عرض/ كامبردج بوك ريفيوز

ما زالت رفوف المكتبات الغربية تخصص حيزاً كبيراً للكتب التي يهتم أصحابها بالمواجهة بين الإسلام والغرب. وهذا النوع من الأدبيات كان موجوداً قبل أحداث 11 سبتمبر/أيلول لكنه يشهد تضخماً كبيراً بعد هذه الأحداث التي أضفت شرعية على أطروحاته.

 

يأتي الكتاب الذي نتناوله اليوم في السياق السياسي الفكري الذي يختصر العلاقة بين الغرب والآخر في الصراع الذي يراه محتوماً بين الغرب والإسلام.

 

بداية يقول دوبلسيس (صحفي فرنسي من مواليد الجزائر 1952 عمل في بعض الصحف الفرنسية اليمينية التوجه) في مقدمته إن 11 سبتمبر/أيلول يشكل المرحلة الأولى من "الحرب العالمية الثالثة: الحرب بين الإسلام والغرب، التي تحتدم في الشرق الأوسط"، إلا أن الغرب يجهل بعد أنه في حرب. 

- اسم الكتاب: الإسلام والغرب.. الحرب الشاملة

- المؤلف: لوران أرتور دو بلسيس

- عدد الصفحات: 216

- الطبعة: الأولى 2004

- الناشر: جون - سيريل غودفروا، باريس


صعود التطرف الإسلامي

وينطلق الكاتب من حادثة ذبح الصحافي الإيطالي فابريزيو كاتروشي في العراق قائلاً إن هذا المشهد (مشهد ذبحه) سيبقى في "حوليات الحرب الكبرى بين الإسلام والغرب"، التي بدأت في 11 سبتمبر/أيلول 2001". ومن أجل التذكير نشير إلى أن الكاتب سبق أن نشر كتاباً عام 2002 بعنوان "الحرب العالمية الثالثة بدأت".

 

يقول لوران إن الهجوم على العراق أوجد مفعول الدومينو، لكن ليس مفعول الديمقراطية الذي كان الأنغلوساكسون يصبون إليه، وإنما الأسلمة التي رآها الجميع وبسرعة في العلماني صدام حسين.

 

إن "التمرد العراقي" ينشط تحت "لواء الإسلام". وهو تمرد يقتل جنود التحالف والعراقيين الذين يتعاونون معه والعمال الأجانب ويزرع الدمار والخراب في العراق.

 

بصرخات "الله أكبر" يتزعزع الشرق الأوسط: تفجيرات في الأردن وسوريا وأفغانستان والسعودية التي أصبحت مستهدفة منذ عمليات مايو/أيار 2003.

 

وبتخريبهم أنابيب نقل النفط واستهدافهم عمال الشركات النفطية الأجنبية، يريد الإسلاميون خلق صدمة نفطية لإجهاض الانتعاش الاقتصادي العالمي.

 

ويضيف الكاتب أنه عندما ترتفع أسعار النفط فإن السبب ليس فقط زيادة الطلب العالمي وإنما خوف الأسواق من عمليات إرهابية ضد المنشآت النفطية.

 

ويقول إن الصعود القوي للأصولية الإسلامية في العالم الإسلامي أصبح واضحاً، وإن العنف يقرب الإسلاميين من السلطة في العراق والسعودية، أما في دول أخرى مثل المغرب وباكستان وتركيا، فإن صناديق الانتخابات هي التي تقوم بذلك.

 

ولا ينسحب نفوذ الأصوليين الإسلاميين على أرض الإسلام فقط بل إنه امتد إلى الحياة السياسية الأوروبية، ففي إسبانيا تدخلوا في الانتخابات التشريعية عبر عملية 11 مارس/آذار الإرهابية.

 

ويرى الكاتب  أن الإرهاب الإسلامي يتقدم ولا يتراجع منذ 11 سبتمبر/أيلول 2001. والقاعدة كانت قد أنذرت بكارثة لكن ذلك لم يحدث، مما جعل الخبراء أكثر تفاؤلاًَ، غير أنهم هنا أخطؤوا في تقدير الإرهاب الإسلامي. فهذا الأخير ركز جهوده على مناطق "هامشية"؛ مثل بالي، وجربه، والدار البيضاء، وموسكو... وهي مناطق بعيدة عن الغرب، مما جعل الغربيين لا يتخوفون منها، خاصة وأن مشهد عمليات 11 سبتمبر/أيلول لم يتكرر في الغرب.

