| مقدم الحلقة |
توفيق طه |
| ضيوف الحلقة |
- ، |
| تاريخ الحلقة |
23/09/2001 |
- الأهداف الحقيقية لأميركا من الحشود العسكرية التي تعدها
- انهيار المثال الأميركي للديمقراطية
- تناقض الموقف الرسمي لكل من أفغانستان وباكستان من تهديدات أميركا
- الموقف الروسي من الحملة الأميركية ضد الإرهاب
- تشريد عشرات الآلاف من عمال شركات الطيران والتأمين الأميركية
توفيق طه: أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، ومعنا هذا الأسبوع: زعماء العالم يسارعون إلى إعلان تأييدهم للحلف المزمع إنشاؤه ضد الإرهاب، والولايات المتحدة تحشد قواتها تأهباً لحرب طويلة، وتصريحات كبار المسؤولين الأميركيين التي استهدفت العرب والمسلمين تثير التساؤلات حول مصداقية المثال الديمقراطي الأميركي، وحركة طالبان ترفض تسليم أسامة بن لادن، وتعلن الجهاد على الولايات المتحدة، وتهدر دم من يتعاون مع واشنطن.
الأهداف الحقيقية لأميركا من الحشود العسكرية التي تعدها
ليس الهدف من هذا الحشد الأميركي للقوى هذه المرة تحرير بلد من احتلال أجنبي، بل استئصال شأفة ما تسميه الولايات المتحدة الإرهاب، وبسبب الغضب الأميركي العارم والرغبة في الثأر لضحايا نيويورك وواشنطن لم تجرؤ دولة واحدة على مطالبة الولايات المتحدة بتقديم تعريف واضح للإرهاب، فكل من يرفض الاشتراك فيما تسميه الولايات المتحدة التحالف الدولي ضد الإرهاب سيتهم بمناصرة الإرهابيين، وقد يصبح هدفاً محتملاً، لكن هل الهدف من كل هذه الحشود الأميركية الضخمة هو شن حرب على أفغانستان حتى تسلم أسامة بن لادن؟ قرائن الأمور تشير إلى أهداف أخرى تريد الإدارة الأميركية تحقيقها تحت ستار محاربة الإرهاب.
تقرير/سمير خضير: "من لم يكن معنا فهو عدونا" هكذا لخص (جورج بوش) موقف الولايات المتحدة مما يجري، فإما أن تنضموا إلينا في حربنا، وإما أن تكونوا هدفاً مؤكداً لهذه الحرب، والرسالة هنا واضحة لكل دول العالم الأول والثاني والثالث، وبشكل خاص الدول العربية والإسلامية المدعوة إلى الدخول في تحالف دولي ضد ما تسميه واشنطن بالإرهاب، دون أن تحدد ما تعنيه بكلمة إرهاب، أو حتى الأهداف التي تريد ضربها عسكرياً، ومثل هذا الوضع الناجم عن الهجمات التي تعرضت لها نيويورك وواشنطن تثير حفيظة الكثير من الدول العربية والإسلامية، وأحياناً الخشية من أن تكون على قائمة الأهداف الأميركية، فواشنطن لم تخف نواياها في ضرب كل من تعتبره إرهابياً أو مناصراً للإرهاب بشكل مباشر أو غير مباشر، وبما أن الإرهابي في نظر الغرب بشكل عام هو بالأساس عربي أو مسلم أو كلاهما، فإن التوجس يصبح كبيراً، نظراً للقائمة التي أعدتها وزارة الخارجية الأميركية منذ سنوات والتي تشتمل على عدد كبير من التنظيمات والدول العربية والإسلامية ومنها -على سبيل المثال لا الحصر –العراق واليمن وسوريا ولبنان والسودان وليبيا، وتنظيمات مثل حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله، وعدد من التنظيمات الفلسطينية التي تتخذ من دمشق مقراً لها، ناهيك عن مقاتلي كشمير وحركة طالبان، وكل تنظيم يناضل من أجل الحرية، لكنه يغني خارج السرب الأميركي الغربي، وبهذا تجد كثير من الدول نفسها في مأزق كبير، إذ كيف تستطيع الاستجابة للطلب –إن لم نقل التهديد الأميركي- بمحاربة أو تسليم أفراد لا يسعون سوى إلى تحرير بلادهم، مثل حزب الله أو حماس، وبين الخشية من أن تطالهم القوة العسكرية التي تلوح بها واشنطن وهل ستذعن هذه الدول، كما أذعن الجنرال برويز مشرف؟ أغلب الظن أن زعماء هذه الدول المهددة سيحاولون الانحناء أما العاصفة ولو مؤقتاً فمعظمهم –إن لم يكونوا كلهم- واقعون تحت ضغوط كبيرة قد تطيح بمستقبل بلادهم أمام ما يبدو أنه زحف عسكري أميركي باتجاههم، وقد بدا ذلك جلياً في الموقف الفلسطيني،حيث سارع الرئيس عرفات إلى الإعلان عن استعداد السلطة الفلسطينية إلى تقديم كل وسائل المساعدة للولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب مع إعلانه عن وقف شامل وتام لإطلاق النار، وقد سارعت إسرائيل هي أيضاً إلى الرد بالمثل، لا حباً بالفلسطينيين أو بقيادتهم بل لتتجنب هي الأخرى الغضب الأميركي، فواشنطن لم تخف استيائها من محاولة شارون استغلال الكارثة التي حلت بالولايات المتحدة لتصفية حساباتها مع السلطة الفلسطينية، وقد فهم شارون بسرعة الإشارات الصادرة من واشنطن، إذا إن أسوأ ما سيحدث في نظره الآن هو تعطيل مشروعه الهادف إلى القضاء نهائياً على عملية السلام، لكنه في المقابل سيحصل –على الأقل- على وقف نار الانتفاضة التي تنهش في جسد إسرائيل منذ عام كامل.
انهيار المثال الأميركي للديمقراطية
توفيق طه: لا يمكن أن توصف تصريحات مسؤولي الإدارة الأميركية الجديدة إلا بأنها إعادة للمكارثية المقيتة التي ماتت منذ الخمسينيات من القرن الماضي، وأصبح الخطاب السياسي الأميركي يشبه خطاب حكومات العالم الثالث بعد الانقلابات العسكرية، وبسبب التغييرات البنيوية في سلوك المؤسسة الحاكمة الأميركية فإن الشارع الأميركي يعيش حيرة وغضباً بالغين، وقد صب جام غضبه على العرب والمسلمين المقيمين في الولايات المتحدة، ويتساءل العالم اليوم عن المثال الأميركي الذي كان يسوَّق كنموذج للدولة الخيرة المثالية، أين ذهب؟
تقرير/ حسن إبراهيم: ما من شك في أن مصاب الولايات المتحدة عظيم ما يزيد على ستة آلاف قتيل في الانفجارين ببرجي مركز التجارة العالمي ومبنى وزارة الدفاع الأميركية، بالإضافة إلى مسافري الطائرات الأربع التي تحطمت، إلا أن ما تحطم كان أكبر، هيبة الولايات المتحدة، وإحساس الأميركي بالأمان داخل الولايات المتحدة التي يفصلها عن بقية العالم المحيطان: الأطلسي والهادئ، الدولة المثال ومركز النظام العالمي الذي تلى سقوط الاتحاد السوفيتي، لبنة المثال الأميركي كانت الديمقراطية واقتصاد السوق، وإشاعة قيم العدالة في عالم تحوَّل إلى قرية واحدة بسبب ثورة الاتصالات، قيم جميلة يبدو أنها تبخرت مع هول الكارثة التي ألمت بزعيمة العالم –كما يحلو لكثيرين تسميتها- فالرئيس الأميركي لم يجد غير استخدام كلمة الحملة الصليبية في وصف جهود الولايات المتحدة ضد ما سماه بالإرهاب، أما مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية الـ F.B.I، فقد قال إنه يجب إطلاق يد جهازه الاستخباري في التصنت على ما يشاء من المكالمات الهاتفية والتوسع في الاعتقالات التحفظية بدون أسباب، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الـ C.I.A قال إن وكالته ستعود مرة أخرى