة التي يتم تفعيلها على مستويي الحاكم والمحكوم، وهي إذا كان أهل الحكم يحتكرون السلطة فإن أهل التطرف يحتكرون الحقيقة 21.

كل هذا النقد والتحميل على الثقافة العربية، الموروث منها والمعاصر، تكون نتيجته بالطبع أن تكون الجماهير المنتجة والملازمة لهذه الثقافة "مهيأة لقبول الاستبداد" بل متواطئة في التعايش معه، وذلك دون تحميل أي قدر للأسباب والظروف التي تعيش في ظلها هذه الجماهير من أمية وجهل وفقر وتدني مستويات التعليم والمعيشة والرعاية الصحية. بل إن الجماهير المهيأة للسلطة الاستبدادية ينحصر كل أملها في أن يكون المستبد "عادلا".

إذا كان من الصعب أن يتوفر لنا المجال لبحث وتمحيص كل هذه الانتقادات الموجهة للثقافة العربية، فإنه يمكن البدء بكلمة عامة اشتقاقا من منطق الواقع نفسه، ذلك أن كل ثقافات الدنيا فيها الإيجابي وفيها السلبي.

وليس من منطق الأشياء أن نحكم على هذه الثقافة بما فيها من سلبيات فقط، هذا بفرض التسليم جزئيا بصحة قدر ما من هذه الانتقادات.

من ناحية أخرى، أليست هذه الثقافة المنعوتة بكل هذه الصفات، هي التي أنتجت: رفاعة الطهطاوي، ومحمد عبده، وخير الدين التونسي، ومحمد رشيد رضا، وسلامة موسى، وجمال الدين الأفغاني، وأحمد عرابي، ومصطفى كامل، وحسن البنا، وعلي عبد الرازق، وأحمد لطفي السيد، وعبد الرحمن الكواكبي وفرح أنطون، وشبلي الشميل، وسعد الله ونوس، ويوسف إدريس، ونجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، وجمال عبد الناصر، وعباس العقاد، وطه حسين، وجبران خليل جبران، وقاسم أمين، وأحمد فارس الشدياق وزكي نجيب محمود، وغيرهم مئات من رموز الثقافة العربية والأعلام المضيئة في تاريخ هذه الثقافة؟

من ناحية ثالثة، لنرى ما يقوله حليم بركات عن "الثقافة" وهو ما ينطبق على الثقافة العربية أيضاً، يقول: "الثقافة ليست مجموعة مكونات ثابتة ساكنة جامدة مطلقة منغلقة تصلح لكل زمان ومكان أو لكل مجتمع وبيئة، بل هي متطورة باستمرار، متغيرة مرنة نسبية منفتحة متحولة نتيجة لتغير الأحوال والأوضاع والأزمنة والعلاقات الداخلية والخارجية"، ثم يضيف ما هو منصب مباشرة على المجتمع العربي "ليس المجتمع العربي كائنا تاما مكوناً جاهزاً ومخلوقاً في البدء فيدور في دائرة لا يخرج عن مدارها كأنه صنع لأن يكون شيئا واحدا وإلى النهاية، بل هو متطور في هويته وثقافته وحتى مقدساته بحسب أوضاعه وظروفه وصراعاته المستجدة باستمرار من أجل التحكم بمصيره وموقعه في خريطة الأحداث التاريخية" 22.


شعوبنا العربية ليست صنيعة الماضي وكفى، وكما توجد في تراثنا نقاط سلبية أو معتمة وظلامية، فإن تراث أوروبا أيضاً كان على مدى تاريخ طويل استبداديا، ولم تبدأ فورته أو نقلته الديمقراطية إلا منذ مائتين ونيف سنة، وبالتدريج.

إننا بناء على ذلك، وغيره مما لا يتسع المجال لذكره، نرى أنه آن الأوان لتصحيح النظرة للذات ومحق الادعاء بأن ثقافتنا تقبل الاستبداد وتسوغه، وأن الفكر والذهنية العربية نقيض الحداثة والديمقراطية، فشعوبنا العربية ليست صنيعة الماضي وكفى، وكما توجد في تراثنا نقاط سلبية أو معتمة وظلامية، فإن تراث أوروبا أيضا كان على مدى تاريخ طويل استبداديا، ولم تبدأ فورته أو نقلته الديمقراطية إلا منذ مائتين ونيف سنة، وبالتدريج.

إن هناك أهمية تصل إلى مستوى المسئولية لدحض أسانيد التيار الذي يجعل "الواقع" أسير "التاريخ" خاصة وأن هناك في الغرب من آمن وتبنى نظرة شوفينية متعصبة جعلت الاستبداد طبعا شرقياً، وهو ما تؤكده توجهات مونتسكيو وجون ستورات ميل، فمسيحيو الغرب -من وجهة نظرهم- تناسبهم الديمقراطية، أما الهمج والبرابرة وشعوب الشرق فلا يصلح لها إلا الحكم الاستبدادي.

إننا إذا نلقي على ثقافتنا ذنب استمرار الاستبداد، فإن ذلك يعني تبرئة كل الأسباب الأخرى والتعمية عليها، أو كما يقول إيليا حريق إنه "تكتيك انحرافي يخدم صاحبه وتعفيه من مغبة مواجهة الطغيان السياسي المتمثل فعلا ببنية نظام يحتكر مواقع النفوذ ويستحوذ عليها" 23.

وحتى إذا كان الدفاع عن الثقافة العربية جذريا وبصورة مطلقة غير ممكن، فإننا نجد حجة قوية لمراجعة مقولة الجابري أن "العقل السياسي العربي مسكون ببنية المماثلة بين الإله والأمير" فحتى لو كانت هناك شواهد على ذلك في الواقع والتاريخ، إلا أنه من غير المستساغ الحكم على أن هذا "العقل العربي" قد انغلق سياسيا ونهائيا على ما يسم بنياه، أو أن هذا العقل السياسي العربي لا يصلح لشيء آخر إلا المماثلة بين الإله والأمير 24.

خلاصة.. ماهية الاستبداد

فالاستبداد قضية سياسية يستشعر أكثرنا آلامها، "وهو صفة لحكومة مطلقة العنان" تتصرف كما تشاء وتتعدد أشكاله كالغلبة أو الوراثة. وهو ضد الحرية ويسد أبواب المشاركة في إدارة شؤون الحياة، وهو حالة مركبة تنعكس على المجتمع والدولة والاقتصاد. وفي الشطر الاقتصادي منه تكون العلاقة بين الغني والفقير هي علاقة القوي بالضعيف. ويسمح الاستبداد بتوثيق العلاقة بين الدين والسياسة ورجال المال لاستبعاد وإقصاء الخارجين عن دائرتهم.

وفى حالة الاستبداد، تضعف "السياسة" وتضمحل لتطفو المراسم الشكلية ومظاهر الأبهة والسلطان بهدف فرض الهيبة التي تتحول إلى تقديس وخوف. وبالطبع فلا مكان هنا للمساءلة أو المحاسبة أو المطالبة، فقط السماح بالتماس الرضا أو البركة أو تجنب الظلم أو تحصيل بعض نعم السلطان.

وفى الواقع العربي، يذعن الناس للسلطة ليس لأنهم مطبوعون على الخضوع ولكن بسبب التسلط وبسبب أجهزة العنف التي تملكها السلطة وأساليب القهر والقمع وتهديد مصادر الرزق.

وفى الآونة الأخيرة تشيع فكرة أن الدولة التسلطية لا حل لها إلا تولي قوة أجنبية إسقاطها!

ثانيا: تشخيص الحالة العربية

المجتمع العربي.. سمات عامة

يمثل المجتمع العربي نموذجا للتعدد والتنوع على كافة المستويات.

فمن ناحية هناك التنوع في الانتماءات الدينية والقبلية والطائفية والعرقية. ومن ناحية أخرى هناك التعدد في أنماط الإنتاج. وأخيراً، فإن المجتمع العربي يعيش في ظل خليط من المؤسسات السياسية التي تتراوح بين الجمهورية والملكية والإمارة.

والحقيقة أنه ليس من السهل وصف الأنظمة الإنتاجية في الدول العربية بأنها إقطاعية أو رأسمالية أو اشتراكية، لأنها في الواقع تجمع بين هذه الأنظمة في ظل صيغة مركبة، مع ملاحظة أن "العائلة" تشكل "عصب الإنتاج الاقتصادي" 25.

ويعتبر حليم بركات أن المجتمع العربي "يقوم على بنية إنتاجية تجارية– زراعية متمركزة حول العائلة، يرافقها نظام ريعي في البلدان المنتجة للنفط" 26.

كذلك من سمات التنوع في المجتمع العربي أن بعض مناطقه تتمتع بالثراء والغنى في الموارد والثروات، ولكن هناك مناطق تعاني من الفقر والندرة في الموارد.

والمجتمع العربي ينفتح على العصر وينقل أحدث التقنيات والتكنولوجيا، ولكنه يتمسك ببنياته التقليدية. وفي عبارة جامعة يصفه بركات بأنه "سلفي تقليدي غيبي في منطلقاته ومستقبلي متجدد علماني مستحدث في تطلعاته" 27.

مراحل بناء الدولة التسلطية.. أشكال التسلط

في سياق بحثنا الراهن حول مراحل بناء الدولة التسلطية يلاحظ أن فترة الستينيات والسبعينيات (1965-1975) مثلت مرحلة حاسمة في "تطور مؤسسات الدولة التسلطية وتبلورها في جميع البلدان العربية" عبر العديد من الأطر التشريعية والقوانين والإجراءات التي سمحت للدولة بالتوسع والتدخل واسع النطاق في الاقتصاد والمجتمع:

  1. القطاع العام.
  2. قوانين الإصلاح الزراعي.
  3. قوانين التأميم 28.

وللدلالة على مدى تسلطية الدولة يشير خلدون النقيب إلى أن قبضة الدولة امتدت إلى تحديد أرزاق الناس وماذا يأكلون ويشربون، حيث أصبحت المواجهة بين الدولة والمواطنين مواجهة معيشية يومية متصلة وغير متكافئة 29.

وما يهمنا التركيز عليه في هذا السياق أن توسع دور الدولة في الاقتصاد والمجتمع، وما اقترن به من تحسن في مستوى المعيشة لدى بعض الفئات، وتطوير البنى التحتية، والتوسع في مجالات التعليم والرعاية الصحية، وإدخال بعض المشروعات الصناعية، هذه التغييرات الإيجابية لم تقترن بتحسين أساليب الحكم، ولم يصحبها تطور نحو الديمقراطية. على العكس من ذلك فقد اقترنت بإجراءات ضد الديمقراطية على طول الخط منها:

  1. إلغاء الدساتير.
  2. حل البرلمانات.
  3. الحكم بموجب قوانين الطوارئ.
  4. إلغاء الأحزاب أو التضييق على حركتها.
  5. محاصرة المجتمع المدني برمته.

إننا في هذا الإطار إزاء "دولة لا تثق في المجتمع، ومجتمع لا يثق في الدولة"، وحتى في الحالات التي تعترف فيها الدولة بأهمية مؤسسات المجتمع المدني، فإنها تبادر بوضع القوانين والقيود القانونية والإدارية ما يمكنها من مراقبة حركة هذه المؤسسات والحد من نشاطها مما يؤثر سلبيا عليها.

وتذكر أماني قنديل أن الدول العربية شهدت ردة أو تراجعا في تعاملها مع "الجمعيات الأهلية" وهي من مؤسسات المجتمع المدني التي بدأت في بعض الأقطار العربية في مطلع القرن التاسع عشر 30.

ولقد أدى تشدد الدولة إزاء المجتمع المدني إلى خسارة الطرفين. فالفرد لم تتوفر له "الحصانة" التي تقيه ضد سطوة الدولة، كذلك الدولة لم تتوفر لها الحصانة ضد الاضطرابات الاجتماعية العنيفة، وبالتالي لم تتوفر في "البيئة العربية خاصية إدارة الصراع الاجتماعي بصورة سلمية منظمة" 31.

وفى المرحلة الراهنة، يعيش المجتمع العربي في ظل حالة مزمنة من احتكار السلطة في كل بلد عربي من قبل قلة مسيطرة مترسخة في أجهزة ومؤسسات الحكم، ويقترن ذلك بإقصاء القوى الاجتماعية والسياسية ذات التوجهات المغايرة.

وسواء قامت هذه السيطرة من قبل القلة، استناداً إلى علاقات القرابة أو استنادا إلى الجهوية أو الزبونية 32، فإنها تؤدى إلى انغلاق المجال السياسي ومنع ظهور نُخبٍ سياسية جديدة.

في هذا الإطار، لا مجال لممارسة حقوق المواطنة 33 السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حيث يسود المناخ العام حالة من الانسداد والتضييق على الحريات العامة وفي مقدمتها حرية التعبير.

وفي نطاقنا العربي، يجرى التسليم بمسلمات العولمة اقتصاديا، وقبول شروط الخصخصة واقتصاد السوق ونقل التقانة خاصة الإعلامية، ولكن بدون التسليم بخلخلة سلطات العسكر أو العشائر أو الطوائف 34.

وفي الإطار العام، فقد كانت أزمة السبعينيات وما بعدها في الدول العربية لحظة فارقة في تاريخ النظم السياسية العربية. فتحت وطأة الركود الاقتصادي، وفشل الخطط التنموية، وافتقاد المؤسسات للفاعلية، والفساد الإداري، وتفاقم الأزمة المجتمعية بوجه عام، اضطرت النظم العربية لاتخاذ خطوات "التصحيح الاقتصادي" في إطار مواكبتها "للسياسات النيوليبرالية العالمية" وفقا لشروط صندوق النقد الدولي (برامج التثبيت والتكيف الهيكلي). وقد جاء ذلك تحت "وهم" أن فتح المجال أمام اقتصاد السوق، وإطلاق المبادرة الفردية، ومجاراة تطور الاقتصاديات العالمية، هي خطوات كافية لإخراج الدول العربية من أزمتها 35.