 

واعتبر الخبراء هذا أفولا للإرهاب الإسلامي، فجاء تفجير مدريد في 11 مارس/آذار 2004 ليضع حداً لتفاؤل الخبراء، حيث أظهر "الحادي عشر سبتمبر الأوروبي" القوة المتجددة لهذا الإرهاب الإسلامي الذي يثير الدهشة من حيث قدرته على المبادرة، ومرونته للتكيف وديناميته.

 

ينتقد الكاتب الغربيين بما فيهم القادة الذين يراهنون على المعتدلين في العالم الإسلامي لإدخال الإسلام في الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان مما يحول دون حرب بينه وبين الغرب.

 

ويقول إن هذا الموقف هو نفسه الذي تبناه القادة الإنجليز والفرنسيون في الثلاثينيات لما اعتبروا أنه لن تكون هناك حرب مع ألمانيا النازية وأن هذا ليس في مصلحة أي بلد، ولم يصغ أحد إلى توقعات تشرشل وديغول المتشائمة.

 

ونفس الشيء يتكرر اليوم مع الإسلام السياسي، إلا أن "التفاؤل الأعمى بشأن الإسلام السياسي" سيقاوم لبعض الوقت توالي التفجيرات.

 

"
الغرب عملياً في حرب بدون إعلان رسمي لكنها حرب حقيقية كما يتبين من المطالبة المتكررة بتوخي الحذر عبر مكبرات الصوت في محطات المسافرين والمطارات ومن انتشار قوات الشرطة والجيش في الدول الغربية
"
حرب غير معلنة

ويرى دو بلسيس أن الغرب عملياً في حرب، "حرب بدون إعلان رسمي"، "لكنها حرب حقيقية"، كما يتبين من المطالبة المتكررة بتوخي الحذر عبر مكبرات الصوت في محطات المسافرين البرية والبحرية والمطارات ومن انتشار قوات الشرطة والجيش في الدول الغربية. "إنها حالة حصار"، بالإضافة إلى تمرينات ميدانية لمشهد هجمات كيمياوية، جرثومية ونووية.. "إن الغرب ينظم الدفاع عن أرضه".

 

ومع أن العنف ميز كل العصور، فإن الإسلام اليوم ، مثل بداية انتشاره، هو مصدر العنف. فالألفية الثالثة بدأت بانتقال عدوى التطرف في العالم الإسلامي، في أوساط شباب محبط يعاني البطالة، ومصغٍ لنداءات الجهاد التي يطلقها الأئمة الأصوليون.

 

والأصولية الإسلامية هي اليوم أكبر من يضرم النار في الكوكب، فالعنف يضرب مناطق اتصال أو احتكاك مع ديانات أخرى كما في الفليبين وإندونيسيا والقوقاز والسودان .. وحتى ضواحي المدن الغربية أصبحت هي الأخرى "مناطق اتصال" لأئمة يجندون للجهاد أبناء الجالية الإسلامية، مع أن قسما كبيرا من هؤلاء المجندين من الجيل الثاني والثالث.

 

وتمثل السجون أحد أهم أماكن الدعوة الدينية التي تستخدمها الشبكات الإسلامية الدولية لتجنيد شباب للجهاد على استعداد لتفجير نفسه. أما عدد الذين اعتنقوا الإسلام فهو في تزايد، والبعض منهم التحق بالشبكات الإسلامية.

 

ويقول الكاتب إن على الإسلام –كي يصبح دينا هادئا- أن يجد طريقه نحو الإصلاح المذهبي، إلا أن هذا يحتم إعادة فتح أبواب الاجتهاد التي أغلقت رسمياً عام 935 في العهد العباسي.

 

أما النقاش حول تحديث الإسلام فيتم في الغرب فقط، بينما دعاة الإصلاح في العالم الإسلامي ليسوا في موقف قوة لأن الأئمة المتطرفين، خاصة الوهابيين، يسيطرون على المجتمع وعلى التعليم ويتمتعون بشعبية في أوساط الشباب.

 

وبالتالي فالإصلاحيون إما أن يختاروا المنفى وإما أن يقتلوا .. هكذا تغلب التشدد على الإصلاح. فالإسلام يبتعد عن الإصلاح والعالم الإسلامي يكره الليبرالية والديمقراطية وحقوق الإنسان والعلمانية .. وهي قيم يعتبرها غريبة عن هويته. ويرى أن الشريعة الإسلامية تتناقض ومبادئ الديمقراطيات الغربية، وأن الإسلام لا يتطابق والديمقراطية.

 

وليتماشى معها يجب إدخال العلمانية في الإسلام لارتباطها ارتباطاًً وثيقاً بالديمقراطية، لكن هذا يعني مراجعة أسس الإسلام وهذا ما لا تقبله أغلبية العلماء.

