وليد الزبيدي

عندما قرر بول بريمر الحاكم المدني السابق في العراق قبل أربعة أشهر إغلاق صحيفة (الحوزة) التابعة للمرجع الديني السيد مقتدى الصدر، نشبت مواجهة مسلحة بين القوات الأميركية وأتباع الصدر من جيش المهدي.

وعندما قرر رئيس الحكومة المؤقت د.إياد علاوي قبل شهر فقط إعادة صدور (الحوزة)، التي أغلقها بريمر، بدأت مواجهة مسلحة لكن هذه المرة، بين الحرس الوطني والشرطة العراقية تساندها القوات الأميركية، وبين عناصر جيش المهدي، وذلك بعد أن هاجم السيد مقتدى الصدر رئيس الوزراء علاوي بقوة، رافضاً عودة صحيفة (الحوزة).

فهل كانت صحيفة (الحوزة) بين إغلاقها، وقرار عودتها إلى الصدور، هي السبب الرئيسي، الذي يقف وراء المواجهات المسلحة في الأشهر السابقة بين قوات الاحتلال وعناصر جيش المهدي، وبين هذا الجيش والحكومة المؤقتة إضافة إلى قوات المارينز، أم أن أسباباً أخرى تقف وراء هذا التصعيد في الموقف.

موقف الصدر من الاحتلال
لا شك أن موقف السيد مقتدى الصدر الذي عارض من خلاله الاحتلال الأميركي للعراق، اعكس على موقف إدارة الاحتلال في العراق، ولم يرق هذا الموقف للسفير بول بريمر.

ومنذ أن أعلن السيد الصدر تأسيس جيش (المهدي) اتجهت أنظار الأميركيين صوب النجف، خشية أن يتحول هذا الجيش من المهمة التي أُسس من أجلها، وهي حماية المراقد الدينية والجوامع كما أعلن ذلك السيد الصدر، إلى قوة عسكرية تحمل السلاح ضد قوات الاحتلال. وعند ذاك تتسع رقعة المقاومة التي تستهدف القوات الأميركية إلى مناطق مختلفة من العراق، خاصة أن أتباع السيد مقتدى الصدر ينتشرون بكثافة في جميع المحافظات الجنوبية، إضافة إلى وجود ثقل كبير لهم في العاصمة بغداد.

ما زاد حساسية الأميركيين أيضاً، أن الخطاب السياسي للتيار الصدري في العراق، وقف بالضد من الخطوات السياسية التي أقدمت عليها الإدارة الأميركية في العراق، وكان السيد مقتدى الصدر يوجه انتقادات قوية لمجلس الحكم الذي عينته الولايات المتحدة في الثالث عشر من يوليو/تموز العام الماضي، ورفض الدخول في أي عملية سياسية في ظل الاحتلال.

ولا شك أن هذا التوجه يثير حفيظة الإدارة الأميركية لأن تأثير ذلك في الشارع العراقي آخذ بالازدياد مع ظهور إخفاقات كبيرة في أداء مجلس الحكم وتعرضه لانتقادات من العراقيين، ثم وصول الأمر بالإدارة الأميركية نفسها إلى توجيه الانتقاد للمجلس مع بداية شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2003، أي بعد أربعة أشهر من تأسيسه.

وما أن تم الإعلان عن قانون إدارة الدولة المؤقت منتصف فبراير/شباط الماضي، حتى أعلن تيار الصدر اعتراضه على هذا القانون، مع التأكيد على ضرورة حل الأوضاع في العراق، من خلال إجراء انتخابات حرة، واختيار برلمان عراقي يتكفل بتشكيل لجنة صياغة الدستور واختيار الحكومة ومراقبة أدائها.

الصدامات المسلحة الأولى
مع تصاعد حدة الاشتباكات السياسية التي خاضها المتحدثون الرسميون في مكتب الصدر عبر وسائل الإعلام، إلا أنها لم تصل إلى الصدامات المسلحة طوال ما يقرب من عام من الاحتلال، حتى جاء قرار إغلاق صحيفة (الحوزة) والتهديد بقتل أو اعتقال المرجع الديني السيد مقتدى الصدر من قبل القوات الأميركية، عند ذاك ظهرت عناصر جيش المهدي في النجف وكربلاء حيث توجد المراقد الدينية.

أتباع الصدر يتظاهرون في النجف تأييدا له (الفرنسية-أرشيف)

ومع بداية المواجهات التي تزامنت مع الحرب الأميركية على مدينة الفلوجة في أبريل/نيسان الماضي، فوجئ الأميركيون بانتشار كثيف لجيش المهدي في مدن عراقية كثيرة، حيث سيطر أتباع الصدر على مراكز الشرطة والدوائر الرسمية في أحياء داخل العاصمة، إضافة إلى سيطرتهم على مدينة البصرة والعمارة والناصرية والكوت.

في تلك الأثناء حذرت المراجع الدينية في النجف من الأخطار المترتبة على اجتياح مدينة النجف، وأعلن المرجع الديني السيد علي السستاني أن هناك خطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها.