إلى الأساليب القذرة، التي حرمت بعد قرار الرئيس (جيمي كارتر) عام 77 أي إلى أساليب الستينات وأوائل السبعينات، حين كانت الـ C.I.A تدبر الانقلابات العسكرية، وتمارس الاغتيالات، بل وتستعين بمهربي المخدرات وأساطين الجريمة المنظمة في حربها ضد الشيوعية، وفي ظل التغطية الإعلامية التي أنحت باللائمة على أسامة بن لادن وناشطين شرق أوسطيين منذ اللحظة الأولى، فقد عبأت مشاعر المواطنين الأميركيين ضد العالم العربي والإسلامي بصورة عمياء، وبسبب (..) التوحد الوطني الجياشة، فقد اندلعت حرب في داخل المجتمع المدني الأميركي ضد العربي والمسلم كأعداء من حيث نوعهم، ضرب وقتل وتحطيم للمراكز الإسلامية بصورة تذكر بالتطهير العرقي في صربيا، ورغم ومحاولة الرئيس الأميركي احتواء الغضبة ضد العرب والمسلمين، إلا أنه يبدو أن الأمر قد خرج عن نطاق السيطرة، فما عاد الأميركيون شعباً أو مؤسسة حاكمة يأبهون بشيء إلا الثأر للكرامة التي أهدرت، هذه الخروقات المستمرة للدستور والقانون الأميركيين تحيير كثيراً من المراقبين، فهل حقاً انهارت المثل الديمقراطية الأميركية في وجه الكارثة؟ ولماذا كانت الولايات المتحدة تسوق للعالم، بل وتحاول إجباره على تقبل مثال لا تستطيع –وهي الدولة العظمى- تطبيقه، هذا لسان حال كثيرين إلا أنه يعتقد أن الدبلوماسية أو الخوف من ردود الأفعال الأميركية هو ما يلجم ألسنتهم في هذه المرحلة على الأقل.
توفيق طه: ولمزيد من التحليل لظاهرة المثال الأميركي، تحدثت عبر الهاتف إلى الأكاديمي والمحلل السياسي الدكتور عبد الوهاب الأفندي في جامعة (ويست منستر) في لندن، وسألته أولاً: أين هو المثال الأميركي والرئيس بوش يدعو إلى حرب صليبية؟ ومسؤولو إدارته يتحدثون عن المكارثية واستئناف الاغتيالات والمهام القذرة؟
د. عبد الوهاب الأفندي: أولاً يجب أن نعرف يعني أن تاريخ أميركا نفسه تاريخ الديمقراطية في أميركا ليس غريباً عليه مثل هذه التوجهات يعني، والديمقراطيات الغربية –عموماً- في مسألة العلاقات الخارجية، دائماً لم تكن يعني تمارس هذه.. يعني هذا النموذج المحلي لا يمارس دائماً في هذه المسألة حتى داخلياً يعني في أميركا نفسها، الدستور الأميركي مع أنه يعني حدد المساواة بين المواطنين، إلا أنه في القرن التاسع عشر، وبعد حروب الرق يعني كان هو هذا الدستور كان يتماشى مع الرق وهضم حقوق الإنسان، لكن بعد نهاية الرق المحكمة العليا في أميركا حكمت في نهاية القرن التاسع عشر بأن المشرع لم يقصد الزنوج، حينما قال أن كل المواطنين متساوين، ولم يقصد أن يعطي الزنوج حق المواطنة، وهو صحيح.. هو لم يقصد أن يعطي الزنوج حق المواطنة، إذن.. إذن..
توفيق طه: يعني.. دكتور يعني، هل هذا يبرر أن نرى في الشارع الأميركي حتى المواطن العادي بدأ لديه هذا الفرز القائم على أساس الجنس أو الدين؟
د. عبد الوهاب الأفندي: كما ذكرت هذا كان موجود –يعني- في الديمقراطيات الغربية لأنها يعني كانت تحرك الاستعمار كان يعني جزء من العقلية الغربية، لكن حصل مكاسب في الفترة الأخيرة، وتمكنت القيادات السياسية يعني ضد أحياناً الإرادة الشعبية مثل الرئيس (جونسون) عندما اتخذ قرارات بإعطاء الحقوق المدنية للسود، كان يتصرف ضد إرادة الغالبية في ذلك الوقت يعني...