 

ويتحدث الكتاب عن دار الإسلام ودار الحرب ودار الصلح، ويقول إن الجيش الإسلامي في العراق الذي اختطف الصحافيين الفرنسيين صنف فرنسا ضمن دار الحرب، وإن المسلمين يطالبون بالحق في بناء المساجد في دار الحرب أو دار الصلح بينما يرفضون المعاملة بالمثل بإقامة أماكن للعبادة للديانات الأخرى في دار الإسلام.

 

ويرى المؤلف أن الأصوليين يريدون بالعنف استعادة مجد الإسلام واسترجاع الأراضي التي فقدها كإسبانيا وصقلية والبلقان وروسيا وحتى جنوب فرنسا إلى بواتيي. وهنا يقول إن محمدا -صلى الله عليه وسلم- كان قد تبنى العنف كأسلوب لنشر الإسلام.

 

"
ستتم هذه الحروب وتقام هذه التحالفات بين دول كثيرة لمنع وصول الأصوليين إلى السلطة في دول ذات ترسانة نووية مثل باكستان، وستستخدم أميركا القوة خوف أن تقع الترسانة النووية في أيدي الأصوليين
"
الحرب الشاملة

الفكرة المركزية للكتاب هي أننا نعيش "حرباً عالمية ثالثة" بين الإسلام والغرب وأن هذا الأخير سيخرج منها منتصراً، وهي حرب ستتشكل فيها التحالفات كالآتي: اليابان والهند وروسيا ستتحالف مع الغرب، فيما ستتحالف الصين مع الإسلام.

 

وستتم هذه الحروب وتقام هذه التحالفات لمنع وصول الأصوليين إلى السلطة في دول ذات ترسانة نووية مثل باكستان، وستستخدم أميركا القوة خوف أن تقع الترسانة النووية في أيدي الأصوليين، أو قد تترك الهند تقوم بذلك نيابة عنها، مما سيشعل النار في المنطقة.

 

أما في الشرق الأوسط، فإن نشوب ثورات أصولية سيجعل إسرائيل تشعر بالتهديد مما يجعلها تستخدم ترسانتها النووية ضد دول محيطها، أما في المغرب العربي، فإن الأصوليين سينتهون بالاستيلاء على الحكم، وبالتالي يهددون أوروبا.

 

هكذا ستكون الحرب العالمية الثالثة عالمية، لأنها ستنتقل من جيب إلى جيب حتى تشمل كل العالم.

 

وبينما ستكون اليابان إلى جانب الغرب، فإن الصين ستصبح حليفاً للإسلام، أما روسيا التي أصبحت حليفاً للغرب فيجب أن تبقى كذلك.

 

وحسب هذا المشهد، فإن الصين ستتحالف مع الإسلام ضد الغرب لأن الحرب بين الإسلام والغرب ستزعزع بشكل كبير إمداداتها من النفط مما يجعلها تتحرك عسكرياً للاستيلاء على أرخبيل سبراتلي الغني بالنفط والمجاور لها، فيكون رد فعل أميركيا واليابان الدخول في حرب مع الصين (يقول إن الأكاديميات العسكرية الأميركية أدرجت هذا الموضوع في برامجها الدراسية).

 

أما دول جنوب شرق آسيا المسلمة المتخوفة من الهيمنة الصينية، فإنها ستنضم إلى الحلف بين الإسلام والصين بحكم التضامن الديني مع بقية العالم الإسلامي. وهكذا فإن التعارض بين الإسلام والغرب سيسهل التقارب بين البلدان المسلمة في جنوب شرق آسيا والصين فتدخل سوياً الحرب العالمية الثالثة.

 

ويضيف الكاتب أن أنظار الصين التي تتعاون في مجال نقل التكنولوجيا العسكرية مع إيران وباكستان، موجهة نحو العالم الإسلامي لأنه يستحوذ على 75% من الثروة النفطية في العالم وقسم كبير من احتياطات الغاز.

 

ولدعم هذا المشهد يتوقف الكاتب مطولاً عند الثقل السياسي المتنامي للإسلام السياسي في العالم الإسلامي حيث توجد الحكومات في موقف ضعف أمام هذه الظاهرة المتنامية، مركزاً على بعض البلدان كإندونيسيا وباكستان وتركيا.

 

و يؤكد على ظاهرة الأسلمة الشاملة التي لا يراها الغرب، على حد قوله، مستدلاً بحالة تركيا التي يعتبرها دولة قائدة للعالم الإسلامي بحكم قوتها العسكرية ونفوذها في بعض جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة..

