عرض/سكينة بوشلوح

طغت كثير من التحولات الديمغرافية بمختلف أبعادها السياسية على مسرح الأحداث بمناسبة الحراك السياسي النوعي الذي تعيشه المجتمعات العربية منذ سنة 2011 بدءا من تونس وصولا إلى سوريا, وعاد الحديث بقوة عن جيل الشباب ودوره السياسي بمناسبة اندلاع هذه الأحداث التي أدت إلى تهديد وإسقاط أنظمة هرمة ومشاريعها في التوريث. أنظمة سيطرت فيها العائلة بوضوح على الفعل السياسي الرسمي فاحتكرت المال والسلاح والسياسة.

-الكتاب: لماذا تأخر الربيع الجزائري
-المؤلف: ناصر جابي
-عدد الصفحات: 232
-الناشر: منشورات الشهاب, الجزائر
-الطبعة: الأولى 2012

وظهرت فئة الشباب كمبادر في هذا الحراك قبل أن تتمكن من كسب تجنيد شعبي قوي من فئات اجتماعية واسعة ومتنوعة في غفلة عن أجهزة الدولة القمعية وجزء من المعارضة الرسمية التي تحدثت عن التغيير والإصلاح طويلا دون أن تنجزه على أرض الواقع.

إلا أن الجزائر صارت تظهر كحالة شاذة في منطقة الشمال الأفريقي بعد أن عرفت كل أنظمتها السياسية تغييرات متفاوتة العمق وبأشكال مختلفة، ليفرض السؤال نفسه: لماذا يستعصي التغيير السياسي في الجزائر؟ ولماذا يجعل أي محاولة للتغيير مكلفة ولا تحقق المطلوب منها في نهاية المطاف؟

يحاول المؤلف ناصر جابي الإجابة عن هذا السؤال من خلال دراسة تحليلية لما يحدث في الجزائر.

الانتقال على الطريقة الجزائرية
يفترض الكاتب أن في الجزائر ثلاثة أجيال سياسية أساسية سيكون لها الدور في عملية الانتقال السياسي، التي لن تكون سياسية فقط بل ديمغرافية وذلك مما يزيد قطعا من صعوبتها. فالانتقال السياسي يعني انتقال السلطة من جيل قاد ثورة التحرير ووصل إلى السلطة وهو صغير جدا في السن، ليستمر على رأسها دون التفكير في الابتعاد قناعة منه أن الأجيال الأصغر سنا ما زالت قاصرة لا تملك تلك الشرعية الثورية التي يبني هو عليها مجده السياسي، ولا تملك التجربة التي تسمح لها بالوصول إلى مراكز القرار، وهي في نظره أجيال مشكوك في ولائها للجزائر.

أما الجيل الثاني حسب الكاتب فهو المولود في السنوات الأخيرة من الثورة وبداية الاستقلال، جيل استفاد من فرص التعليم الواسعة وتكيف مع المدينة بقيمها وسلوكاتها. وقد تكفّل بالتسيير الاقتصادي والاجتماعي لكن تحت سيطرة الجيل الأول وتنفيذا لتعليماته.

عرف هذا الجيل العمل السياسي الحزبي تحت أشكال مختلفة لكن محدودة، فقد غامر بعض ممثليه بالانخراط في العمل الحزبي السري أثناء فترة الأحادية داخل التنظيمات السياسية المختلفة اليسارية والأمازيغية والدينية لاحقا.

ومع بروز علامات الإعياء الأولى على مشاريع الدولة الوطنية واستفحالها في الثمانينيات، ولد الجيل الثالث وفتح عينيه على دولة تتخبط في عديد من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ليبادر بالاحتجاج كشكل رئيس للتعبير عن نفسه ومطالبه، رافضا الانخراط في المؤسسات الرسمية القائمة وحتّى تلك التي كونتها المعارضة لاحقا كالحزب والجمعية والنقابة، مشككا في الخطاب السياسي والإعلامي الرسمي، ليكون الاستثناء الوحيد هو حالة الإسلام السياسي الراديكالي ممثلا بالجبهة الإسلامية للإنقاذ التي امتطت هذه الحركات الاحتجاجية التي بادر بها شباب المدن من أبناء هذا الجيل من أجل طرح قضايا اجتماعية واقتصادية أساسا.