في سياق هذه الترتيبات، جاءت مساحة الانفتاح السياسي محدودة وهامشية وغامضة، وتراوحت بين إتاحة تعددية حزبية مقيدة (مصر 1976– تونس 1989– الأردن 1992)، والسماح بهامش محدود لحريات التعبير وبعض صيغ المجتمع المدني، بالإضافة إلى تغير المناخ الحقوقي للسماح للقطاع الخاص بدور مؤثر في العملية الإنتاجية.

في ضوء هذه الترتيبات، تحدث البعض عن تحقيق "تسوية سلمية" بين النظم والشعوب بما يتضمن إنهاء عصر الاستبداد وزيادة فرص التغيير السياسي السلمي. إلا أن تصاعد المواجهة الدامية بين النظم السياسية والمعارضة الإسلامية المسلحة، وزيادة الاحتقان السياسي في صفوف القوى الاجتماعية المهمشة واصطدامها مع السلطة، ومحدودية المردود الاقتصادي والاجتماعي للخطوات التي أقدمت عليها النخب الحاكمة، كل ذلك أكد بما لا يدع مجالا للشك أن الأزمة لن تحل بمجرد اتخاذ إجراءات اقتصادية أو سياسية محدودة، وإنما تتطلب "إجراء تعديلات جوهرية على قواعد عمل النظام السياسي والقانوني والقضائي والإداري، أي يستدعى تغييرا في قواعد بناء السلطة العمومية وممارساتها" 36.

لقد أثبتت شواهد الواقع أن هامش الانفتاح السياسي في بعض الدول العربية (مصر – تونس– الجزائر– الأردن– المغرب– اليمن)، والذي وصفه البعض "بالإصلاح الليبرالي" لم يكن سوى "إدارة لتناقضات المجتمع السياسي"، ولم تفقد أي نخبة حاكمة سيطرتها على السلطة، ولم تتغير إلا قواعد وأساليب ممارسة هذه السلطة. 37 وفي هذا الإطار، وقفت حدود الديمقراطية عند مشهد فرز الأصوات الانتخابية بعد تزويرها لتتحول إلى "مجرد تقنية انتهازية مستوردة" لإبقاء الاستبداد وعدم المساس به".38 أو كما يسميها البعض مجرد التغيير في آلية الفن الاستبدادي، والانتقال من القهر السلطوي دفعة واحدة إلى القهر على دفعات أو مراحل غير مباشرة.


إن ما يمر به العالم العربي مما يمكن أن نطلق عليه "محنة الدستور" أو "المحنة السياسية" تعود إلى أن النخب الحاكمة ليست مقتنعة في قرارة نفسها بأن الحكومات يجب أن تخضع للمراقبة، وأن الحكام يجب أن يخضعوا للمساءلة وأن الأمة هي مصدر السلطات
لقد تواكبت هذه التطورات في الدول العربية مع موجة انسحاب الشمولية في العالم بعد انتهاء مرحلة الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفياتي، واتجاه العديد من الدول نحو "الدمقرطة" وانحسار التسلطية.

ولكن هذه الموجة لم تؤت ثمارها في العالم العربي حيث اقتصر الأمر على استخدام الآلية الانتخابية وتصميم الدساتير لا لشيء سوى تقنين الحكم التسلطي أو بعبارة خلدون النقيب "التسلطية بوجه ديمقراطي" 39.

إن ما يمر به العالم العربي مما يمكن أن نطلق عليه "محنة الدستور" أو "المحنة السياسية" تعود إلى أن النخب الحاكمة ليست مقتنعة في قرارة نفسها بأن الحكومات يجب أن تخضع للمراقبة، وأن الحكام يجب أن يخضعوا للمساءلة، وأن الأمة هي مصدر السلطات، وأنه لابد من وجود صيغة تعاقدية بين الحاكم والمحكومين لتحديد الحقوق والواجبات. ومن هنا فإنه في ظل هذه الظروف وعندما يجرى إضعاف الدستور، وإضعاف الحكم الدستوري، فإن المحصلة هي إضعاف حكم القانون وبالتالي تكريس الحكم المطلق 40.

ولا أدل على محنة الدساتير العربية من أن أربعة دساتير عربية فقط هي التي تقدم ضمانات لإطلاق حرية الفكر أو الرأي دون قيود واضحة في نصوصها (الجزائر: المادة 36، البحرين: المادة 23، مصر: المادة 47، موريتانيا: المادة 10). وعندما تضمن الدساتير العربية الحق في التعبير عن الرأي فإنها تضمنه "بعبارات بسيطة نادرا ما تشمل أي تفصيل أو إسهاب في تحديد أفق تلك الحرية" 41. أما عن حرية تكوين الجمعيات، فإن الدساتير العربية تميل إلى إضافة القيود التي تؤدي في مجملها إلى تضييق حاد لنطاق هذا الحق، خاصة عندما يقترب نشاط الجمعيات من المجال السياسي.

أما عن التعذيب، فإنه محرم في نصف الدساتير العربية فقط، وبدرجات متفاوتة من التحديد والوضوح، وهناك عدد من الدساتير العربية لا ترد بها أية إشارة للتعذيب أو المعاملة القاسية أو المهينة أو الحاطة بالكرامة 42.

وليس أدل على استبداد أي نسق للحكم وفساده من التضييق على الحريات (حريات التعبير والتنظيم) وانتهاك الحقوق والحريات الإنسانية دون خشية أو حياء.

وبالاستناد إلى المؤشرات التي تنشرها بعض المؤسسات الدولية حول حالة الحرية في العالم، يستنتج نادر فرجاني أن البلدان العربية "تتسم بمستوى أدنى من توافر الحريات بالمقارنة مع دول أفريقيا وآسيا غير العربية"، بل أدنى حتى من باقي دول العالم.

وبالطبع فإن حالة حقوق الإنسان في الدول العربية هي بحق مفزعة، كما يراها فرجاني ونتفق معه، حينما تشمل انتهاكات خطيرة مثل اعتقال سجناء الرأي، وانتشار التعذيب خاصة عندما تتم هذه الممارسات في طي الكتمان 43.

المحصلة والمخاطر

بعد مرحلة "التحرر الاقتصادي" الشكلي و"الانفتاح السياسي المحدود" خرجت الدولة العربية أكثر تسلطا عما كانت عليه. لقد ترعرعت المصالح الشخصية البيروقراطية الكمبرادورية الطفيلية في ظل آليات الخصخصة والانفتاح، وانفتح الباب على الغارب لسيطرة رأس المال الطفيلي، واستشرت ظاهرة الثراء المفاجئ غير المشروع، وتضخمت ظاهرة الفساد بكل أنواعه في السياسية والاقتصاد والإدارة والعلاقات الاجتماعية 44.

لقد وجدت النخب الحاكمة والتحالفات الاجتماعية المتضامنة معها "الزبائنية" أنه ليس من مصلحتها إجراء تحولات ديمقراطية طالما أن مؤسسات الحكم لا تنفصل عن آليات توزيع العوائد المالية.

لقد جرى تخليق صيغة عربية تجمع بين التحرر الاقتصادي والتسلط السياسي "باستقطاب بعض أعضاء النخبة الداخلية، من خلال نحت أدوار مزعومة لهم برئاسة أحزاب سياسية أو مؤسسات أو حتى الاكتفاء بغض النظر عن آرائهم وانتقاداتهم طالما أنها لا تتعدى الخط الأحمر الشفاهي الذي رسمته الحكومة" 45.

في إطار ذلك ظلت السلطة في الدول العربية على رفضها القاطع لقبول مبدأ الشريك في الحكم. وغاب تماماً في الواقع العربي مبدأ التداول على السلطة.

فالتغيير السياسي إما بالوفاة الطبيعية، أو خلع الأمير لسابقه، أو الأزمات السياسية الحادة (الجزائر)، وأخيراً يجرى التمهيد لصيغة "توريث الحكم في الجمهوريات" 46.


"المشروع الديمقراطي العربي" لم يحقق أي نصيب من النجاح الحقيقي، لأن المبدأ الذي جرى اعتماده وتسويقه والمزايدة عليه هو 60 سنة من ديمقراطية جائرة مستبدة أهون وأصلح من ليلة بلا ديمقراطية على الإطلاق

ولم تستهدف التحسينات الشكلية التي أجريت على شكل الحكم (تعددية– برلمانات– انتخابات) إجراء أي تغيير في جوهر السلطة، كما لم يستهدف الانفتاح المشوه تحقيق عدالة التوزيع ومشاركة الأغلبية الاجتماعية في عمليات الإنتاج والحكم، ومع تزايد تراكم الثروات لدى التحالفات القريبة من الحكم، اتسعت الفجوة بين القلة من الأثرياء والأغلبية الساحقة من الفقراء المهمشين سياسيا واجتماعياً. وقد ثبت بالدليل القاطع أن "الانفراج" المحدود وفقا لتوجهات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، كان عملية مدروسة أسفرت عن "تآكل القاعدة الاجتماعية" وتعرض الجماهير الشعبية الفقيرة لمزيد من الحرمان والإفقار والتهميش 47.

لقد تم فرض وصفة التثبيت والتكيف الهيكلي على الدول العربية وفقا لشروط النظام الرأسمالي العالمي في طوره "الإمبريالي المعولم". في هذا السياق، تتحول وضعية "المنطقة العربية" من التبعية إلى مزيد من التبعية والتهميش.

أما على الصعيد الداخلي، فإن "المشروع الديمقراطي العربي" -إذا صح التعبير- لم يحقق أي نصيب من النجاح الحقيقي، لأن المبدأ الذي جرى اعتماده وتسويقه والمزايدة عليه هو 60 سنة من ديمقراطية جائرة مستبدة أهون وأصلح من ليلة بلا ديمقراطية على الإطلاق 48.

ثالثاً: آليات إعادة إنتاج الاستبداد في الواقع العربي

في الصفحات السابقة تناولنا مظاهر الاستبداد في الواقع العربي بوجه عام. والآن نطرح السؤال التالي:

ما هي آليات إعادة إنتاج الاستبداد في الواقع العربي؟

بعبارة أخرى، ما هي الأسباب التي تمنع وتعوق تغيير "الحالة الاستبدادية العربية"؟
في تقديرنا أن ذلك يعود إلى ثلاثة عوامل متشابكة ومتداخلة، وهي:

أولا: الدولة وتداعياتها كحالة حصارية.
ثانيا: الدين وذرائع الاستخدام المراوغ.
ثالثا: الفقر وامتصاص طاقة المجتمع.

ونتناول الآن كلا منها بالتفصيل:

الدولة وتداعياتها كحالة حصارية

من ثوابت هذه الدراسة الإقرار بالرابطة الوثيقة بين الدولة والفعل السياسي باعتبارها حاملة له. كذلك، أن المجتمع لا يقوم خارج نطاق العلاقة مع الدولة لأن أصول المجتمع، وهي تكمن في العملية السياسية، تكمن في الدولة نفسها. يترتب على ذلك أن معالجة مشاكل المجتمع المدني تتحقق وتحتاج إلى الدولة ولكن:

أي نوع من الدولة تلك التي تساهم وتطلق طاقات المجتمع المادية والفكرية وتسمح له بالحركة والإنجاز والنهضة؟

دولة الإكراه
إذا كان علماء السياسة يقررون بأن سمة الإكراه هي سمة غالبة على الدولة، مما يدفع بالتسليم بالقاعدة التي ترى أنه "لا دولة من دون سلطة ولا سلطة من دون تسلط" فإن قضية "الإكراه" تبقى هي محور الخلاف في التمييز بين دولة استبدادية ودولة ديمقراطية.

من الصحيح أن الدولة تجسد السلطة (كعلاقات للقوة) والتي تتولى إصدار الأوامر وفرض الإلزام بالطاعة 49.

ولكن علاقات السلطة/القوة لا تقصد إلا بلورة وحدة المجتمع السياسي القومي، والدفاع عنها ضد المخاطر الداخلية والخارجية، والحفاظ على الذاكرة الجماعية، وإحاطة المواطنين وضبطهم، ورسم حدود الدولة بالمعنى القومي، وتأهيل بنيتها التحتية دون مغالاة في التدخل 50.

هنا نجد، حسبما يرى عماد شعيبي أن الإكراه "بمعناه الضابط اجتماعيا هو وظيفة صلبية لدولة الإكراه". ومع ذلك فإن شعيبي يصل بنا لنتيجة أساسية وهي "أن الغلو في دور دولة الإكراه كارثة على الدولة نفسها، ولم يعد مقبولا التغاضي عنه في سياق حركة كرة الثلج (الديمقراطية)" 51.

إن الإكراه المغالى فيه يصبح خطرا على الدولة نفسها لأنه يكون قد استنفد أغراضه، لنصبح آنذاك أمام سلطة تعتدي على الدولة نفسها، أي دولة تنهش ذاتها، وبدلا من أن تكون الدولة سياجا "لموازين القوى" فإنها تصبح ساحة "لمراكز قوى" متصارعة.

إن تحليلنا الراهن، لا يقصد بحال من الأحوال تصعيد "المواجهة" ضد الدولة ولا زيادة حدة التوتر بين "الدولة" و"المجتمع"، وإنما يكمن الهدف في لفت الانتباه إلى أن الإصلاح يتطلب في المقام الأول "تغيير الدولة ذاتها من الداخل" أي "تبديل نمط الإرادة التي تسيرها" لتتحول من عصبة أو عصابة لإرادة نابعة وتابعة ومصالحة للمجتمع" 52.