في تلك الأثناء سارع بعض أعضاء مجلس الحكم السابق إلى التدخل وإجراء مفاوضات بين الزعيم الدين مقتدى الصدر وقوات الاحتلال، وفي مطلع يوليو/تموز الماضي تم التوصل إلى اتفاق بين الطرفين، ومن الواضح أن الإدارة الأميركية قد وافقت على هذا الاتفاق للأسباب الثلاثة التالية:

  1. أولاً: أصبح من الواضح لدى القوات الأميركية، أن تنفيذ خطتها باعتقال أو قتل المرجع الديني مقتدى الصدر سيفجر الأوضاع في مناطق مختلفة من العراق، وأن ذلك سيكلفها كثيراً، خاصة أنها فشلت في تحقيق أهدافها في مدينة الفلوجة، وأن المسلحين العراقيين قد تمكنوا من قطع الكثير من إمداداتها، وهذا ما اعترف به الجنرال مارك كيميت نائب قائد العمليات السابق في العراق.
  2. ثانياً: في تلك الفترة، بدأت عملية استبدال القوات الأميركية بقوات جديدة تم تدريبها بعناية فائقة لمجابهة المناوئين لقواتهم، إضافة إلى تدريبات على حرب المدن، استعداداً لدخول معارك داخل مدن معينة من بينها النجف، وجاءت الموافقة على الهدنة لإعطاء الفرصة لقواتهم لاستبدال قطعاتهم وأفرادهم.
  3. ثالثاً: بينما كانت الأوضاع تتأزم في النجف كانت العملية السياسية تسير باتجاه آخر، إذ بدأت خطوات انتقال السلطة إلى العراقيين للحكومة المؤقتة، وهذا لأمر يستدعي تهدئة في العمليات العسكرية لتسليط الأضواء على العملية السياسية التي تريد واشنطن أن تستثمرها في حملة بوش الانتخابية، التي بدأت تشهد سخونة مع الاستبيانات التي تظهر تقدم منافسه جون كيري من الحزب الديمقراطي.

في هذه الأجواء، حصل الحل الأول، أو الهدنة التي تم الاتفاق عليها بين قوات الاحتلال والمرجع الديني السيد مقتدى الصدر.

موقف الصدر من الحكومة المؤقتة
ما أن تم الإعلان عن تشكيل الحكومة المؤقتة، التي يرأسها د.إياد علاوي، حتى فوجئ المراقبون ببيان من مكتب السيد الصدر يعلن فيه استعداد عناصر جيش المهدي لمساعدة الحكومة، من خلال مساندتها لقوات الشرطة والأجهزة الأخرى في تأمين الحماية للدوائر ومؤسسات الدولة.

وجاءت المفاجأة هذه المرة من الطرف الثاني، فبعد ساعات سارع وزير الداخلية فلاح النقيب إلى رفض هذه المبادرة، دون أن تكون هناك أي إشارة ذات طابع دبلوماسي باتجاه محاولة احتواء التيار الصدري والعمل على إدخاله في العملية السياسية، وبينما اعتقد البعض أن المبادرة الصدرية التي رُفضت بسرعة جاءت للاقتراب من الحكومة المؤقتة، رأى البعض الآخر أنها كانت فذلكة سياسية لمعرفة موقف الحكومة الحقيقي من أنصار السيد الصدر.

لذلك فإن رئيس الحكومة ما أن أعلن عن قرار إعادة (صحيفة الحوزة) حتى تعرض لهجوم قوي من قبل السيد مقتدى الصدر، وفي هذا المفصل بدأت تتضح جوانب العلاقة في زمن الحكومة الجديدة المؤقتة.

هنا، بدأ خطاب السيد الصدر وأتباعه يوجه الانتقادات إلى الحكومة والاحتلال في آن معاً، وصدرت تصريحات من مسؤولين كبار في الحكومة المؤقتة تصف أتباع السيد مقتدى الصدر بأنهم (خارجون على القانون).

وتفسير ذلك، أن أجهزة الدولة مطالبة بالقضاء عليهم، وفعلاً بدأ الحديث عن خطة تنفذها وزارة الداخلية ووزارة الدفاع من خلال الجيش والحرس الوطني والشرطة العراقية، للسيطرة على مدينة النجف والمدن الأخرى المرشحة للانفجار.

حرب النجف الثانية
لأن القوات الأميركية لم تتمكن من حسم المعركة الأولى في النجف لصالحها بسبب الظروف التي تحدثنا عنها، فقد بدأت الحرب الثانية في هذه المدينة، ولكن هذه المرة اتجهت إلى استخدام القوات العراقية التي شكلتها الحكومة المؤقتة في شن الحرب على مدينة النجف، حيث مقر السيد مقتدى الصدر هناك.

وبينما استدعت وزارة الداخلية والدفاع الكثير من قطعاتها من مدن عديدة لتحاصر النجف بإسناد ومساعدة قوية ومباشرة من قوات المارينز، فقد توجه الآلاف من الشباب العراقيين من أتباع السيد الصدر، إلى مدينة النجف قادمين من مدن كثيرة، وتوزع المقاتلون داخل المدينة ومقبرة دار السلام التي تُعد أكبر مقابر العالم، إضافة إلى انتشار الآلاف منهم في مدن عراقية أخرى.

واتجهت قوات من المارينز إلى النجف وحاصرتها من جميع الاتجاهات، وبدأ استخدام المروحيات والطائرات المقاتلة إضافة إلى الدروع في مهاجمة الأماكن التي يشتبه في وجود مقاتلي جيش المهدي بداخلها.

ورغم تباين أعداد الضحايا، إلا أن المشهد الجديد في حرب النجف الثانية يكشف عن حقيقة لاذعة المرارة، وهي الاقتتال الذي يحصل بين العراقيين تحت مظلة قوات الاحتلال الأميركي، وهي خلاصة العلاقة المتوترة مع التيار الصدري، الذي أعلن موقفه الرافض للاحتلال منذ البداية، حتى دخل حربين الأولى انتهت بهدنة تم التوصل إليها مطلع يوليو/تموز، والحرب الثانية بدأت باختلاط دم العراقيين الذين يتقاتلون بأسلحة عراقية وأخرى أميركية.
_______________
كاتب عراقي

المصدر : غير معروف