ركبت الجبهة الحركة دون أي عمل إصلاحي أو فكري، مما جعلها تستفيد من قوتها وعنفوانها دون أن تتمكن دائما من التحكم فيها وتسييرها خلال فترة الأزمة والاضطرابات. كانت الجبهة الإسلامية للإنقاذ أقرب لمنطق هذه الحركات الاحتجاجية منها إلى التنظيم الحزبي، مما قد يكون عامل تفسير قوي لفهم حضور الشباب داخلها بهذه الكثافة عكس الأحزاب السياسية الأخرى، بما فيها الدينية كحركة النهضة أو حركة مجتمع السلم التي لم تتمكن من ركوب هذه الحركة الاحتجاجية، ناهيك عن الأحزاب اليسارية التي عاشت أزماتها الكبرى خلال هذه المرحلة بالذات.

ركبت جبهة الإنقاذ الإسلامية حركة الاحتجاجات دون أي عمل إصلاحي أو فكري، مما جعلها تستفيد من قوتها وعنفوانها دون أن تتمكن دائما من التحكم فيها وتسييرها

فشلت هذه المشاركة السياسية للشباب لأول مرة بعد الاستقلال في تحقيق أهداف مقبولة بعد أن أوصلتها التيارات الدينية الجذرية إلى مأزق فعلي جراء العنف المسلح الذي مارسته ضد الدولة الوطنية والجيل الذي يسيطر عليها.

ويشير الكاتب إلى أن هذه النظرة السلبية تعمّقت أكثر بمناسبة المواجهة التي عرفتها الجزائر خلال عقد كامل، وازدادت حدة بالفروق الاجتماعية وكذا انتشار الفساد بكل أشكاله في مجتمع آمن طويلا بالمساواة بين أفراده.

النظام السياسي وصناع القرار
يرى الكاتب أن فترة نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات في الجزائر قد عرفت الكثير من الأحداث السياسية النوعية على أكثر من صعيد، فقد شهدت هذه الفترة أحداث أكتوبر 1988 الشهيرة، التي أعقبتها تغييرات سياسية ودستورية مهمة نقلت الجزائر إلى التعددية لتظهر على السطح الكثير من الأحزاب السياسية والجرائد والمجلات المستقلة.

كما شهدت فتح مجال وسائل الإعلام الحكومية كالتلفزيون والإذاعة، رغم بقائهما تحت سلطة الدولة التي رفضت حتى عام 2011 فتح القطاع أمام الاستثمار الخاص، وبروز الآلاف من الجمعيات والنقابات، وكانت من النتائج المباشرة للمصادقة على دستور 23 فبراير/شباط 1989 الذي أقر مبدأ الاعتراف بالحريات الفردية والجماعية. كما شهدت فتح مجال النقاشات السياسية والفكرية وطرح الكثير من القضايا الآنية والتاريخية التي وجدت صدى لها في حركة نشر ناشئة تعددية لم تعرفها الجزائر منذ الاستقلال.

ثم إن فكرة التداول السلمي على السلطة وتنظيم انتخابات تعددية من النتائج المباشرة لهذا الإطار الدستوري والقانوني الجديد، الذي كانت انتخابات يونيو/حزيران 1990 المحلية وديسمبر/كانون الأول 1991 التشريعية الأولى في تاريخ الجزائر السياسي، إلا أنه تم إلغاؤها بعد الدور الأول منها ليعلن عن استقالة رئيس الجمهورية وحل المجلس الشعبي الوطني والكثير من التداعيات السياسية والأمنية.

وقد بدا واضحا أن النظام السياسي والاقتصادي أصبح في حاجة ماسة إلى الإصلاح، إذ يطرح الكاتب السؤال من جديد: من يبادر بالدعوة إلى الإصلاح؟ وما القوى المؤيدة له والأخرى المعادية أو المتحفظة عليه؟ ليخلص في النهاية إلى أن محاولات الإصلاح هذه زيادة على وصولها المتأخر لم تفلت من عيوب النظام نفسه وخصائصه في إخراجها وتصورها.