في الواقع العربي، نحن إزاء دولة "تفترس" المجتمع بكل أشكال الإكراه الممكنة.

كان خلدون النقيب قد أشار إلى "الإرهاب الشامل" الذي تمارسه الدولة التسلطية من خلال هيمنتها على الاقتصاد والمجتمع. ولا غرابة هنا في صفة "الإرهاب: عندما يؤدى ذلك في الحالة المصرية مثلا إلى" انسداد أفق التغيير السياسي بأي معنى، ومنع تشكيل أي حزب جديد، واستمرار القيود على نشاط الأحزاب القائمة، واحتكار الحزب الوطني (حزب الدولة) للسلطة إلى أجل غير مسمى، واستمرار تزييف إرادة الشعب من خلال انتخابات مزورة، واستمرار سريان قانون الطوارئ دون مبرر، وجموح ظاهرة أصحاب السلطة والثروة والنفوذ وفئة من هم فوق القانون، وانتشار الفساد والتربح وتعدد حالات الهروب وتهريب الأموال لدرجة أن كاتباً مصريا تساءل صراحة: "هل نحن أمام عملية جديدة من عمليات (نهب مصر) والتي تحدثنا عنها في القرن التاسع عشر وربما في فترات لاحقة أيضا.. وإلا ماذا يعنى الاستيلاء على أموال بالمليارات دون أمل كبير في العودة؟" 53

كانت قرارات الانفتاح الاقتصادي والسياسي التي اتخذها السادات قد ولدت الانطباع بأن مصر تتحول من "السلطوية الناصرية" إلى الانفتاح الديمقراطي، ثم أطلق البعض على الحالة المصرية الراهنة نمط "التعددية المقيدة" أو "المنضبطة"، ولكن انسداد أفق التطور أو التغيير أمام هذا النمط التعددي المقيد، ينبئ بأن مصر لم تغادر بعد مرحلة الحكم السلطوي، وأن كل ما حدث أنها تحولت من نموذج تسلطي إلى نموذج تسلطي آخر.

كان نزيه الأيوبي لا يخفى "اعتزازه" بالدولة في مصر عندما اعتبرها –رغم عيوبها وخطاياها- "تراث وإنجاز قيم لابد من الحفاظ عليه" ولكن ذلك لم يمنعه من طرح السؤال الحائر: ماذا نفعل بالدولة المصرية؟ 54 هل نقويها أم نحد من قوتها؟

وفى حالة الاعتراف بميزة الدولة "القوية" فإن الأمر يتعدى مسألة محاولة تصحيح مسارها. ذلك أن واقع الدولة في مصر أنها سعت إلى إيجاد "خواء سياسي حولها" فمن حزب يتطابق مع الدولة أو الحكومة، إلى مجالس تابعة، ونقابات خاضعة، وجمعيات تنشأ بواسطة الدولة ومن أجلها.

فمثلاً، عندما صدر القانون رقم 100 لسنة 1993، صدر تحت اسم "قانون ضمانات ديمقراطية النقابات المهنية" ولكن الحقيقة أن القانون شكل قيدا على الحريات وعلى حرية النقابات المهنية وحرية أعضائها في من يريدون انتخابهم.

كما خالف القانون المواد "4" و "5" و "40" و "47" و "56" من الدستور. وفـرض وصايـة قضائية على النقابات المهنية. فإذا ألقينا الضوء على "مسيرة" هذا القانون لعرفنا نوعية "المناخ" التشريعي الجاري في مصر. فالمشروع تقدم به ثلاثة أعضاء من الحزب الوطني الحاكم في مجلس الشعب وذلك في 12/2/1993، وتم إقراره في 16/2/1993 وصدق عليه رئيس الجمهورية في 17/2/1993 ونشر بالجريدة الرسمية في 18/2/1993.

وكما يقول علي عوض المحامي بالنقض والمحكم الدولي أن القانون يجب إلغاؤه لما فيه من مثالب وقيود، وذلك من أجل "رفع يد السلطة عن النقابات إذ ليس من المصلحة إضعاف النقابات المهنية التي تشكل صفوة المثقفين في المجتمع" 55.

ويظل السؤال ماثلا.. ما هي آليات إعادة إنتاج الاستبداد– والتسلطية والتحكم؟

هنا لابد من الإشارة إلى هيكل قوة القهر التي تتمثل في النمو السرطاني لأجهزة الحماية (الأمن): الجيش والشرطة، والتي تحولت وظيفتها إلى حماية من هم في سدة الحكم، ولم أدى الأمر إلى "ترويع المجتمع". لقد أصبحت مؤسستا الجيش والشرطة من أهم دعائم نسق الحكم الفاسد 56.

إن صورة دولة المخابرات هي حالة عربية شائعة وهي تجسد حالة "مخلوق ضخم" يقوم على القوة والعنف والاستبداد، ويستمد أسباب استمراره من الخوف وليس من الشرعية 57.

ويستفحل الأمر، عندما يستقر في ذهن المجتمع أن "العنف" هو سيد الموقف، وهو السبيل الوحيد لأي نشاط سياسي بين السلطة والمعارضة (يسارية أو إسلامية). ومع أن السلطة صورت في الآونة الراهنة معركتها على أنها أساساً ضد الإسلام الراديكالي، إلا أن الموقف لا يختلف تجاه أي معارضة أو نقد، فالمعارضة خروج على الدولة والنقد خيانة وعصيان مما يستوجب العقاب، وسجون الدولة هي "مأوى الخائنين" 58.

وبالطبع فإن الجهاز السلطوي يعضده إعلام موال، هو في حقيقته ابن السلطة وربيبها، وأداة رئيسية للتعبئة، والشحن العاطفي من خلال آليات تزييف الوعي وإفساده إن أمكن. فالقضايا التي يتم طرحها تكون بما يتفق وتوجهات الحكم والنخبة والحكومة، والقضايا التي يتم حجبها، وتجاهلها تكون مما لا يحسن فتح ملفاتها "توخياً للصالح العام".

أما ممارسة حرية الرأي والتعبير، فإذا لم تكن في حدود "الأدب أو بعبارة أخرى "الخطوط الحمراء" فإن المصير يتراوح بين الطرد أو الفصل أو الحرمان من الممارسة أو النقل الإداري وصولاً إلى السجن والتعذيب بأنواعه 59.

ولا غرابة في ظل هذه الأجواء أن يعيش الإنسان العربي مغربا ومغترباً عن ذاته، مستباحا ومعرضاً لمختلف المخاطر. فهو على الهامش تشغله لقمة العيش، لا يجد مخرجا سوى "الخضوع أو الامتثال القسري"، يجتر هزائمه الخاصة والعامة وهو مغلوب على أمره، عاجز عن التغيير أو تحدي قوى الاستبداد 60.

في هذا الإطار، يحذر برهان غليون من التصور الساذج والمضلل الذي يمكن أن يذهب إلى الاعتقاد بأن المعركة من أجل الديمقراطية تقتصر على مقاومة القوى المستبدة ومعارضتها. وحسب غليون، فإن هذا الاعتقاد الخاطئ -من وجهة نظره- يقود إلى "الاستهتار بعملية التعليم (الديمقراطي) والتربية والنضال السياسي وتعديل موازين القوى الأساسية المرتبطة بمسارها واللازمة لتحقيقها".


طبيعة الحكم العربي لا تترك فرصة لأي حركة سياسية لأن تنمو بشكل طبيعي وتعبر عن نفسها بشكل علني مفتوح وشفاف، وإنما يقفل الحكم التسلطي كل الأبواب ولا يعود هناك مجال للتغيير إلا عن طريق الانقلابات والتآمر على الحكم وإزاحته بالقوة وتأسيس حكم يقوم على مبدأ الغلبة
وبرهان غليون في ذلك يشير إلى أهمية وضرورة إعداد المجتمع والمؤسسات لتصبح ناضجة للتحول الديمقراطي الحقيقي، وحتى تتجنب نتائج أكثر سوءا إذا ما تم إسقاط حكم استبدادي، وتولى الحكم استبداد آخر.

وهذا الحديث صحيح ومعقول ولا غبار عليه، إلا أنه لا يلتفت إلى "العقبة الكبرى" التي تقف في طريق أي "تحول" أو "إصلاح" أو دفع ولو محدود في طريق "ديمقراطية حقيقة" إن مخالب الاستبداد تدمي الجميع، وتجهض كل محاولة لإنضاج التربية الديمقراطية مما يؤدي إلى إعادة إنتاج الاستبداد. ويكشف علي خليفة الكواري الحقيقة دون مواربة بقوله إن "طبيعة الحكم العربي لا تترك فرصة لأي حركة سياسية لأن تنمو بشكل طبيعي وتعبر عن نفسها بشكل علني مفتوح وشفاف، وإنما يقفل الحكم التسلطي كل الأبواب، ولا يعود هناك مجال للتغيير إلا عن طريق الانقلابات والتآمر على الحكم وإزاحته بالقوة، وتأسيس حكم يقوم على مبدأ الغلبة، ويستمر بفضل غلبته على مقدرات الناس إلى أن يأتي من يغلبه بالقوة والعنف.. "61.

الفساد.. الابن الشرعي للاستبداد
من المعروف أنه خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، استجد في الواقع العربي نوع جديد من "العمليات الاستشارية" لتوجيه الخدمات من خلال "هيئات المعونة الأميركية" والشركات الأجنبية نحو مكاتب استشارية محلية، وذلك بهدف تكوين طبقة أو نخبة من المهنيين الجدد ورجال الأعمال ممن يقبلون مسايرة برامج المؤسسات الدولية الهادفة إلى نشر برامج الخصخصة ودمج الاقتصاد العربي في شبكة الاقتصاد العالمي.

وفي هذا الإطار تقوم الهيئات المعنية بمنح العقود الاستشارية والتوكيلات لأقارب المسؤولين وأصهارهم وأصحاب النفوذ السياسي لتسهيل عمل الشركات الأجنبية، دون النظر إلى ما تقتضيه مصلحة مشروعات التنمية المحلية.

ومع اقتران هذه الظواهر، بضعف الرقابة والمساءلة في المجالس التشريعية والنيابية وأجهزة الرقابة في "الدولة" العربية، فإننا نكون إزاء ما يطلق عليه محمود عبد الفضيل "الفساد الكبير"، وهو نوع من الفساد الذي يضاعف من خطورته ضعف أو انعدام فرصة تداول السلطة مما يؤدى إلى أن يعشش الفساد لمدد طويلة ويتم توارثه.

ويشير عبد الفضيل إلى أن "الفساد الكبير" يحدث على المستويين السياسي والبيروقراطي، حيث يمكن أن يكون بينهما تداخل كبير إذ يرتبط الفساد السياسي عادة بتفصيل القوانين الانتخابية وإدارة الحملات الانتخابية وتمويلها 62.

ومع انتشار الفساد والمفسدين، واتساع نطاق "الدخول الخفية" الناجمة عنه، فإن العمل الشريف الجاد يفقد قيمته، بل إن القانون نفسه يفقد هيبته واحترامه. هذا، فضلاً عن أن للفساد تكلفته الاجتماعية التي تتمثل في انخفاض معدلات الكفاءة في تخصيص الموارد الاقتصادية، وهو ما يؤدى إلى تخفيض معدلات التنمية الاقتصادية وعدالة التوزيع للدخل القومي.

على أن العلاقة المباشرة بين الفساد والاستبداد تتمثل في أن الفساد عندما يستشري ويترسخ فإنه يعمل على حماية نفسه، وذلك بإبقاء كل الهياكل التي أنتجته على حالها، فلا تغيير في القوانين ولا تعديل في اللوائح ولا تطوير في السياسات، لذلك نجد أن المسؤولين الحكوميين غير مبالين بالتغيير وذلك ضمانا لاستمرار المناخ الذي يضمن لهم المزيد من التربح واستغلال النفوذ، وهو ما يصفه البعض بانتشار نمط "ثقافة الفساد" 63.

في الحالة المصرية

في إطار من "التسلط المركزي" تقع السلطة السياسية في مصر في أيدي التحالف الثلاثي بين بيروقراطية الدولة، والمؤسسة العسكرية، والحزب الوطني الحاكم.
ويستند هذا التحالف التسلطي على حماية القانون والجيش والشرطة
64.

ويجذب هذا التحالف إليه وكلاء العولمة الاقتصادية ووكلاء الشركات الأجنبية والاستيراد، ويعمل الجميع على إضفاء ليبرالية اقتصادية مشوهة لم تسمح بحال من الأحوال بفتح مجال الليبرالية السياسية أمام النظام السياسي المصري.

المهم أن تسلطية الدولة تتجسد في هيكل قانوني استبدادي بغطاء ليبرالي مرتبك.
ويعاني جهاز الدولة في مصر من ظاهرتين أساسيتين
65 تمثلان أهم سماته في المرحلة الراهنة:

أولا: عدم انسجام الأجهزة الداخلية في النظام وتفككها وعدم توافقها حول السياسات العامة.

ثانيا: صعود قوة واتساع دور الجهاز الأمني بحيث أصبحت له اليد العليا في إدارة الدولة.

ويترافق مع هذه الظواهر، وينتج عنها اتساع نطاق انتهاكات حقوق الإنسان بدءا من انتهاك حريات التعبير والحريات السياسية وحق التنظيم الحزبي، والتضييق على التعددية السياسية وإقصاء القوى السياسية وحرمانها من الشرعية (الإسلاميين)، وصولا إلى الاعتقالات التعسفية وإساءة معاملة المواطنين في أقسام الشرطة 66.