توفيق طه[مقاطعاً]: لكن.. لكن يبدو أنه لم.. يعني المسألة وصلت إلى المؤسسات، إلى حتى المفهوم الاقتصادي اقتصاد السوق الذي تقوم عليه المثال.. يقوم عليه المثال الأميركي، يعني الحكومة تقدم لشركات الطيران خمسة عشر مليار دولار والشركات تتخلص بسبب أزمة لا يد للعمالة فيها.. تتخلص من عشرات آلاف العمالة.
د. عبد الوهاب الأفندي: صحيح هو هناك انتهازية الآن عموماً في الموقف.. في المواقف، يعني الشركات التي كانت يعني تريد أن تتخلص من العمال ولكنها كانت تخاف من ردود الفعل الشعبية انتهزت هذه الفرصة للتخلص من العمال، الحكومة الأميركية التي كان لها ثأرات تريد أن تصفيها مع دول أخرى ومع جماعات أخرى، الآن بدأت تصفيها، ولكن –كما ذكرت يعني- العنصرية وهذه المسائل هي موجودة تحت السطح في كل الدول الغربية للأسف يعني مثل.. إذا جاء إنسان مثل (هتلر) ودعا شعبه إلى أن يحارب الآخرين، ويمارس العنصرية ويمارس التمييز يجد استعداداً قوياً، الأزمة الحقيقية هذه الأيام هو أن هذه العنصرية في هذه الأيام تضفي تغليفاً مثالياً، يعني (هتلر)لم يكن يخفي عنصريته بألفاظ أخرى، لكن الآن هي تسمى الدفاع عن حضارة، الدفاع عن الوجود الحضاري.
توفيق طه[مقاطعاً]: يعني دفاع عن الحضارة الرئيس الأميركي نجده -يعني سواء ن قصد وعن غير قصد- يغذي الصراع بين الحضارات يعني يحوِّل أو يقسم العالم إلى معسكرين من جديد؟
د. عبد الوهاب الأفندي: هو هذا الفرز أنا أعلم أن يكون مؤكد يعني، أنا كتبت عنه قبل كده بس سميته الفرز الحضاري أو الاستقطاب الحضاري، هو أصلاً كانت هناك في المجتمع الغربي، وفي الفكر الغربي تجاذب بين المشاعر الإنسانية، وما وصفها (فوكوياما) بأنها النزعة الكونية الإنسانية وبين ما حاول أن يرمز له (هنتنجتون)، بصراع الحضارات، الليبرالي.. وهذه الأنظمة بيحصل الآن مثل هذا الفرز في بريطانيا والغرب بدأ من أيام أزمة (فلماروسي) أزمة (فلماروسي)..
توفيق طه[مقاطعاً]: نعم.. دكتور، إذا كنا نفهم يعني ممالأة الغرب لأميركا في هذا التوجه، يعني ما الذي يجعل دول أخرى في العالم تسارع إلى تأييد الولايات المتحدة، رغم ما قلنا إنه سقوط للمثال الأميركي سواء الأخلاقي أو الحضاري أو الاقتصادي حتى؟
د. عبد الوهاب الأفندي: هناك جو إرهاب واضح طبعاً في هذه الأيام، يعني حتى الآن الغرب نفسه والأصوات المعارضة خافتة، وتخاف يعني فيه خوف، لأنه الآن أميركا ضربت في الصميم، وهي كثور هائج تريد أن تتحرك، كما ذكر الرئيس الباكستاني أي إنسان في هذه الأيام يحاول أن يقف في وجه هذه الهيمنة والهجمة، سيدفع ثمناً باهظاً.
[فاصل إعلاني]
توفيق طه: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نتابع هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيه أيضاً: كارثة الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول تكشف الوجه القاسي للاقتصاد الرأسمالي وتسريح عشرات الآلاف من العاملين في الولايات المتحدة.
