الجزيرة نت-خاص
حاول هذا الكتاب معالجة مرحلة حساسة مرت بها الدولة الجزائرية في فترة كانت فيها بحالة تفكك وانهيار مؤسساتي، مما يستدعي ابتكار بعض الهيئات خوفا من انتفاء بعض المؤسسات الدستورية، وإن كانت غير دستورية من حيث أساسها القانوني المنشئ لها.

فحاول المؤلف الاجتهاد قدر المستطاع بإدخال بعض القيم القانونية وإسقاطها على الواقع الجزائري، لا على أساس التبرير، ولكن على أساس المعالجة القانونية التي لجأ إليها أصحاب القرار في اتخاذ قرارات مصيرية للدولة والأمة الجزائريتين.

- الكتاب: النظام الدستوري الجزائري ووسائل التعبير المؤسساتي
- المؤلف: فوزي أوصديق
- عدد الصفحات: 256
- الناشر: ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر
- الطبعة: الأولى/فبراير 2006

الجمهورية الثالثة
ومن خلال تشريح المؤسسات الدستورية، أطلق الكاتب على هذه المرحلة مصطلح الجمهورية الجزائرية الثالثة مقارنة بالجمهورية الأولى التي بدأت منذ الاستقلال إلى صدور دستور فبراير/شباط 1998 والتي تميزت بالطبيعة الاشتراكية للدولة.

ثم الجمهورية الثانية التي تبدأ بإرساء دستور 1989 إلى غاية إعلان المجلس الأعلى للدولة بيان الشهر بتاريخ 11 يناير/كانون الثاني 1992، والتي تميزت بالديمقراطية والحرية، إلا أنه تم فيها إيقاف المسار الانتخابي، ومصادرة الإدارة الشعبية، وإرساء المؤسسات على أسس فلسفية ودستورية خاطئة، حسب رأي فوزي أوصديق.

فالدولة لجأت إلى وسائل تعبير دستورية قريبة من التكنولوجيا السياسية إلى المفاهيم القانونية المجردة.

وفي معالجته لهذه المواضيع استعمل الكاتب الأسلوب الوصفي أحيانا، والأسلوب التحليلي المقارن تارة أخرى، وذلك حسب ما تستدعي الدراسة وفصول البحث والقراءة القانونية للأحداث.

غير أن هذه المرحلة قد تميزت على مستوى المراجع والدراسة بالعقم في المعالجة، والاندفاعية والعاطفية أحيانا أخرى في معالجة محور من هذه المحاور.

لقد عاشت الجزائر أزمة متعددة الجوانب ولعل أهمها انهيار مؤسسة الدولة (استقالة رئيس الجمهورية وحل المجلس الشعبي الوطني)، فحاول النظام إيجاد مخارج وأساليب مختلفة للحفاظ على مؤسسات الجمهورية بابتكار استثناء ومؤسسات دستورية -شرعيتها مادية بحكم الواقع- بديلة للمؤسسات الديمقراطية الشرعية.

وقد عالج الكاتب هذه المرحلة بالرجوع للحقب التاريخية السابقة، وذلك ما حاول دراسته بحكم طبيعة النظام السياسي.

فالنظام القائم ما هو إلا نتاج تراكم تاريخي وإفرازاته، لذلك رجع فوزي أوصديق إلى ما يزيد عن 30 سنة من استقلال الجزائر التي عرفت ثلاثة دساتير كبرى.

ذلك التعبير المؤسساتي قد يوحي بغنى التجربة الدستورية والتشريعية، ويمثل مؤشرا على عدم الاستقرار المؤسساتي، أو يوحي بالأزمة المتعددة الجوانب التي يعيشها المجتمع الجزائري من جهة. كما أنه يعبر عن عدم استكمال البناء الدستوري أو تنظيمه من جهة ثانية.

وقد يعبر هذا المسار الدستوري عن شتى المراحل الدستورية التي عاشتها الجزائر المستقلة، ومختلف التحالفات المتعددة المصالح والأيديولوجيات التي طبعت الحياة السياسية والدستورية، وذلك ما تم إبرازه من خلال الكتاب.

كما أن التعديلات التي عرفتها مختلف الدساتير لم تكن مبنية على قناعات قانونية أو نتيجة لحتمية دستورية، ولكنها نتاج لحسابات سياسية، حسب قول الكاتب.

"
النظام حاول إيجاد مخارج وأساليب مختلفة للحفاظ على مؤسسات الجمهورية بابتكار استثناء ومؤسسات دستورية -شرعيتها مادية بحكم الواقع- بديلة للمؤسسات الديمقراطية الشرعية
"
فالتعديلات تدخل في إطار "التكنولوجية السياسية" أكثر من التكنولوجية القانونية.

ففي عهد الجمهورية الأولى عرفت الجزائر دستورين: دستور 1963، ودستور 1976، ومن سماته أن الحزب يتداخل مع الدولة على مختلف مستوياته الهرمية، كما أن الرقابة السياسية لها الأولوية على باقي أنواع الرقابات الأخرى (الشعبية والقضائية والتشريعية).

فجبهة التحرير الوطني قد استمدت مشروعيتها بحكم النداء الموجه إلى الشعب الجزائري من أجل التحرير، واسترجاع السيادة الوطنية.

والنظام القائم كان نظاما رئاسيا مغلقا حيث إن رئيس الجمهورية له مكانة خاصة في البناء الدستوري، فهو الشخصية المحورية والمركزية في السلطة بدون منازع، وعلى ذلك تم إسناد العديد من الصلاحيات والاختصاصات له.

دستور الأزمة
أما في عهد "الجمهورية الثانية" فقد صدر "دستور الأزمة" الناتج عن تفاعلات جيواجتماعية، مما ولد ديناميكية جديدة توحي بالقطيعة مع الممارسات السابقة، إذ إن الجمهورية الجديدة قد اعتمدت خيارات دستورية جديدة، من مثل اعتمادها وسائل أكثر ملاءمة للوصول والبقاء في السلطة.

فانتهجت الفلسفة الليبرالية على مختلف المستويات سواء السياسية أو الاقتصادية أو غيرهما، وكل هذا جاء في ظل أزمة متعددة الجوانب مما أدى إلى افتقار السلطة قاعدة اجتماعية ضرورية لقيامها، كما أن الشعب لم يكن مهيأً لهذه "الليبرالية المتوحشة".

وفي ظل هذه الظروف يمكن اعتبار دستور 1989 دستور أزمة أراد أن يجعل من المعايير السابقة قيمة تحدد علاقة ومكانة الفرد والمجتمع مع الدولة، وقد تم إبراز هذه المسألة في العديد من فصول هذا الكتاب.

غير أن الكاتب توصل إلى نتيجة تفيد فشل هذا الدستور في ضبط تلك القيم وتحديدها، وبالتالي تحول من "دستور أزمة" إلى "دستور انتقالي".

وقال إن دستور 1989 - الذي عرف بأنه حالة من النوم السياسي- قد فتح أزمات على مستوى التعبير المؤسساتي، فنتجت عنه حالات استثنائية عدت بمثابة وسيلة تمهيدية لنشأة "الجمهورية الثالثة" وظهور التعديل الدستوري يوم 28 نوفمبر/تشرين الثاني 1996.

وقد ركز الكاتب في تناوله للجمهورية الثالثة على معرفة سماتها وأهم خصائصها، وذلك بدراسة دستور المرحلة الانتقالية بتناول المجلس الأعلى للدولة و"أزمة القانون الدستوري"، ثم استقراء بيان المجلس الدستوري والفراغ الدستوري، وطبيعة الاستقالة والانتخابات التشريعية ودولة القانون بتناول ردة فعل المجلس الأعلى للأمن.

"
دستور 1989 فتح أزمات على مستوى التعبير المؤسساتي نتجت عنها حالات استثنائية عدت بمثابة وسيلة تمهيدية لنشأة "الجمهورية الثالثة" وظهور التعديل الدستوري
"

كما أنه تناول في كتابه مفهوم الاستشارة في القانون وأهميتها وضرورتها، ودرس المجلس الأعلى للأمن وشرعية التعرض للأهداف المنشودة كالاستمرارية القانونية وضرورة قيام الدولة.

وتناول بالتحليل والوصف نظرية الظروف الاستثنائية من خلال نظامها القانوني، والتساؤل عن مدى تطبيق تلك النظرية في التشريع الجزائري من خلال التعرض للسلطات الاستثنائية لرئيس الجمهورية بموجب المادة 93 من الدستور، أثناء حالة الحصار وحالة الطوارئ، أو حالة لجوء الإدارة إلى وحدات الجيش لضمان الأمن العمومي.

وفي الأخير تناول الكاتب مدى مشروعية الهياكل المؤسساتية في المجلس الاستشاري الوطني من خلال نشأته وتنظيمه، والتعرض لدوره القانوني.

واختتم دراسته بعنوان التنظيم السياسي المقنن في أرضية الوفاق الوطني، من خلال تحليل الطبيعة القانونية لمؤسسات المرحلة الانتقالية.

المصدر : الجزيرة