وفي محاولة للتصنيف، فإنه يجرى وصف النظام السياسي المصري بأنه من قبيل الأنظمة التعددية المقيدة 67.

فالتعدد الحزبي محكوم من أعلى مع وجود قيود على تشكيل الأحزاب، والانتخابات شبه تنافسية، وفوز الحزب الوطني الحاكم محسوم سلفا، وتخضع المشاركة السياسية لمؤثرات تتراوح بين الترهيب والترغيب. ويظل لهذا النظام عاملان يمثلان المظهر الوحيد على الانفتاح السياسي المحدود، وهما: تمتع الصحافة بهامش من حرية النقد، واستقلال القضاء (نسبياً)، أما عن دور الهيئة التشريعية فإنه شكلي ومحدود، ويخضع لنفوذ السلطة التنفيذية، ويقتصر الأمر على ما يتردد في ساحة البرلمان من مناقشات وجدل عام، ووجود رمزي للمعارضة، ولكن دون تفعيل حقيقي لآليات الممارسة البرلمانية المجدية 68.

في "الدولة العربية" أصلا

الأصل في الدولة أن تكون محايدة ومستقلة كرابطة مدنية تحترم استقلالية الفرد الحر المتساوي القادر على تسيير أموره، وتحديد أهدافه العليا. ويقوم نظام الحكم في الدولة المحايدة بدور الحكم النزيه غير المنحاز في رعايته لسعي الأفراد (المواطنين المتساويين) نحو تحقيق أهدافهم ومصالحهم، بحيث يتركز دور الدولة في عمليات التنظيم والتنسيق والتقنين.

وتحمي الدولة التعددية السياسية وبما لا يتعارض مع اتساع مساحة الحريات والحقوق السياسية وحماية دور المجتمع المدني خارج نطاق السياسة 69.

وفي ذلك يقوم نسق الحكم الصالح 70 (غير الاستبدادي) على أساس مؤسسات مجتمعية معبرة عن الناس تعبيرا سلميا، وتربط بينها شبكة من علاقات الضبط والمساءلة، بواسطة الناس، وبما يستهدف المصلحة العامة.

دون الدخول في تفصيلات حول تاريخ الدولة في الواقع العربي، فقد نتفق مع محمد جابر الأنصاري على أن ما نراه في العالم العربي هو "مشروع دولة" لم يصل بعد إلى مرحلة النضج والاكتمال تنظيميا ومؤسسيا.

لعل السمة الأساسية التى واكبت تأسيس الدولة العربية أنها باشرت بإقامة حكومة وإدارة وجيش قبل أن تترسخ فيها مؤسسات "الدولة" من مجالس وتنظيمات، أي أن البداية جاءت بتأسيس "سلطة" قبل تأسيس "دولة" (مع ملاحظة قدم الدولة وخبرتها في كل من مصر والمغرب).

من هنا يقول الأنصاري "إذا كانت حركات المطالبة بالديمقراطية والتغيير السياسي –ثوريا كان أم سلميا– تطالب بتغيير الأنظمة والحكومات، فيبدو أن منطق التطور التاريخي الموضوعي الخاص بعملية تأسيس السلطة والدولة في المجتمعات العربية يتطلب ويقتضي أولاً نضج مؤسسات الحكومة والدولة ومرتكزاتها في المرحلة الراهنة دون تعجل الانقلابات والتغييرات الجذرية.. ".

إن الأنصاري يربط بين شروط "التطور التاريخي الموضوعي" فيما يتعلق بعملية تأسيس السلطة والدولة وإمكانية إجراء تغييرات سياسية عميقة، وإلا فإن الثورة أو التغييرات المنشودة تجرى في فراغ وفي العراء 71.

وتفصيليا يصل الأنصاري إلى أنه لا يمكن تصور جنين ثورة بالعنف أو التغيير السلمي دون "رحم" دولة مكتملة ناضجة ومخصبة ودخلت سن الرشد.

واستكمالا لهذا التحليل، فإن الأنصاري اعتبر أن الطبيعة السلطوية أو التسلطية الحادة للأنظمة العربية والإرث الاستبدادي للدكتاتورية العربية، لا يعود "لمسألة عطش الحاكم العربي إلى السلطة" ولكنه يعود أساساً إلى عنصر "عدم نضج واكتمال الدولة وسلطاتها، أي التطور التاريخي الموضوعي".

وهنا نجد أن التحليل يجرى بصورة معكوسة، لأنه وفقا لشواهد التجربة العربية، فإن الاستبداد واحتكار السلطة يعد هو نفسه السبب الرئيسي في عرقلة وتعثر نمو "الدولة" في الواقع العربي، لأنه يحرمها حيوية التجدد ويمنع عنها أسباب التطور والنمو والارتقاء إلى مراحل أعلى.

وهنا أيضاً نجد أن تحليل الأنصاري قد يفيدنا في دعم وجهة نظرنا، ذلك أنه في الواقع العربي ليس من السهل التفرقة الواضحة بين ما للسلطة وما للدولة، فالسلطة هي التي تبنى المؤسسات والأجهزة، أي أن السلطة هي "حاضنة الدولة وليس العكس، أو كما يجب أن يكون".

وحتى عندما يحاول الأنصاري لفت نظرنا لأهمية التمييز بين "النظام الحاكم" و"مؤسسة الدولة" وهي مسألة يصعب الوصول إليها في الواقع العربي حيث يكون الفرد الحاكم ذاته هو "صمام الأمان" بالنسبة إلى بقاء الدولة، فإن هذا التحليل ذاته هو دليل أيضا على سلطوية الحاكم والدولة معا، وليس مجرد أدلة جديدة على عدم نضج الدولة وعدم اكتمال نموها فحسب.

معضلة الدين في الواقع العربي

في قضية التسويغ

من قبيل الأسئلة المحيرة السؤال عن الدين والدولة في الواقع العربي.. أيهما استخدم الآخر؟

قد نجد إحدى الإجابات السهلة فيما أشار إليه حليم بركات أن الدولة، منذ عصور الإسلام الأولى، أدركت "أهمية استخدام الدين في تثبيت شرعيتها وفرض هيمنتها" 72.

ولكننا، لسنا أمام دين عادي، فالرأى الغالب لدى الكثيرين أن الإسلام يختلف عن كل الأديان الأخرى لأنه "يريد أن يكون دينا ودولة في آن معاً" 73.


القرآن لم يأت مؤيدا للاستبداد. لكن الذى وقع، في الفكر الإسلامي، هو أنه جرى خلط متعمد بين "الحاجة إلى وجود سلطة" وهي من مقتضيات الوجود الإنساني، وبين قبول السلطة حتى لو كانت استبدادية، وفقا لقاعدة "أنه يفضل وجود طاغية لمدة عام على مرور ليلة واحدة من دون حكومة"

ولأن الواقع التاريخي الإسلامي شهد نماذج للحكم قامت على الحرية والعدالة والمساواة بين الحاكم والمحكوم في الرأى والنصيحة والكسب والمال (الخلفاء الراشدون، عمر بن عبد العزيز، المهدي العباسي، نور الدين الشهيد) وهي النماذج الممثلة للصورة الأولية المترسبة في اللاوعي الجماعي مما يطلق عليه "النموذج الأصلي" Archetype، فإن دعوة الجمع (دين ودولة) ظلت تتقوى عبر الزمن مع تغير العصور والأزمان والحكام والأصول.

وفي حقيقة الأمر فإن المحصلة، كان يمكن أن تختلف تماماً لو أن قضايا مثل الحكم أو مصدر السلطة ونوعها، وشكل الدولة، أخذت حظها من البحث والتمحيص والممارسات خاصة وأن النص الأصلي (القرآن) لم يأت مؤيدا للاستبداد. لكن الذي وقع، في الفكر الإسلامي، هو أنه جرى خلط متعمد بين "الحاجة إلى وجود سلطة" وهي من مقتضيات الوجود الإنساني، وبين قبول السلطة حتى لو كانت استبدادية، وذلك وفقا لقاعدة "أنه يفضل وجود طاغية لمدة عام على مرور ليلة واحدة من دون حكومة" 74.

وكانت النتيجة أن الكل وقع، بوعي أو بدون وعي في براثن المقولة أو القاعدة الذهبية وهي "إنما ينهض بالشرق مستبد عادل" 75.

وقد لا نجد غضاضة كبيرة في التعادل الذى يقع في الذهن بين "المستبد العادل" و"الزعيم البطل"، من عمر بن الخطاب رضي الله عنه وصلاح الدين، وجمال عبد الناصر، 76 ولكن الإشكالية الأعمق تتأتى من "حضور" المستبد العادل لتسويغ الحكم والتحكم كهدف في ذاته.

ويتبدى هدف "التسويغ" واضحاً حينما عمدت الطبقات الحاكمة إلى توظيف النصوص والمقولات لتأكيد شرعيتها وترسيخ سيطرتها. ومن هذه المقولات "إمام عادل خير من مطر وابل، وإمام غشوم خير من فتنة تدوم"، وأن الحكام "هم وسائل الله في عمله" و"أن الحاكم الظالم خير من انعدامه أصلاً" و"أن السلطة من الله، ويجب أن تطاع" وأن "الحاكم ظل الله على الأرض"، وأن "الحاكم ولو كان ظالما، لخير من الفتنة وانحلال المجتمع" 77 فطاعة أولي الأمر واجبة لأنها مسكونة نصا، وعامة العلماء يقفون إلى جانب السلطان وذلك خوفا من "الفتنة" التي يعبر عنها حديثا بضرورات الحفاظ على "الوحدة الوطنية".

ومن هنا يأتي تبرير كل أنماط السلطة مادامت تضمن الدين والمصالح، حتى في ظل "إمام جائر". والمبدأ العام يسير على ألا يهتم "المسلم" بشؤون السلطان مادام لا ينطوي ذلك على ما لا يحول دون شؤون دينه.

وفي إطار ذلك يضيق هامش الخلاف والمعارضة والمراجعة خوفا من "الفراغ السياسي"، "فستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة بلا سلطان" 78.

وطبعاً يبدو الأمر، في مجال الممارسة العملية، أكثر أهمية حينما نكون بصدد الحالات الاستبدادية الصريحة عندما نلاحظ محاولة إيهام العوام "بأنه لا فرق بين صفات الله وصفات السلطان" 79.

أما الانعكاس العملي المعاصر لهذا المنحى فيتمثل في استخدام "الشعارات" الدينية لترسيخ أبوية السلطة. فالرئيس السادات أخذ لقب "الرئيس المؤمن" و"رب العائلة المصرية" وبالتالي فإن الخلاف في الرأى هو خروج عن "القيم" في "دولة العلم والإيمان" 80.

وعندما تم تعديل المادة الثانية من الدستور المصري في أبريل/نيسان 1980 بحيث ينص على أن "مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع"، فإن ذلك جاء في إطار "الترضية الدينية" لأهداف سياسية.

وفي الواقع العربي، نجد أيضاً النموذج الذي حرص على ضمان "الطاعة المطلقة" و"الخضوع الكامل" لشخص "الملك" عندما أخذ العاهل المغربي الحسن الثانى لقب "أمير المؤمنين" مشدداً على مقام الأسرة العلوية كأبناء البيت، وإحياء طقوس "البيعة" لتحصين شرعيته، والاستحواذ على سلطات إضافية لم يمنحه إياها الدستور المغربي 81.

أما النظام السعودي، ووفقا للأدبيات السعودية، فإن "المملكة من حيث المنهج والتطبيق تقوم على الإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة.. لذا فإن المطلع على تاريخ هذه البلاد يلحظ وجود الارتباط الكبير والمتين بين الدولة والدين دون انفكاك منذ الاتفاق التاريخي المعروف بين الإمام محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبد الوهاب.. في عام 1157 هـ/1744 م" 82.

وفي سياق علاقات "التحالف" بين الحكم والمؤسسة الدينية، فإن النتائج تتعدد وفقا للمشيئة السياسية، فمثلا أفتى المفتي السعودي بحق المملكة في تطبيع العلاقات مع إسرائيل عام 1994، ثم رجع عن فتواه بعد أن عارضه الشيخ يوسف القرضاوي.
وقبل ذلك كان السادات قد حصل على فتوى من الأزهر بتأييد اتفاقات كامب دفيد. وقبل ذلك كان الأزهر قد أصدر فتوى عام 1956 بعدم الصلح مع إسرائيل، ويذكر صادق جلال العظم أن كل نظام حكم عربي، لا تنقصه المؤسسة الإسلامية التي تفتي بأن سياسته تتفق مع الإسلام
83.

والخلاصة في المعنى والمبدأ أن "كل سلطان ظالم مستبد كان دائما يجد من يدعو له بالتوفيق".

كذلك من النتائج أيضا تشجيع الدولة ورعايتها لبناء المساجد فى كل مدينة وقرية وحي.

وفي نطاق بحثنا الراهن، نركز على قضيتين أساسيتين هما:

  • الموقف من السياسة.
  • وقضية الخطاب.

بالنسبة للموقف من السياسة أو بمعنى أصح من قضية الديمقراطية لنضرب مثلاً يبرز موقف المملكة السعودية من الأحزاب السياسية، إذ ذكر كاتب سعودي "من الحماقة الفكرية القصوى أن يقال إن نظام الحزبين أو التعدد الحزبي القائم على التطاحن هو السبيل الوحيد لتسيير دفة بلد ما لمصلحة مواطنيه، أو أنه هو فعلا السبيل الوحيد لإعطاء الشعب صوتا في كيفية إدارة بلاده.." 84.