تناقض الموقف الرسمي لكل من أفغانستان وباكستان من تهديدات أميركا
لم يستغرب كثير من مراقبي الشأن الباكستاني والأفغاني رفض حركة طالبان تسليم أسامة بن لادن، وإعلانها الجهاد ضد الولايات المتحدة إن هي غزت بلادهم، لكن الذي تعذر فهمه كان الموقف الباكستاني، فخطاب الرئيس مشرف الذي تعتبر بلاده أحدث أعضاء النادي النووي أغضب الباكستانيين وغيرهم، فالباكستانيون أحسوا بأن موقف بلادهم الاستراتيجي لم يتحسن مع وجود السلاح النووي الذي بذلوا الكثير من التضحيات في سبيل امتلاكه، أما غير الباكستانيين وخاصة من الصينيين، فهم بلا شك يتململون من احتمالات نشوء واقع جديد يقنن لوجود أميركي دائم في المنطقة.
 |
تقرير/ حسن إبراهيم: قارن ما بين الموقفين: زعيم أول دولة إسلامية نووية، يحاول إقناع شعبه بأهمية التعاون مع الولايات المتحدة، أو بضرورة الانحناء أمام العاصفة، ومجلس شورى علماء أفغانستان يطالب الولايات المتحدة بالتعقل، ويفتي بأن الجهاد فرض عين على كل مسلم في حال الاعتداء على أفغانستان، ولك أن تقارن ما بين الصورتين، دولة باكستان بصناعتها وأسلحتها وبناها التحتية، وأشلاء دولة هي أفغانستان، التي قد تقل قيمة المنشآت على أراضيها عن قيمة صاروخ كروز واحد في الترسانة الأميركية المرعبة، فما الذي يجعل من طالبان تتخذ هذا الموقف المتشدد في حين أن بلاداً أخرى أشد منعة وتقدماً تقنياً وقوة غلبت حساباتها الآنية على حلفائها السابقين؟ وربما يقول بعض المراقبين إن باكستان دولة عليها حسابات عملية وأفغانستان حكومة علماء دين لا يحسبون للدنيا حساباً، وربما يقول آخرون إن توصية علماء الدين الأفغاني بخروج أسامة بن لادن طواعية من أفغانستان إنما هي محاولة للتنصل من الرجل بصورة مهذبة، لكن مما لا شك فيه أن حركة طالبان تحركها المواقف المبدئية.
توصف الحركة بأنها حنفية ديوباندية بشتونية في غالبها وأصولية إلى النخاع، فهي لا تتصرف في معظم الأحوال إلا بما تمليه أحكام الشريعة الإسلامية مهما كلفها ذلك من عنت أو حرج على الصعيد الدولي، بدا هذا جلياً في أزمة تحطيم التماثيل البوذية، التي قام لها العالم وما قعد، بل وخرج وفد من علماء الدين الإسلامي يحاول إثناء حركة الطالبان عن تحطيم التماثيل حرصاً على سمعة المسلمين الحضارية في العالم، لكن حركة الطالبان مضت قدماً ونسفت التماثيل التي رأت أنها أصنام لا يجوز وجودها في بلد إسلامي، ويومها خرجت بعض الأصوات خافتة تذكر العالم بأن الضجة التي أثيرت حول التماثيل لم تماثلها ضجة عندما كان أطفال الأفغان يموتون جوعاً وتتجمد أطرافهم في معسكرات اللاجئين، وأشد الأمور عاراً في عرف (البشتون) العنصر الغالب على حركة طالبان، هو عدم إغاثة الملهوف، وأسامة بن لادن، الذي يقيم في أفغانستان، وقاتل مع أهلها ضد السوفييت، وأنفق على اقتصادها وأهلها من ماله، بل وبايع أميرها الملا محمد عمر على السمع والطاعة والمنشط والمكره، ملهوف من نوع خاص، لذا لم تطالبه الحركة بالمغادرة، إلا أن مجلس العلماء أصدر فتوى أخرى في نفس البيان الذي تمخض عنه الاجتماع يجعل الجهاد ضد الغزو الأميركي المحتمل فرض عين على كل مسلم في العالم.
سواء خرج بن لادن من أفغانستان أم لم يخرج، فإن القصف أو الغزو الأميركي آت لا محالة، هذا هو الإحساس العام، ليس في أفغانستان وحدها، بل في جميع أنحاء العالم، وما تسميه الولايات المتحدة بعملية (العدالة المطلقة) يبدو أنها ستحصد الكثير من الضحايا، وقد تنجح أو تفشل في القبض على بن لادن، لكن أفغانستان ستبقى رقماً صعباً يستعصي على حسابات هذا العالم وقطبه الأميركي الأوحد. 