فقد بدت هذه الإصلاحات على شكل صراع بين النخب والأشخاص داخل النظام من دون الحد الأدنى من الشفافية، فكل طرف يريد أن يستغل هذه الإصلاحات والقوى الاجتماعية والسياسية ضد الأطراف الأخرى.

فلم يعرف المواطن مراكز القرار الرسمية التي اتخذت فيها هذه القرارات التي بدت وكأنها جزء من عملية سرية وتصفية حسابات شخصية، زادت في تدهور مصداقية المؤسسات والأهداف. 

كما لم يبادر أي مركز قرار -شخصا كان أو مؤسسة- بتبني هذه الإصلاحات والدفاع عنها علنا، باستثناء ما كان ينشر في بعض وسائل الإعلام بعيدا جزئيا عن اللغة السياسية والإعلامية الرسمية.

توقيف المسار الانتخابي كان أكثر من ضرورة لحماية الديمقراطية الناشئة والأمن العمومي والدولة الوطنية، وعلى الساحة الدولية وبمجرد اتخاذ القرار وبداية تطبيق مخطط قيادة الجيش للتعامل مع المستجدات

فقد تميزت هذه الفترة بصراعات بين قيادات الحزب وكل الحكومات المتعاقبة، فقد رفضت السلطة التنفيذية أن تتحول جبهة التحرير -حتى في ظل التعددية- إلى مركز قرار مستقل أو شبه مستقل بعيدا عن سيطرة الجهاز التنفيذي كما كان سائدا تاريخيا, وهذه الصراعات كان على رأسها محطة الانتخابات المحلية التي نظمتها حكومة مولود حمروش الإصلاحية المحسوبة على جبهة التحرير، لتفوز فيها جبهة الإنقاذ الإسلامية.

وبدل أن تكون هذه الانتخابات عامل استقرار لمؤسسات الدولة وطريقا للتعبير عن السيادة الشعبية فإن نتائجها المسبقة وعواقبها المباشرة عجلت -حسب رأي الكاتب- بالفوضى، وربما بوضع حد للتعددية الناشئة والنظام الدستوري المبني على الديمقراطية.

وصار المسلك الأقل مجازفة هو إحداث نوع من المسرحية السياسية لضمان تجنب تفكك منتظر لمؤسسات وأسس الدولة, تفكك سيكون مدمرا لوحدة الجيش وقوات الأمن.

كان لا بد من إيجاد إخراج مدني لهذا القرار العسكري الذي اتخذته قيادة الجيش حيال الانتخابات، فتوقيف المسار الانتخابي كان قرارا صعبا حسب شهادة الجنرال خالد نزار لأنه في تناقض مع سيرورة قانونية لانتخابات مقررة من طرف سلطة شرعية، لكن على مستوى الدلالات العميقة فإن توقيف المسار كان أكثر من ضرورة لحماية الديمقراطية الناشئة والأمن العمومي والدولة الوطنية.

ومن هنا يؤكد الكاتب أن النظام السياسي الجزائري تميزه السرية وسيطرة مؤسسة الجيش ومخابراتها على القرار السياسي وتبعية المدني في علاقاته بالعسكري، والازدواجية بين مظهر مدني ثانوي يستعمل كمكان لإخراج وتبليغ القرارات وباطن عسكري وأمني مسيطر فعليا.

إن صناعة القرار داخل نظام سياسي بهذه الصفات سمته ضعف مشاركة المؤسسات التمثيلية كالبرلمان، وحتى بعد الانتقال إلى التعددية فقد بقي البرلمان على هامش النواة الفعلية للسلطة فلم يتحول عمليا إلى مركز لصناعة القرار حتى عندما منحه الإطار الدستوري والقانوني هذا الحق. يكفي التذكير هنا بالكثير من القرارات الاقتصادية منها، كقانون المحروقات 2005، أو السياسية كقانون الجنسية والأحوال الشخصية، وتلك القوانين المتعلقة بالمصالحة الوطنية، وقبلها قانون الوئام المدني.. إلخ.