وفي عام 1992 جاء في حديث للملك فهد أن "نظام الديمقراطيات السائد في العالم نظام لا يصلح لنا في هذه المنطقة، شعوبنا في تكويناتها، وخصوصيتها تختلف عن خصوصيات ذلك العالم، نحن لا نستطيع أن نستورد طريقة تعامل تلك الشعوب لتطبيقها على شعوبنا (.. ) إن نظام الانتخاب الحر لا يصلح لبلادنا في المملكة العربية السعودية، فهذه البلاد لها خاصية يجب أن ندركها".

وهكذا نتبين كيف يمكن أن تتضافر ذرائع الدين والثقافة والاستثناء والخصوصية بهدف إبقاء الأمر على ما هو عليه ورفض التغيير. والحقيقة أن رفض التغيير يأتي من باب الاقتناع بعدم الحاجة إليه أصلا، وعدم وجود مبرر في نظر الحكم. ويفسر ذلك، على سبيل المثال الصورة المعطاة عن الحياة الداخلية في السعودية، وكما جاءت في كتاب وزارة الإعلام السعودية تفصيلا كالتالي "ليس في المملكة السعودية مشكلات سياسية كما هو الحال في بلاد أخرى"، "ليس في المملكة ضرائب على الإطلاق"، "الدولة والشعب يسيران في طريق واحد في ضوء الشريعة الإسلامية"، "ليس في المملكة مشكلات اجتماعية، لأن الدولة تكفل المجتمع بأكمله.. "، "ليس في المملكة الثلاثي الشهير: الفقر والجهل والمرض.. "! 85.

على كل، كانت هذه بعض النتائج التى تترتب على علاقة التحالف بين الحكم واستخدام الدين أو المؤسسات الدينية للمحافظة على الوضع القائم وإعادة إنتاجه. ولكننا مع ذلك مازلنا في حاجة لمزيد من التفسير حول الخطاب الديني.
ولنبدأ بطرح سؤال محدد:

هل حقا يؤدى الإسلام إلى تضخيم إحساس المسلم بالسلطة؟ 86

لننظر إلى ما يقوله أحد الرموز الإسلاميين من الموصوفين بالاعتدال. يقول الدكتور أحمد كمال أبو المجد "أول عناصر الخطاب الديني المعاصر وأكثرها انتشارا، وأشدها حاجة للمراجعة، الدعوة للإسلام عن طريق الترهيب والتخويف، وإغفال الدعوة إليه عن طريق الترغيب والتبشير"، ويصف أبو المجد الثمرة التى تترتب على هذا "الخلل" مشيراً إلى الذعر والخوف وصيحات الوعيد التى تملأ الناس قلقا، أمام ما ينتظرهم يوم القيامة من عذاب أليم.. وينتهى إلى أن "الخائفين المذعورين لا يصلحون لبناء الحضارات العظيمة" 87.

وطبعا هنا لابد من التفرقة الدقيقة بين الإسلام والخطاب الإسلامي، أي بين الإسلام كدين حرر الإنسان وأطلق طاقاته، وبين نوع من الخطاب يختصر "علاقة الإنسان بالله في بعد واحد فقط هو العبودية" 88.

وفي هذا السياق نجد حلقة الوصل مع "الاستبداد" وبتعبير حسن حنفي عن الكواكبي يقول "المستبد السياسي يقوم على هذا البناء النفسي للدين ويتمثل الله بحيث لا يعود فرق بين الله والسلطان.."89.

وفي ضوء هذه البنية تتولد لدى "المؤمنين" "الخاضعين" روح الانسجام مع الأوضاع القائمة مهما كانت مجحفة وظالمة، ويعاد إنتاج الاستبداد دون مقاومة، فيتم تسويغ الفقر باعتباره ظاهرة طبيعية ومقبولة لأنها تجعل الفقراء من أهل الجنة. ويذكر عضيبات مقولة عن الشيخ عبد الحليم محمود، وكان شيخاً للأزهر حول الغنى والفقر، جاء فيها أن أصحاب الملايين من الصحابة كانوا من المبشرين بالجنة، ولكن "لم يكن أبو ذر أو بلال أو صهيب من المبشرين بالجنة" ويفسر محمود أمين العالم ذلك باعتباره من قبيل التوظيف الأيديولوجى للدين "لخدمة سياسة الانفتاح الاقتصادي" التي بدأها السادات في مصر لتبرير الغنى الفاحش الذى حققه الانفتاح لبعض رجال الحكم وحلفائهم 90.

فالخطاب استخدم مرة لتبرير الفقر، ومرة لتبرير الثراء، طالما أن الهدف النهائي إبراء ذمة "المستبد العادل"، سواء كان حاكماً أو نظاما أو نخبة.

وليس ببعيد عن خدمة هذا الهدف ما يشير إليه أبو المجد من نوع الخطاب الذى يبعد الناس عن الواقع الاجتماعي والظروف المعيشية التى يعيشون في ظلها، وذلك عندما ينصرف الخطاب إلى قضايا تملأ الساحة جدلا "لا طائل من ورائه ولا نفع فيه" 91.

وهذا النوع من الخطاب ليس أخطر ما فيه شيوع "الإسلام الشكلي" "والتدين الطقوسي"، وإنما الأمر يمتد إلى تزييف الوعي والهروب الديني أو الهروب إلى الدين بعيدا عن الواقع الاجتماعي، وهو ما يتفق مع المناخ الذي لا يشارك فيه الناس في الأمور السياسية ويواجهون التهميش والاستبعاد عن المشاركة السياسية والاجتماعية بالمعنى الواسع.

وفي هذا الإطار تستخدم خديجة صفوت مفهوم "الدين السياسي" وترى أن غايته "الاستيلاء على أجهزة الدولة والدولة نفسها كأداة لتنفيذ برامجه الملخصة في إقامة الدولة الإسلامية وتطبيق الحدود.."، وترى أنه في هذه الحالة، فإن المشكلات الاجتماعية التى يتضمنها "البرنامج" حينذاك تنحصر في "مفهوم العلاقة بين الجنسين" ليلهي هذا الشعار أو هذه القضية الناس عن الأمور والمشاكل الأكثر أهمية، أو القضايا الأكثر أهمية في الدين نفسه ومنها "تخريب الاقتصاد والربح الحرام". وتستهجن الكاتبة التركيز على مناقشة العلاقة بين الجنسين وكأنها "العمود الفقري للقضية الوطنية" 92.

في عملية الإقصاء

من المقولات التى أؤيدها مقولة غسان سلامة إنه "من العسير على المسلم أن يقبل فكرة أن دينه لا يضفى مشروعية إلا على الاستبداد (.. ) إن كون المرء مسلما صادقاً وديمقراطيا صادقاً في آن معا، ليس من الزيغ في شيء" 93.

ولكن في اعتقادي أن المسألة أعقد من ذلك بكثير، وهي تنطوي على مواقف متشابكة ومعقدة، خاصة في ضوء السجال الدائر بين السلطة والحركة الإسلامية.

ولا يخفف من حدة هذا التعقيد الاعتراف بعدم علمية مصطلح "الحركة الإسلامية" ذلك أنها من التنوع والتعدد والاختلاف حتى أنها تضم ألوان الطيف. وإذا كان المجال لا يتسع لتبيان هذا التنوع فإنه يمكن التقاط بعض الإشارات الدالة على ذلك. منها مقولة تحمل الكثير من الدلالة على واقع الحال العربي والإسلامي حاليا، وهي مقولة راشد الغنوشى إذ يقول: "إن الإسلامي بصفة عامة واقع في مفارقة عجيبة، فهو من ناحية ضحية القمع والإقصاء العلماني ولذلك فهو يطالب بالحرية وقد يعتمد حتى على مبادئ حقوق الإنسان والمنظمات الإنسانية في الضغط على الحكام المستبدين، ولكن كأني به هو الآخر يحمل عقلية إقصائية لخصومه أو هو يخشى تلك الحرية التي يطالب بها ولذلك بمجرد أن يظفر بها حتى يخنقها ويضيق نطاقها" 94.

والغنوشى هنا، وهو رئيس حركة "النهضة الإسلامية" في تونس يمارس نوعا من النقد الذاتي. وكما يذكر وليد نويهض أن هذا النقد يفتح نقاشا حول الديمقراطية على مستوى مختلف، وهو مختلف بالفعل عندما نعرض مثلا لمقولة العلامة حسين فضل الله والتي جاء فيها "أننا كإسلاميين لا نعتبر أن الديمقراطية هي الخط الذى يعطي الشرعية للقضايا المطروحة في حياة الناس ولا سيما إذا كانت هذه القضايا تتصل بالتشريع لأننا نعتبر أن الناس لا دخل لهم في مسألة التشريع.. " 95.


نواجه على أرض الواقع مجتمعات إسلامية وأنظمة سياسية ترى خطرا كبيرا في أي انفتاح ديمقراطي لأنه يهدد "بإنهاء سلطانها الاستبدادي" أو حتى يؤدى إلى انهيار الدولة

هذه المقدمات لابد أن تثير لدينا تساؤلات عديدة عندما نعرف وفقا لتوجهات الجماعات الإسلامية، أن شرط قيام الديمقراطية هو قيام "دولة إسلامية"، ارتكازاً على أن النظام الإسلامي هو "الأول" وهو "الأصل" وهو في نظرهم "الأوحد" 96.

هذا بينما تتعدد مستويات الموقف الإسلامي من الديمقراطية والحريات، فهناك من يفترض أن التقوى والالتزام لابد أن يكونا على درجة واحدة بالنسبة لكل الناس، وهناك الاختلاف في فهم الشريعة ومناهج تطبيقها، وهناك من يرفض الانتخابات كأسلوب للتداول والاختيار، وهناك من يرفض الدولة ويجّهلها. وحتى في حالة تفضيل "البيعة" فليس ثمة صورة محددة لضمان مشروعيتها 97.

إذا هبطنا بهذا التفكير إلى أرض الواقع، فإن المسألة تبدو أكثر تعقيداً، حيث نواجه مجتمعات إسلامية وأنظمة سياسية ترى خطراً كبير في أي انفتاح ديمقراطي لأنه يهدد "بإنهاء سلطانها الاستبدادي" أو حتى يؤدي إلى انهيار الدولة "فالعصبيات الخاضعة ترى أن أي ظاهرة انفتاح في النظم الاستبدادية هي في الواقع علامة على ضعف العصبية المهيمنة يصعب عليها أن تتفادى الانزلاق نحو اتجاهات الطرد والانفلات من المركز وبذلك تنتقل من مجرد رفض النظام الدكتاتوري إلى رفض الدولة التي ترسم حدوده الجغرافية وتغذيه وتزوده بالمشروعية القانونية" 98.

مبادرة الإخوان المسلمين فى مصر
في الآونة الأخيرة، طرحت جماعة الإخوان المسلمين في مصر مبادرة "للإصلاح السياسي" تضمنت ما يلي فيما يتعلق بالموقف من الديمقراطية وقضية الحريات:

  1. التأكيد على حرية الاعتقاد الخاص.
  2. حرية إقامة الشعائر الدينية لجميع الأديان السماوية المعترف بها.
  3. تأكيد حرية تشكيل الأحزاب السياسية وألا يكون لأية جهة إدارية حق التدخل بالمنع أو الحد من هذا الحق، وأن تكون السلطة القضائية المستقلة هي المرجع لتقرير ما هو مخالف للنظام العام والآداب العامة والمقومات الأساسية للمجتمع أو ما يعتبر إخلالا بالتزام العمل السلمي وعدم الالتجاء للعنف أو التهديد به.

ويقول أحمد راسم النفيس إن "مشكلة الإخوان التي صنعوها لنا ولأنفسهم (أنهم يرون أنفسهم أقل قليلا من أمة وأكثر كثيرا من مجرد حزب سياسي) وهم من ناحية يريدون التحول إلى حزب سياسي ويتصرفون فعلا على هذا الأساس (.. ).

في حين يبقى التنظيم مصراً في نفس الوقت على اجترار تلك الادعاءات الكبرى عن "شمولية الإسلام"، "وعالمية الدعوة الإخوانية.. " 99.

والمهم في ذلك كله، أن إشكالية الإخوان في مصر، لا تقتصر فقط على أنهم يتعرضون للإقصاء من جانب النظام السياسي، ولكن أيضاً، تمتد المشكلة إلى عدم وضوح العلاقة بين المرجعيات الإسلامية المتعددة على الساحة، وتعدد توجهاتها السياسية بحيث أنه يصعب -إن لم يستحيل- الإِشارة إلى إحداها باعتبارها المرجعية الإسلامية المعتمدة.

وختاماً فإننا يمكن أن نجمع أطراف الموضوع على سبيل الاستنتاج النهائي في حقيقتين أساسيتين:

أولا: أن الجمع بين السلطة السياسية والسلطة الدينية، بما يعني قوة الدولة وقوة الدين، يجعل الإنسان "ريشة في مهب الريح" ويمهد "لتسكين الإنسان في جب السلطة، أية سلطة" 100.

ثانيا: أنه مثلما ترتكز "المعارضة" في غالبيتها على المقدس، فإن النظام أيضا يستخدم المقدس ويخلق "مقدسه"، وفي غمار الصراع على "السلطة" فإنه ليس ثمة فروق كبيرة بين السلطة/الحكم والمعارضة 101.

والمحصلة النهائية تتمثل في إعادة إنتاج الاستبداد وسد منافذ التغيير والتحرر من براثنه.