الموقف الروسي من الحملة الأميركية ضد الإرهاب
توفيق طه: في هذا الخضم مازالت روسيا تحاول اتخاذ موقف عقلاني يبتعد عن منطق واشنطن الذي تتصاعد وتيرته الاستئصالية، وكأنما يريد الرئيس الروسي القول للولايات المتحدة: إن روسيا خاضت مستنقع أفغانستان من قبل، وجربت ثلوج الشيشان المتحركة، وإنها لن ترتكب الخطأ نفسه مرتين وتخشى روسيا إن هي أيدت الولايات المتحدة أن تتفاقم حربها في الشيشان وأن تتعثر محاولاتها لاستعادة علاقاتها المتميزة بكثير من الدول العربية والإسلامية، لذا فهي على ما يبدو تتردد في الانسياق خلف واشنطن في حربها الجديدة.
 |
تقرير/أكرم خزام: اعتقاد واشنطن أن روسيا ستقدم فروض الطاعة حيال الضربات العسكرية الأميركية المحتملة بحق أفغانستان بحجة معاناة (موسكو) من المراكز الإرهابية -حسب الوصفة الأميركية –تبخر أمام تأكيدات العديد من المسؤولين الروس بأن الضربات العسكرية لن تحل مشاكل الإرهاب، وأن المطلوب يتمثل في وضع آلية متكاملة لمعالجتها بعد إقرار هذه الآلية من قبل زعماء الثمانية الكبار.
تجربة الروس في أفغانستان والهزيمة المرة التي لحقت بهم، وقناعتهم بأن الولايات المتحدة لن تكتفي بالإجهاز على أفغانستان فحسب وإنما قد تلجأ إلى ضرب دول آسيا الوسطى والعراق والسودان وليبيا وسوريا وإيران، إضافة إلى التبعات التي يمكن أن تنجم عن الحرب في أفغانستان وخاصة على طاجيكستان وتركمنستان، وأوزبكستان عوامل شكلت خلفية لعدم إعلان الروس عن إمكانية استخدام قواعدهم في دول آسيا الوسطى، للانقضاض على أفغانستان وعن عدم تأييدهم المطلق للضربة الأميركية المحتملة، موسكو أعلنت عن استعدادها لتقديم معلومات في مجال الاستخبارات والتنسيق في قضايا عمومية، تتعلق بالمنظمات الداعمة لما يوصف بمركز الإرهاب الدولي، الشارع الروسي البعيد عن الوصفات الدبلوماسية في التعامل مع الولايات المتحدة أكد عبر استفتاء بسيط أجرته (الجزيرة) في وسط العاصمة الروسية رفضه لمنطق القوة، وطالب بتقديم الأدلة والإثباتات بحق هذه الجهة أو تلك قبل البدء بالضربات العسكرية؟
استمرار وثبات الموقف الروسي حيال الضربات العسكرية الأميركية المحتملة بحق أفغانستان يتوقفان على مدى صلابة الجناح الرافض في القيادة الروسية لارتداء العباءة الأميركية، وعدم تأثره بدعوات داخلية وخارجية مفادها ضرورة الالتزام الكامل مع الغرب والولايات المتحدة في رسم لوحة جديدة للعالم في القرن الجاري.
أكرم خزام (الجزيرة –برنامج (الملف الأسبوعي)- موسكو)
.