 

ويرى دو بلسيس أن مطالبة أوروبا لتركيا بإصلاحات ديمقراطية تعني وضع نهاية لسلطة العسكريين مما يعني رفع آخر عائق أمام الإسلاميين للاستيلاء على السلطة في أنقرة.

 

أما روسيا فهي في مخيم الغرب في مواجهة الإسلام، لكن هذا الموقف قد يتغير بفعل أزمة اقتصادية داخل روسيا وتصلب عود الحركات الإسلامية الروسية وتآكل التحالف الأميركي-الروسي ضد الإرهاب بسبب سياسة موسكو الداخلية كقضية الشركة النفطية إيوكوس..

 

ورغم حديثه عن "ابتعاد" روسيا بوتين عن الغرب، فإنه لا يصنفها ضمن مخيم الإسلام في هذه الحرب، وإنما في المعسكر الغربي.

 

يتوقف الكاتب مطولاً عند ظاهرة التجديد الديني في الولايات المتحدة وقوة ونفوذ مختلف المنظمات الدينية في أميركا في أوساط صنع القرار، وعن انتماء بوش نفسه إلى بعض هذه التيارات الدينية، إلى درجة أن المفردات الدينية تميز كل خطاباته.

 

ويرى الكاتب أن الدين يحفز قدرات الغرب الدفاعية، ويرحب الكاتب بهذا التجدد الديني في الغرب قائلاً إنه لا علاقة له بنظيره في العالم الإسلامي لاستخدام هذا الأخير للإرهاب.

 

"
الغرب سينتصر بحكم قوته التي لا نظير لها، والحرب العالمية الثالثة ستكون مدمرة، لكنها مفيدة مثل الحروب السابقة التي سرعت من التطورات التكنولوجية
"
خاتمة

ختاماً يقول الكاتب إن الغرب سينتصر بحكم قوته التي لا نظير لها، وإن "الحرب العالمية الثالثة ستكون مدمرة، لكن أيضاً مفيدة" مثلها مثل الحروب السابقة التي سرعت من التطورات التكنولوجية.

 

وبما أن 75% من الاحتياطات العالمية من المحروقات توجد في "أرض الإسلام"، فإن تطورات الحرب ستجعل الغرب يهتم بالبحوث عن طاقات جديدة مثل الهيدروجين. أما أفول أميركا فسيتحول إلى تجدد بفضل "الحرب العالمية الثالثة".

 

النقطة الإيجابية الوحيدة التي تحسب للكاتب هو أن نصه الأيديولوجي هذا يشكل صورة صادقة لتيار سياسي وفكري متنام في الغرب منحته عمليات 11 سبتمبر/أيلول مصداقية وشرعية مما سمح له بدخول ساحة النقاش العام في المجتمعات الغربية من الباب الواسع.

 

ويكن هذا التيار عداءً سياسياً للعرب والمسلمين بدعوى عداء الحركات الإسلامية الإرهابية للغرب، كما يرفض التفريق بين المتطرفين والمعتدلين في العالم الإسلامي..

 

أما عيوبه فكثيرة، ولعل أبرزها القفز على الواقع السياسي مثل مقولة الغرب والإسلام؛ حيث يبني أصحاب هذا التيار تحليلهم على التعارض بين دين ليس بطبيعة الحال بفاعل في العلاقات الدولية، وكتلة وتحالف إستراتيجيين، أي الغرب الذي هو فاعل إستراتيجي في المشهد العالمي.

 

وبما أنه يعتمد على تحليلات هينتغتون وغيره، فإنه وقع في نفس الأخطاء من حيث التعميم انطلاقاً من حالات خاصة وبالتالي استنتاجات خاطئة.

 

فالكاتب يتجاهل طبيعة التحالف السياسي بين بعض الدول الإسلامية والقوى الغربية، ثم يصور الإسلام عدائيا وفي وضع هجومي على الغرب المسالم! ويعطي للغرب وإسرائيل الحق في الدفاع المشروع عن النفس بينما لا يقول شيئاً عن ذات الحق للفلسطينيين، عازيا استعصاء تسوية الصراع العربي الإسرائيلي إلى طبيعة الإسلام!

 

إن الخلط المتعمد للأمور جعله يقول إن "العالم الإسلامي لم يقبل أبداً وجود القوى الاستعمارية الأوروبية في دار الإسلام" معطيا مثال الجزائر!

 

ومن المغالطات أيضاً وصف اللوبي اليهودي في أميركا بالوبي  "الأسطوري". كما أنه لا يفرق بين الإسلاميين والمسلمين ويدعو صراحة لضربهم وقاية للغرب من الإسلاميين..

المصدر : الجزيرة