الفقر وامتصاص طاقة المجتمع

في دول العسر

جعل الاستبداد البشر طعمة للظالمين، وشرعية امتصاص حياة الزراع والعمال وأكل ثمار الغير واغتصاب الأموال والجهد والعمل، فلا فرق بين آكل لحوم البشر في الماضي ونهب الأعمار وإزهاق الأرواح وسلب العمل إلا في الشكل 102.

"الاستبداد الاقتصادي من صاحب رأس المال للعامل صورة من صور الاستبداد السياسي" 103.

في البلدان العربية بوجه عام، هناك فجوة واسعة تفصل بين الأغنياء والفقراء، وبينهما طبقة صغيرة مهددة.

وأيا كانت المقاييس، فهناك فئة قليلة تستأثر بملكية الأراضي والعقارات والثروات والجاه والنفوذ، وقد يضاف إلى ذلك السلطة والمكانة، بينما تعاني الغالبية الفقر بدرجات متفاوتة 104.

مع فشل مشروعات التنمية وتعثر تحديث الدولة العربية، وتفاقم المشكلة الاقتصادية وإخفاق خطط الخصخصة وإعادة التكيف، وتواضع نتائجها، واقتران التحول إلى الانفتاح واقتصاد السوق بظواهر مرضية منها: الرشوة والمحسوبية والزبونية والمضاربة والاختلاس، وإهدار الأموال العامة، فقد بدا النظام السياسي وكأنه "إقطاعيات ومراكز نفوذ موزعة بين الأقرباء والحاشية والزبائن الذين يستعملهم الحاكم في إستراتيجية عامة هدفها المحافظة على السلطة والامتيازات المرتبطة بها" 105.

إن حقائق الواقع ومؤشراته المؤسفة ساطعة سطوع الشمس. وتقول هذه الحقائق إن العمالة العربية قدرت في بداية عام 2002 بحوالي 100 مليون عامل، منهم 20 مليون عامل عاطل عن العمل، أي بنسبة 20% من مجموع القوة العاملة العربية، معظمهم فى البلدان غير النفطية، وكما يقول عادل الصوراني فإن ذلك يعني تزايد مساحة (مساحات) الفقر وانتشاره بحيث يزيد مجموع الفقراء ومن هم دون خط الفقر (أقل من دولار واحد للفرد يوميا) عن 90 مليون نسمة معظمهم في مصر والأردن والمغرب والسودان وسوريا وفلسطين واليمن 106.

ولمزيد من التوضيح فقد يفيدنا الاستعانة ببعض المؤشرات، فمثلا على صعيد الأداء الاقتصادي في البلدان العربية فإن معدل نمو متوسط دخل الفرد الممكن في الدول العربيـة يتراوح بين 2.6 و3.2% (في التسعينيات)، بينما يصل في آسيا والباسفيك إلى 5% 107.

أما عن معدلات البطالة، فقد قفزت بشكل ملحوظ لتصل إلى 13.4% كمتوسط خلال عقد التسعينيات، وتقول المؤشرات إن هذا المعدل يرتفع إلى 25% إذا تم استبعاد دول مجلس التعاون الخليجي. كذلك تشير المؤشرات إلى أن مستوى الفقر، في بلدان مثل مصر والأردن، ازداد في السنوات الأخيرة، وإن تراجع مستوى العدالة في توزيع الدخول لعب دورا أساسيا في زيادة مستويات الفقر 108.

وفي موضوعنا الراهن: ماذا يعنى الفقر بالنسبة لقضية الاستبداد؟

إن الفقر يعني التهميش والحرمان من التمثيل السياسي وعدم القدرة على تفويض الآخرين للتعبير عن المصالح، وبوجه عام الخروج من دائرة النظام السياسي 109.

وليس من قبيل المبالغة القول بأن جماعات الفقراء المتزايدين في المجتمعات العربية تعيش مغيبة الوعي، تقوم أو تنخرط في أنشطة تقليدية وهامشية خارج نطاق العمل الاجتماعي المنتج. وهؤلاء يفرض عليهم نوع من "الحجر" عن المشاركة السياسية نتيجة تركز السلطة.

ويتبين حجم المشكلة عندما نعرف أن الفقراء العرب تصل نسبتهم، وفقا لتقرير حال الأمة لعام 1999، إلى ثلث السكان 110.

فعندما يذكر مثلا على الكنز وعبد الناصر جابي أن 14 مليون جزائري في حاجة إلى مساعدة اجتماعية، وأن 4.5 ملايين دون أدنى دخل، فإن لذلك دلالة عميقة بالنسبة لـ "مجتمع التهميش" الذي تتسع دائرته بفعل عنصر البطالة (خريجي الجامعات)، هذا المجتمع المهمش يتكون من فئات بعيدة عن العملية الانتخابية 111.

وعموماً فإن الفئات المهمشة تتسم بالضعف بالمقارنة بالفئات الاجتماعية الأخرى، وافتقادها للقدرة على التفاعل على قدم المساواة، وهي تضطر لذلك لقبول أوضاع غير متكافئة، وتخضع وتمتثل للقوة المسيطرة حتى مع الحرمان من حقوقها.

وفي هذا الإطار ينقل إسماعيل قيرة قولا لأحد هؤلاء الفقراء المهمشين جاء فيها "نحن ضحايا الحقرة واللامساواة وما تحول بعضنا إلى إرهابيين إلا تعبيراً عن هذا الوضع المتسم بالتردي في كل شيء، وانغلاق جميع السبل أمامنا. ماذا عسانا أن نفعل؟ قل لي، صبرنا كثيراً من أجل أسرنا وبلادنا لكن لن نصبر أكثر على من يتحمل مسؤولية فقرنا وإذلالنا" 112.

ويشير قيرة إلى أن عدد المهمشين يزداد طالما ظلت ظروف التحكم والاستغلال كما هي "وطالما ظلت ظروف تنشئة المجتمع لأفراده قائمة على عبادة النظم" 113.

ويلاحظ عزت حجازي في دراسته عن "الفقر في مصر" أن نمو اتجاهات السلبية واللامبالاة لدى المواطنين تجاه الشأن العام تعود إلى تهميش قطاعات كبيرة من المجتمع، وحرمانهم من فرص المشاركة في وضع السياسة العامة واتخاذ القرارات ومتابعة تنفيذها 114.

ويتعمق حجازي في تحليل العلاقة بين الدولة والطبقات الاجتماعية، ويستخلص في دراسته نتائج محددة حول تطور الأوضاع في مصر في المراحل التاريخية المختلفة وصولا إلى التاريخ الحديث والمعاصر. ولعل أهم ما توصل إليه من نتائج أن الدولة (في مصر) لم تغب أبداً عن "حلبة الصراع على الثروة"، وأن نشاط الدولة في هذا الشأن اتجه إلى "الاستغلال أو "الاستنزاف" سواء لمصلحتها أو بالوكالة عن طبقات بالذات، وأن الدولة تتوصل لتحقيق أهدافها لإقرار التوزيع غير العادل للثروة بطرق غير اقتصادية (تزييف الوعي للتسليم بالفقر قضاء وقدر (الإعلام) أو عن طريق التشريع والإطار القانوني، وصولا إلى أساليب القهر والقمع من خلال الجهاز القضائي المنحاز للدولة، والجهاز البوليسي 115.

هذا الخلل في هيكل القوة، تكون من أهم نتائجه أن يظل الفقراء مهمشين صامتين لا يشاركون في أي إستراتيجية تنموية "وطالما ظل المهمشون (مفعولا به) في هيكل القوة المختل فلن يجدي كثيرا الحديث عن التمكين أو الأحقية" 116.

ويرى عمار علي حسن أنه لا يكاد يمر يوم على مصر إلا ويزيد حجم المهمشين تحت وطأة التفاوت الطبقي، لنرى فئات كانت ميسورة أو يجري تصنيفها ضمن الطبقة الوسطى، تتهاوى للقاع وتقترب من خط الفقر 117.

وتلاحظ أماني مسعود الحديني في دراستها عن "المهمشين والسياسة فى مصر" والتي طبقت على عدة مناطق منها "عرب الحصن" و "المنيرة"، أن الثقافة السياسية لدى سكان هذه المناطق هي ثقافة (لقمة العيش)، فهم لا يهتمون بالموضوعات السياسية أو الاقتصادية، ويركزون على ما يمس حياتهم مباشرة، ولوحظ انخفاض وعيهم السياسي والخلط بين الحزب والنقابة والمجالس المحلية. وتركز أماني مسعود على أن مشاعر الضعف (والإفقار من قبل الدولة) خلقت أزمة ثقة بين الناس والحكومة وهو ما يجعلهم يتشككون دائماً في نزاهة الانتخابات وجدوى التصويت، هذا بالإضافة إلى مشاعر الاغتراب الاجتماعي السائد بينهم 118.

في دول اليسر


تقارير دولية تستخلص أن "وضع حقوق الإنسان فى دول مجلس التعاون غير مقبول على كل المستويات ولا يصل إلى مستوى الحد الأدنى عالمياً"، فهى غير ديمقراطية ولا تحترم حقوق الإنسان ولا تسمح بالحريات السياسية

فى هذا الإطار، يطرح عبد الخالق عبد الله مقولة لها ألف مغزى، إذ يقول "ليس هناك أي سبب يدعو دول مجلس التعاون الخليجي لكي لا تتمتع بقدر أكبر من الديمقراطية والشفافية كبقية دول العالم".

ويعود سبب هذه المقولة، وفقا لعبد الله، إلى أن المؤشرات العلمية أثبتت أن سكان منطقة مجلس التعاون "بحاجة ماسة إلى جرعة كبيرة من الحرية والديمقراطية والشفافية في حياتها السياسية" بعد أن حققت نجاحات في مجالات الرعاية الصحية والتعليم والرفاهية الاجتماعية، فهي مع ذلك تفتقر إلى وجود الأحزاب السياسية، والنقابات العمالية والمهنية (تغيب المنظمات المهنية في عمان وقطر والسعودية، وفي الكويت بها 16 منظمة تليها البحرين والإمارات حيث توجد عشر جمعيات مهنية في كل منها). ويشير عبد الخالق عبد الله إلى تقارير دولية تستخلص أن "وضع حقوق الإنسان في دول مجلس التعاون غير مقبول على كل المستويات ولا يصل إلى مستوى الحد الأدنى عالمياً"، فهي غير ديمقراطية ولا تحترم حقوق الإنسان ولا تسمح بالحريات السياسية 119.

والحقيقة أن المقولة التي طرحها عبد الخالق عبد الله يفسرها ويجيب عليها علي خليفة الكواري حينما يتناول العقبات والعوامل المعيقة للتحول الديمقراطي في دول الخليج، إذ يشير إلى "ضخامة مصالح الأسر الحاكمة وما يعود عليها من المال العام كرواتب ومخصصات وعطايا وخدمات وما يتمتع به بعض أفرادها من قدرة على استملاك الأراضي الشاسعة" 120.

وفي هذا الإطار يهتم الكواري بمفهوم النخبة "المستفيدة" بالمعنى الواسع وهي تشمل كذلك الوزراء وكبار الموظفين والممارسين لأعمال السمسرة، ومن يتولون عضوية مجالس إدارة الشركات الكبرى، فيما يوضح العلاقة بين السلطة والثروة وتحقيق المصالح الشخصية حتى ولو كانت على حساب المصلحة العامة، والمشروعية القانونية.

إذا أضفنا إلى ما تقدم نوعية البنية الاجتماعية في دول الخليج، وظواهر الخلل السكاني المتفاقمة، لتبين لنا أبرز ملامح "النسق الريعي– السلطوي" في المنطقة. وفي هذا السياق يتبين أن نسبة قوة العمل المواطنة عام 1997 انخفضت عما كانت عليه عام 1981 (السعودية من 57.1 إلى 35%، عمان من 46 إلى 35%، البحرين من 56 إلى 38%، الكويت من 21 إلى 17%، قطر من 15 إلى 10%، في الإمارات من 13.9 إلى 9.5%) 121.

إن الأمر المؤكد، في منطقة الخليج أن هناك علاقة وثيقة بين صيغة الحكم الاستبدادي، وضعف البنية الاجتماعية، والخلل السكاني بين مواطنين ووافدين وهو ما يحد من قدرة المجتمع على حشد وتفعيل طاقته في العمل العام. ويعبر الكواري عن هذا المعنى بقوله "لا يشكل المواطنون فى أغلب دول المنطقة، ولاسيما الصغيرة منها، كل المجتمع أو أغلبيته. وفي الوقت نفسه لا يشكل كل السكان مجتمعا ترتبط مصائر أفراده وجماعاته ببعضها أكثر مما ترتبط بأي مجتمع خارج حدوده" 122.

إذا اعتبرنا أن الدول الخليجية النفطية هي تجسيد مباشر وواضح لفكرة الدولة الريعية، المعتمدة أساساً في اقتصادها على تصدير النفط، فإن شواهد الواقع تؤكد أن هذه الدولة التي وضعت تحت تصرفها معظم مصادر الثروة الوطنية أصبحت وظيفتها الأساسية "توزيع المزايا والمنافع على أفراد المجتمع" أي أن الدولة تقوم بمثابة مؤسسة لتوزيع المنافع.

ويمكن القول بكثير من الثقة إن أهم النتائج السلبية التي ترتبت على هذا الواقع هي ظهور فكرة المواطنة المرتبطة بعناصر الثروة ومصادر الكسب الاقتصادي وهو ما يبرر –في بعض الأحيان- سياسة عدم التوسع في منح الجنسية والتمييز بين فئات المواطنين (بين المواطن الأصلي والمتجنس) 123.

وفي هذا السياق يتم تعزيز المواطنة بالثروة على حساب المواطنة بالقانون. ولأن الثروة منحة من الحاكم فإنه لا يقابلها مطالبة بالحقوق أو المشاركة السياسية أو مقاومة المغالاة في السلطوية 124.

ولا أدل على تصوير هذا الواقع من كلمات عبد الله جناحي والتى تشير إلى "العقلية الريعية"، فالراعى "يعمل على تدبير الطعام لقطيعة بينما قطيعة نائم لا ينتج" والراعي يسهر على حماية الرعية ولا يغفل عنها، حتى إذا اقتضى الأمر استخدام القوة ضدها لحمايتها. 125 وهذه الصورة لا تنطبق فقط على منطقة الخليج، بل نجد تطبيقات لها في الواقع العربي بوجه عام.

وطالما أن هناك من يقرر للناس كل ما يتعلق بشؤون حياتهم ومصيرهم ومستقبلهم، فإنه هنا لا مجال للحديث عن "خيارات الناس"، أو الحديث عن ما تتمتع به شعوب أخرى عندما تتطلع إلى "العيش حياة طويلة وصحية والحصول على المعرفة وتوافر الموارد اللازمة لمستوى معيشي لائق" 126.

بل لا مجال للحديث عن تنمية أصلا، إذ إن التنمية تتطلب، حتى تحقق إنجازات حقيقية تضيف إلى طاقة المجتمع وقدراته، استبعاد الأسباب الأهم لمصادرة الحرية، وهذه الأسباب هى الفقر والاستبداد. وهنا نقصد بالفقر غياب "الفرص الاقتصادية، والحرمان الاجتماعي وإهمال الخدمات العامة" 127.

استنتاجات ختامية

لا مبالغة بالقول إن المحصلة النهائية للاستبداد المزمن وإعادة إنتاجه هي مجتمعات تعاني الركود والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والتفاوت الخطير في توزيع الثروة الوطنية وفجوة تتسع يوميا بين الأغنياء والفقراء، وفقرا يتنامى يوما بعد يوم، ومزيدا من الجماهير المهمشة التي تفقد تدريجيا حسها الوطني والسياسي. وفي إطار ذلك كله، فإن السمة الوحيدة الباقية للمجتمع هي أنه مجتمع يفقد تدريجيا السيطرة على شروط بقائه واستمراره 128.

فإذا ما وسعنا مجال النظر إلى ظاهرة "التهميش" في حد ذاتها بما تعنيه من احتكار السلطة والانفراد بعملية اتخاذ القرار، واستبعاد باقي فئات المجتمع من دائرة المشاركة، ومصادرة حقوق الإنسان فإن المحصلة العامة تتمثل في إصابة الفعل السياسي بالشلل والعجز والضمور وعدم مواكبة متغيرات الحياة بسبب عدم تجديد الرؤية السياسية والاجتماعية التي تحتكرها "جماعة الحكم" أيا كان سند الشرعية التي ترتكز عليها.

ومع اقتران ظاهرة التهميش الاجتماعي والسياسي ببقاء "الحاكم" على مقعد الحكم بصفة مؤبدة وليست مقيدة، وفي إطار لا يعترف بالتعددية السياسية أو يسمح بتعددية مقيدة وغير مجدية، مع انعدام فرصة تداول السلطة، فإن هذه الحالة من شأنها تنمية مشاعر "تقديس الذات وعصمتها لدى جماعات الحكم" 129 مما يفضي في التحليل النهائي إلى ضحالة الأداء السياسي والاجتماعي وانصراف الجماهير عن الاهتمام بشؤون الوطن وتفشي الاستبداد في أكثر صوره عنوة وصرامة.

إن الأنظمة السياسية والاجتماعية في الواقع العربي تأخذ المظهر الحداثي، مع أنها تنطوي على كل ما يتناقض مع حرية المواطن. وفي هذا الإطار تستمر المنظومة السلطوية موزعة بين النظم الحاكمة والاستخدام المشوه للدين بالإضافة إلى الذراع الإعلامي. فالنظم تصادر الحرية أو تحجر عليها بذريعة الأمن والاستقرار وحفظ النظام العام والحقيقة أنها تعني استمرار الأمر الواقع. والحريات الدينية المتطرفة تصادر الحرية تحت دعاوى التكفير وتهمة الضلال..

وإذا ما أضيف إلى ذلك علاقات الارتباط أو التحالف بين نخب الحكم والهياكل التقليدية (طائفية– عشائرية) لوجدنا أن أرضية التسلط تستمر فى إنتاج ذاتها، مما يفضى إلى إضاعة كل فرص التغيير الإيجابي واختناق روح الاستنارة والنهضة والإصلاح والتحديث.

وإذا كانت هناك، في نهاية المطاف، فسحة من الأمل يتعين التمسك بها، مهما كان الأمر، فلن تكون إلا من خلال من تتوفر لديهم إرادة دفع الثمن.. أعني ثمن الحرية.
_______________
باحثة متخصصة في الدراسات الديمقراطية

الهوامش
1- أنظر المعالجة التي قدمها شوقي جلال بعنوان "عن الحرية الفردية والتنوير" في: شوقي جلال، العقل الأميركي يفكر، (القاهرة: مكتبة مدبولي، 2000)، ص 21.
2- المصدر نفسه، ص 25.
3- حول بعض الآراء في هذا الموضوع أنظر:
Gjassane Salamé, ed., the foundations of the Arab St ates (London: Croom Helm, 1987).
4- خلدون حسن النقيب "الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر.. دراسة بنائية مقارنة" (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1991) ص 23-24.
5- المصدر نفسه، ص 28.
6- كرين برينتون، تشكيل العقل الحديث، ترجمة شوقي جلال، مراجعة صدقي خطاب، سلسة عالم المعرفة، رقم 82 (أكتوبر/1984)، ص 171.
7- Ahmed Zaki Badawi, A Dictionary of the social sciences: English – French – Arabic with an Arabic – English Glossary and a French – English Glossary (Beirut: Librairie du Liban, 1978).
8- نجاح محمد، "العقل العربي والقمع"، المعرفة (سوريا)، السنة 33، العدد 366 (مارس 1974)، ص 46-50.
9- خلدون النقيب، المصدر نفسه، ص 21.
10- من المراجع الأخرى التي تتحدث عن أشكال الحكم بصورة شاملة انظر:
Juan Linz, “Totalitarian and Authoritarian Regimes” Hand book of political since, eds. Fred 1.3 Greenstein and Nelson W. pols by (Reading Mass: Addision Wesley, 1975).
11- حسن حنفي، "قراءة جديدة للكواكبي في: طبائع الاستبداد ومصارع العباد"، وجهات نظر، العدد 37، (فبراير 2002)، ص 30.
12- عمار علي حسن، وزارة العدل (القاهرة: مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، سلسلة الوزارات المصرية، 2003)، ص 13-14.
13- المصدر نفسه، ص 24.
14- سعد الدين إبراهيم، "المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في الوطن العربي"، كتاب الديمقراطية (القاهرة: مركز دراسات التنمية السياسية والدولية، ديسمبر 1991) ص 9.
15- إيليا حريق، "التراث العربي والديمقراطية: الذهنيات والمسالك"، المستقبل العربي، السنة 22، العدد 251 (يناير 2000)، ص 7.
16- المصدر نفسه.
17- المصدر نفسه، ص 8.
18- علي أسعد وطفة، "بنية السلطة وإشكالية التسلط التربوي في الوطن العربي" (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1999)، ص 23.
19- المصدر نفسه، ص 24.
20- المصدر نفسه.
21- نور فرحات، "البحث عن العدل (السلطة والقانون والحرية)"، (القاهرة: مجلة سطور، 2000)، ص 66-67.
22- حليم بركات، "المجتمع العربي في القرن العشرين.. بحث في تغير الأحوال والعلاقات" (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000)، ص 628-629.
23- إيليا حريق، المصدر نفسه، ص 17.
24- محمد عابد الجابري، "العقل السياسي العربي، محدداته وتجلياته، نقد العقل العربي" (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1990)، ص 356.
25- حليم بركات، "المجتمع العربي في القرن العشرين.. بحث في تغير الأحوال والعلاقات"، ص 19-20.
26- المصدر نفسه، ص 19.
27- المصدر نفسه، ص 18.
28- خلدون حسن النقيب، "الدولة التسلطية في المشرق العربي"، ص 188.
29- المصدر نفسه، ص 202.
30- أماني قنديل، "الجمعيات الأهلية والمجتمع المدني في العالم العربي"، كتاب الديمقراطية، العدد الثاني (فبراير 1992)، ص 52.
31- المصدر نفسه.
32- Max Weber, the theory of Social and Economic Organization, translated by A,M, Henderson and Talcott Parsons (New York: Free Press, 1964).
33- علي خليفة الكواري (محرر)، "المواطنة والديمقراطية في البلدان العربية" (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية– مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية، 2001).
34- عبد الإله بلقزيز، "نحن والنظام الديمقراطي"، المستقبل العربي، السنة 21، العدد 236 (أكتوبر 1998)، ص 79.
35- في العلاقة بين الديمقراطية والتحولات الاقتصادية انظر:
Georg Sorensen, Democracy and Democratization: Processes and Prospects in Changing World (U.S.A: West View Press, Ist published, 1993).
36- برهان غليون، "نهاية عصر التصحيح والإصلاح العربي"، الاتحاد الإماراتية، 17/12/2003، ص 24.
37- جمال عبد الجواد (وآخرون)، "التحول الديمقراطي المتعثر في مصر وتونس" (القاهرة: مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، 1998)، ص 35.
38- علي خليفة الكواري (معد ومحرر)، "الخليج العربي والديمقراطية نحو رؤية مستقبلية لتعزيز المساعي الديمقراطية" (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002)، ص 22.
39- خلدون حسن النقيب، "محنة الدستور في الوطن العربي: العلمانية والأصولية وأزمة الحرية"، المستقبل العربي، السنة 17، العدد 184 (يونيو 1994)، ص 36.
40- المصدر نفسه.
41- فاتح سميح عزام، "الحقوق المدنية والسياسية في الدساتير العربية"، المستقبل العربي، السنة 24، العدد 277 (مارس 2002)، ص 22-23.
42- المصر نفسه، ص 25. وانظر تفاصيل أخرى في الجانب الدستوري في:
Khaldoun H. Al-Naqeeb, “Constitutional Crisis as an Indicator of Political Conflicting in Kuwait, 1963-1986,” (Boston, U.S.A., 1986).
43- نادر فرجاني، "الحكم لصالح: رفعة العرب في صلاح الحكم في البلدان العربية"، المستقبل، السنة 23، العدد 256 (يونيو 2000)، ص 14-15،
United Nations Development Programme [UNDP], Human Development Report, 1990 (New York: Oxford University Press, 1990),
انظر كذلك:
Behind Closed Doors, Torture and Detention in Egypt, A Middle East Watch Report, 1992).
44- غازي الصوراني، "العولمة وطبيعة الأزمات في الوطن العربي.. وآفاق المستقبل"، المستقبل، السنة 26، العدد 293 (يوليو 2003)، ص 111.
45- عمار علي حسني، "التكافؤ الاقتصادي والديمقراطية، كراسات إستراتيجية"، السنة 14، العدد 135 (يناير 2004)، ص 18.
46- الصوراني، ص 111-115.
47- المصدر نفسه، ص 101.
48- الطاهر لبيب، "علاقة المشروع الديمقراطي بالمجتمع المدني العربي"، في: المسألة الديمقراطية في الوطن العربي، سلسلة كتب المستقبل العربي (19)، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000)، ص 226.
49- Ralph, Miliband, the State in Capitalist Society (London: Weidenfeld and Nicolson, 1969), PP. 49-55.
50- عماد فوزي شعيبى، "نقد أسطورة الديمقراطية من دولة الإكراه إلى دولة الديمقراطية"، عالم الفكر، العدد 3، المجلد 30 (يناير/مارس 2002)، ص 205.
51- المصدر نفسه
52- برهان غليون، "بناء المجتمع المدني: دور العوامل الداخلية والخارجية" في المجتمع المدني في الوطن العربي ودوره في تحقيق الديمقراطية، بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1992)، ص 752.
53- محمود المراغي، "خرج ولم يعد.. حكاية المليارات الهاربة"، وجهات نظر، العدد 45 (أكتوبر 2002)، ص 20.
54- نزيه نصيف الأيوبي، "الدولة المركزية في مصر"، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1989)، ص 202.
55- علي عوض، "القيود التي فرضها القانون (100) على النقابات المهنية"، الأهرام، 21/11/2003، ص 13.
56- نادر فرجاني، "الحكم الصالح، رفعة العرب في صلاح الحكم في البلدان العربيـة"، المستقبل، السنة 23، العـدد 256 (يونيـو 2000)، ص 11.
57- Michael Hudson: “The Democratization Process in the Arab World: An Assessment,” and after the Gulf War: Prospects for Democratization in the Arab World,” Middle East Journal, Vol. 45, no.3 (Summer 1991).
58- غسان سلامة، "أين هم الديمقراطيون؟، ديمقراطية من دون ديمقراطيين" (بيروت: مركز دراسات لوحدة العربية، 1995، ص 23-24 مما يذكر أن الرأي العام في مصر انشغل في ديسمبر/كانون الأول 2003 بقضية أحد المواطنين في محافظة الشرقية اعتقلته أجهزة الشرطة لأنه كتب على أحد الحوائط عبارة "لا لتوريث الحكم". وقد أصر المواطن على رأيه وطالب بعدم اعتباره مجنونا. وبعد عدة أيام نشرت الصحف أن الرئيس مبارك تدخل وتم الإفراج عن المواطن. انظر التفاصيل في: الوفد، 6 ديسمبر 2003، ص 3.
59- راسم محمد الجمال، "الاتصال والإعلام في الوطن العربي" (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1991)، ص 70-71.
60- حليم بركات، "المجتمع العربي في القرن العشرين"، ص 35.
61- علي خليفة الكواري (محـرر)، "الديمقراطية والأحزاب في البلدان العربية" (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1999)، ص 63-64. ويحضرنا فى هذا السياق حادث له مغزاه، ففي انتخابات رئاسة الجمهورية في تونس عام 1994، رشح المفكر التونسي المنصف المرزوقي نفسه في الانتخابات كمنافس للمرشح الوحيد للتجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم دون انقطاع منذ حصول تونس على استقلالها عام 1956. وبمجرد أن انتهت الانتخابات ألقى الرئيس بن علي القبض على المرزوقي لأنه تجاسر وارتكب هذا الفعل الذي لا يغتفر في بلد يحقق في انتخاباته أغلبية تصل إلى 99.12% من الأصوات. انظر: مصطفى كامل السيد، "الليبرالية الجديدة ومفهوم العدالة" في: نازلى معوض أحمد (محرر)، الليبرالية الجديدة، (القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية بجامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2000)، ص 97.
62- محمود عبد الفضيل، "الفساد وتداعياته في الوطن العربى"، المستقبل العربي، السنة 22، العدد 243 (مايو 1999)، ص 5-7.
63- المرسي السيد حجازي، "التكاليف الاجتماعية للفساد"، المستقبل العربي، السنة 23، العدد 266 (أبريل 2001)، ص 29.
64- عمار علي حسن، "التكافؤ الاقتصادي والديمقراطية"، المصدر نفسه، ص 24.
65- محمد السيد سعيد، "حقوق الإنسان ومشكلة الحداثة والتحديث في مصر.. نظرة عامة لمسار حقوق الإنسان"، في: "حقوق الإنسان في مصر" (القاهرة: مركز الدراسات والمعلومات القانونية لحقوق الإنسان، 1993)، ص 124.
66- المصدر نفسه، ص 134.
67- وحيد عبد المجيد، "أزمة الحكم والمعارضة في نظام تعددي مقيد.. حالة مصر" في: نازلى معوض أحمد (محرر)، "الليبرالية الجديدة"، أعمال الندوة المصرية – الفرنسية السادسة 18-20 مايو 1995 (القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية بكلية الاقتصاد، جامعة القاهرة، 2000)، ص 297.
68- المصدر نفسه، ص 300.
69- في هذا الموضوع حول "الدولة" انظر:
Michael Williams, “Liberalism and two Conceptions of the State,” in: Douglas Maclean and Claudia Mills, eds., Liberalism Reconsidered (New Jersey: Rowman and Allanheld Publishers, 1983).
70- نادر فرجاني، "الحكم الصالح: رفعة العرب في صلاح الحكم في البلدان العربية"، المستقبل العربى، السنة 23، العدد 256 (يونيو 2000)، ص 8.
71- محمد جابر الأنصاري، "الدولة القطرية: هل يمكن بناء ديمقراطية راسخة قبل ترسيخ دولة مكتملة النمو تحتمل تعدياتها؟"، المستقبل العربي، السنة 16، العدد 175 (سبتمبر 1993)، ص 79-80.
72- حليم بركات، "المجتمع العربي في القرن العشرين"، ص 487.
73- غسان سلامة، "أين هم الديمقراطيون، في ديمقراطية من دون ديمقراطيين"، ص 11.
74- المصدر نفسه، ص 13.
75- محمد عابد الجابري، "الخطاب العربى المعاصر.. دراسة تحليلية نقدية" (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الرابعة، 1992)، ص 102.
76- المصدر نفسه.
77- نقلا من: عاطف العقلة عضيبات، "الدين والتغير الاجتماعي في المجتمع العربي الإسلامي: دراسة سوسيولوجية في الدين في المجتمع العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1990)، ص 144.
78- الطاهر لبيب، "علاقة المشروع الديمقراطي بالمجتمع المدني العربي"، في: المسألة الديمقراطية في الوطن العربي، سلسلة كتب المستقبل العربي (19)، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000)، ص 204.
79- حسن حنفي، "طبائع الاستبداد ومصارع الاستبعاد، قراءة جديدة للكواكبي"، ص 26.
80- هالة مصطفى، "الدولة والحركات الإسلامية المعارضة بين المهادنة والمواجهة في عهدي السادات ومبارك" (القاهرة: كتاب المحروسة، 1996)، ص 152.
81- إيليا حريق، "التراث العربي والديمقراطية: الذهنيات والمسالك"، ص 14-15.
82- حليم بركات، "المجتمع العربي في القرن العشرين"، ص 491.
83- صادق جلال العظم، "نقد الفكر الديني" (بيروت: دار الطليعة، 1969)، ص 45-46.
84- فؤاد عبد السلام الفارسي، "الأصالة والمعاصرة.. المعادلة السعودية" (جدة: شركة المدينة المنورة للطباعة والنشر، بدون تاريخ)، ص 460، وقد عين الفارسي وزيراً للإعلام في السعودية عام 1995.
85- المملكة العربية السعودية في المحيط الدولي، كتاب وزارة الإعلام، 2002.
86- انظر مناقشات:
Gustave Edmund Von Grunebaum, Islam: Essays in the Nature and Growth of a Cultural Tradition (New York: Barnes and Noble, 1991).
87- أحمد كمال أبو المجد، "حول الخطاب الديني المعاصر"، وجهات نظر، العدد 38 (مارس 2002)، ص 5.
88- نصر حامد أبو زيد، "نقد الخطاب الديني" (القاهرة: مكتبة مدبولى، 1995)، ص 116.
89- حسن حنفي، ص 26.
90- عاطف العقلة عضيبات، "الدين والتغير الاجتماعي في المجتمع العربي الإسلامي: دراسة سوسيولوجية"، ص 147-148. ونذكر أنه كانت هناك فتوى من الأزهر عام 1961 باتفاق القوانين الاشتراكية مع مبادئ الإسلام.
91- أحمد كمال أبو المجد، ص 7.
92- خديجة صفوت "البعد الإيكولوجى للأيديولوجيا، في الدين في المجتمع العربي"، ص 272.
93- غسان سلامة، "ديمقراطية من دون ديمقراطيين"، ص 12.
94- وليد نويهض، "الإسلاميون والدولة والمسألة الديمقراطية" في: علي خليفة الكواري (محرر)، "الحركات الإسلامية والديمقراطية.. المواقف والمخاوف المتبادلة" (الكويت: دار قرطاس للنشر، 2000)، ص 46.
95- المصدر نفسه، ص 49.
96- Aziz Al-Azmeh: “Islam as a political Category,” paper presented at: the XVtg World IPSA Congress, 1991 (draft, mimeo); “Islamic Revivalism and western ideologies,” and “the Discourse of Cultural Authenticity: Islamic Revivalism and Enlightenment Universalism.
* بخصوص الموقف من حرية التعبير نشير إلى قضية شغلت الرأى العام في مصر وكانت لها أصداء في الخارج وهي قضية دكتور نصر حامد أبو زيد، حيث قضت محكمة استئناف القاهرة بالتفريق بين هذا الأستاذ الجامعي وزوجته لما ثبت في مدونات حكمها من ردة الزوج. وأيدت محكمة النقض ذلك في 5/8/1996. ويقول محمد سليم العوا، إنه كان من الأجدى للرد على مؤلفات وآراء نصر أبو زيد أن يتم عقد مجلس علمي محترم لمناقشة حججه وأدلته بدلا من نقل الموضوع إلى دائرة القضاء. ويشير العوا إلى أن الجدل الذي أثير حول القضية تضمن أن حكم المحكمة جاء تهديدا لحرية الفكر والاعتقاد في مصر مما يسيء إلى سمعتها والتزاماتها الدولية. كذلك ينقل العوا عن مصادر عديدة أكدت أن حكم المحكمة– بالتفريق بين أبو زيد وزوجته بعد محاكمته على آرائه ومعتقداته- جاء بمثابة إعلان للدولة الدينية في مصر. انظر: محمد سليم العوا، "الحق في التعبير" (القاهرة: دار الشروق، 1998)، ص 7-11.
97- وليد نويهض، "الإسلاميون والدولة والمسألة الديمقراطية"، ص 48.
98- غسان سلامة، "في ديمقراطية من دون ديمقراطيين"، ص 18-19.
99- انظر مقال: أحمد راسم النفيس في: القاهرة، 23/3/2004.
100- نصر حامد أبو زيد، "نقد الخطاب الديني"، ص 117.
101- بومدين بوزيد، "الفكر العربي المعاصر وإشكالية الحداثة"، في: قضايا التنوير والنهضة في الفكر العربي المعاصر (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، سلسلة كتب المستقبل العربي (18)، 1999)، ص 26.
102- مستقاة من: حسن حنفي، قراءة جديدة للكواكبي، ص 27.
103- المصدر نفسه.
104- حليم بركات، "المجتمع العربي في القرن العشرين"، ص 299.
105- العياشي عنصر، "سوسيولوجيا الأزمة الراهنة في الجزائر"، المستقبل العربي، السنة 17، العدد 191 (يناير/كانون الثاني 1995)، ص 86.
106- غازى الصوراني، "العولمة وطبيعة الأزمات في الوطن العربي.. وآفاق المستقبل"، المستقبل العربي، السنة 26، العدد 293 (يوليو 2003)، ص 111.
107- Economic Research forum for the Arab Countries, Iran and Turkey [ERF], Economic Trends in the MENA Region, 2002 (Cairo: ERF, 2002).
108- H. Adams and J. Page, “Holding the Line: Poverty Reduction in the Middle East and North Africa, 1970-2000,” Paper Presented at: the 8th Annual Conference of the Economic Research Forum for the Arab Coutries, Iran and Turkey, Cairo, 14-16 January 2002.
109- اعتبر (هانتجتون) أن الفقر عقبة أمام التطور الديمقراطي، وأن العقبات التي تعوق التنمية هي عقبات أمام التحول الديمقراطي، انظر:
Samuel Huntington, the third wave of Democratization in the twentieth Century, (U.S.A: University of Oklahoma Press 1st published, 1991).
110- تقرير حال الأمة لعام 1999 في: المستقبل العربي، السنة 23، العدد 255 (مايو 2000)، ص 166.
111- علي الكنز، عبد الناصر جابي، "الجزائر.. البحث عن كتلة اجتماعية جديدة" في: علي الكنز (وآخرون)، المجتمع والدولة في الوطن العربى (القاهرة: داكار، مكتبة مدبولي، 1998)، ص 52-53.
112- إسماعيل قيرة، "مجتمع التهميش.. إلى أين؟ مهمشو المدينة العربية نموذجا"، المستقبل العربي، السنة 25، العدد 290 (أبريل 2003)، ص 63.
113- المصدر نفسه، ص 73.
114- عزت حجازي، الفقر في مصر (القاهرة: المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، 1996)، ص 171.
115- المصدر نفسه، ص 117-119، ومن المراجع التي تناولت تفصيلات تاريخية مهمة انظر:
Anouar Abdel Malek, Egypt: Military Society, the army Regime, the left, and Social change under Nasser, translated by Charles Lam Markmann (New York: Random House, 1968).
116- أماني مسعود الحديني، "المهمشون والسياسة في مصر" (القاهرة: مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، 1999)، ص 261.
117- عمار علي حسن، "التكافؤ الاقتصادي والديمقراطية، كراسات إستراتيجية"، السنة 14، العدد 135، يناير/كانون الثاني 2004، ص 21.
118- المصدر نفسه، ص 221.
119- عبد الخالق عبد الله، "البعد السياسي للتنمية البشرية: حالة دول مجلس التعاون الخليجي"، السنة 25، العدد 290 (أبريل 2003)، ص 95، 117 ، 121.
120- علي خليفة الكواري (معد ومحرر)، الخليج العربي والديمقراطية.. نحو رؤية مستقبلية لتعزيز المساعي الديمقراطية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002)، ص 97.
121- المصدر نفسه، ص 69.
122- المصدر نفسه، ص 70.
123- عبد الله جناحي، "العقلية الريعية وتعارضها مع مقومات الدولة الديمقراطية"، المستقبل العربي، السنة 25، العدد 288 (فبراير 2003)، ص 56.
124- المصدر نفسه، ص 66.
125- المصدر نفسه، ص 67 وللتوسع انظر:
Giacomo Luciani, “Allocation vs. Production States: A theoretical framework” in: Hazem Beblawi and Giacomo Luciani, eds., the Retier State (London” Croom Helm, 1987).
126- يتم تعريف مفهوم "التنمية الإنسانية" الذى تبناه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي منذ عام 1990 بأنه "عملية توسيع خيارات البشر" وذلك استنادا إلى فكرة محورية هى "أن البشر هم الثروة الحقيقية للأمم"، انظر: نادر فرجاني، "التنمية الإنسانية" "المفهوم والقياس"، المستقبل العربي، السنة 25، العدد 283 (سبتمبر 2002)، ص 67-68.
127- المصدر نفسه، ص 70.
128- برهان غليون، "أزمة الديمقراطية وحقوق الإنسان في الوطن العربي"، في: "الديمقراطية والتربية في الوطن العربي" (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2001)، ص 129.
129- محمد نور فرحات، "البحث عن العدل (السلطة والقانون والحرية)"، (القاهرة: مجلة سطور، 2000)، ص 39.

المصدر : أسوشيتد برس