تشريد عشرات الآلاف من عمال شركات الطيران والتأمين الأميركية
توفيق طه: وأخيراً أيستقيم عقلاً تشريد عشرات الآلاف من عمال شركات الطيران والتأمين الأميركية، فقط لأن توقعات الربح بعد كارثة الحادي عشر من سبتمبر/أيلول أتت مخيبة للآمال؟ أهذا هو اقتصاد السوق الذي لا يأبه إلا بالمال وحده؟ وعلى الرغم من أن الحكومة الأميركية قررت تعويض شركات الطيران، إلا أن الشركات ستمضي قدماً في قراراتها، فترسانة اقتصاد السوق لا ترحم، ومعيارها فقط هو الربح والخسارة.
 |
تقرير/ خالد القضاة: قبل نهاية مركز التجارة العالمي بقليل، كان الحال ينذر بأن العالم على شفا ركود اقتصادي وما أن انهار العصب التجاري لأكبر اقتصاد في العالم، حتى بدأت الأسواق العالمية كلها تقريباً تتلمس سبلاً للنجاة من التخبط، فالاقتصاد الأميركي له أهمية خاصة، لأنه يشكل الدليل لكافة الاتجاهات التي تستهدي بها اقتصادات العالم، ولا غرابة في ذلك، فالناتج المحلي الأميركي يشكل خمس الناتج العالمي واقتصاد الولايات المتحدة يبلغ حجمه 10000 مليار دولار، القطاع الذي لحقت به أشد الأضرار هو الطيران، وهذا القطاع تكبد خسائر في أكثر من جانب فقد شهد تراجعاً حاداً في الطلب على الرحلات الداخلية، وأعلنت كبريات الشركات الاستغناء عن عشرات الآلاف من الوظائف وصناعة الطيران لها شأن كبير في اقتصاد الولايات المتحدة التي تحتضن أكبر خمس شركات للطيران في العالم، وتتمثل الأزمة التي تعاني منها هذه الصناعة بعد الهجمات الأخيرة في ثلاثة جوانب: هي إحجام المسافرين عن السفر جواً، وزيادة التكاليف للالتزام بالإجراءات الأمنية الجديدة، ومخاطر حدوث مزيد من الضعف في الاقتصاد العالمي.
أما الأسواق المالية العالمية فتخبطت أيضاً في تعاملاتها مع استمرار غياب محدد الاتجاهات والسوق الأنشط في العالم وهو (وول ستريت) فأنظار المتعاملين –خصوصاً في البورصات الأوروبية- مازالت تتجه إلى ردة فعل المتعاملين في (وول ستريت) وهي متخوفة من أن تكون هذه الهجمات قد أدت إلى بروز عدم ثقة في قدرة الاقتصاد الأميركي حتى على مواصلة حالة التباطؤ في الاقتصاد، من المعروف في مثل هذه الأحوال أن تلعب البنوك دوراً رئيسياً في ترسيخ أسس الاقتصاد، ولأنها تعرف نتائج أوجاع الضربة الأخيرة على الاقتصاد الأميركي، بل والعالمي تحركت البنوك المركزية الرئيسية وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بضخ السيولة في أسواقها المالية، كمحاولة منها لضمان الحد الأدنى من الاستقرار المالي فيها، بعد أن شهدت أسواقها تذبذباً في الأسعار، أما شركات التأمين فالتقديرات الأولية لخسائرها تشير إلى أنها تزيد على 20 مليار دولار، الحكومة الأميركية تعلق بعض الآمال في الخروج من كبوة اقتصادها على الخطة التي اتبعتها بتعزيز الإنفاق الحكومي الذي من المتوقع أن يعطي دفعة قوية لبعض القطاعات، وهذه المخصصات ستنفق في معظمها على تطوير شبكتها الأمنية، على أنه بشكل عام لا يمكن حالياً وضع متانة البنية التحتية التي يتمتع بها الاقتصاد الأميركي على المحك، لأن الهجمات ستلحق الضرر بالاقتصاد في الأجل القصير، لكنه من الصعب التكهن بما يخص الاحتمالات في الأجل الطويل.
توفيق طه: بهذا نأتي مشاهدينا إلى ختام جولتنا في (الملف الأسبوعي)، ونذكر حضراتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع الجزيرة نت، في الشبكة المعلوماتية الإنترنت، وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، تحية لكم من فريق البرنامج، وهذا توفيق طه يستودعكم الله.
ما الأهداف الحقيقية لأميركا من الحشود العسكرية لمكافحة ما تسميه بالإرهاب؟ هل انهار المثال الأميركي للديمقراطية؟ وما سبب تناقض الموقف الرسمي لكل من أفغانستان وباكستان من الحملة الأميركيةا؟ وما تفسير الموقف الروسي من الحملة الأميركية؟