فقد اختار الرئيس بوتفليقة تمرير كل هذه القوانين عن طريق أوامر رئاسية بعد اللجوء إلى الاستفتاءات الشعبية الأحادية فيما يخص البعض منها على الأقل، دون أن يتمكن المواطن المعترض أو حتى المتحفظ من إبداء رأيه والمشاركة في نقاش عام بمناسبة هذه الاستفتاءات.

الحركات الاحتجاجية.. إعادة إنتاج الذات
يرى الكاتب أن المقارنة بين أحداث تونس والجزائر ضرورية للإجابة عن تساؤل مهم هو: لماذا نجحت ثورة تونس على الرغم من الهدوء الذي ميز هذا البلد تقليديا، وتعثرت احتجاجات الجزائر الكثيرة في تحقيق أهدافها؟

ويرجع المؤلف السبب إلى افتقار الحركات الاحتجاجية في الجزائر إلى شعارات محددة ذات طابع سياسي أو اجتماعي، وهو ما جعل الخطاب الإعلامي الرسمي ينفي عنها أي توجه سياسي ويحصرها في احتجاجات ضد رفع أسعار بعض المواد الغذائية، ويرفع من الفاعل الرئيس -وهم الشباب والمراهقون- صفة تمثيل المجتمع ملصقا به قابلية التضليل والقصور عن التمييز.

وفي المقابل رفضت السلطة الزج بالشرطة في مواجهات مع الشباب المحتجين والاكتفاء بالدفاع، مما قلص من الخسائر البشرية.

ويخلص الكاتب في نهاية تحليله للاحتجاجات الحاصلة في الجزائر بدءا من أكتوبر/تشرين الأول 1988 إلى يناير/كانون الثاني 2011؛ إلى ضعف تنظيمها وغياب أي جهة للأحزاب السياسية والجمعيات والنقابات في تأطيرها حتى بعد انطلاقها، وهذا معاكس لما حصل في تونس. وإذا كانت العوامل الاقتصادية والاجتماعية هي الشرارة المحركة، إلا أن حالات الفساد التي انتشرت في السنتين الأخيرتين جراء مشاريع استثمارية كبيرة بادرت بها الدولة بعد التحسن المالي كان لها أثر كبير في توليد حالة تذمر تعبر عن أزمة في توزيع الثروة الوطنية بين الطبقات والفئات، وهذا أدى بالحركات الاحتجاجية إلى قابليتها لتكرار نفسها بالأشكال نفسها تقريبا وفي سبيل المطالب نفسها.

افتقار الحركات الاحتجاجية في الجزائر إلى شعارات محددة ذات طابع سياسي أو اجتماعي هو ما جعل الخطاب الإعلامي الرسمي ينفي عنها أي توجه سياسي ويحصرها في مطالب خاصة

هذه التكرارية تؤكد عجز القوى الشعبية في التعبير عن مشكلاتها من خلال وسائل تمثيل عصرية، وهو العجز الذي يشير إلى أن عملية الانتقال السياسي في الجزائر قد تكون مكلفة إذا لم تنجح عمليات الإصلاح التي دعت إليها السلطة بعد التطور في المشهد العربي.

إذ غير الخطاب السياسي الرسمي موقفه من احتجاجات اعتُبرت أعمال شغب قام بها شباب، بل عمم ذلك أيضا على أحداث أكتوبر التي تحولت فجأة إلى أول ثورة ديمقراطية في العالم العربي قبل عشرين سنة من ثورة تونس ومصر، واستطاعت السلطة شراء نوع من الأمن الاجتماعي ليختفي بعد ذلك هذا الحراك الذي لم يعمر طويلا، واختفت قبله بوادر الربيع الأول في الجزائر.

فهل قدرها أن يفرغ الشارع من السياسة والأداة السياسية، ليستمر مسلسل الصراع الأخرس والأصم في هذا البلد الذي تعود دفع الثمن غاليا مع كل تحول ينجزه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك