عرض/ شادي الأيوبي

تحت عنوان "الربيع العربي.. الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، صدر حديثا للمحلل الإستراتيجي والناشر اليوناني فاسيليس ياناكوبولس كتاب يرصد فيه الظروف التي أدت إلى قيام الثورات في البلاد العربية، ويواكب تلك الثورات، كما يدلي برأيه حول مستقبلها ومآلاتها.

- الكتاب: الربيع العربي.. الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
- المؤلف والناشر: فاسيليس ياناكوبولس
- عدد الصفحات: 350
- الطبعة: الأولى 2012 

ياناكوبولس الضابط اليوناني المتقاعد برتبة لواء، زار معظم الدول العربية، وكانت له مناقشات ومقابلات مع محللين إستراتيجيين ومتابعين لقضايا العالم العربي، مما يجعل خبرته عملية بعيدة عن مجرد التنظير. 

قسم المؤلف كتابه إلى 11 فصلا، يتحدث في الفصل الأول بشكل عام عن الموقع الجغرافي للعالم العربي وأهميته الإستراتيجية للسياسة الدولية، كما يتحدث عن الموارد الطبيعية فيه، لا سيما النفط الذي قال إنه يؤثر بشكل كبير على الاقتصاد الدولي ومن ثم على السياسة الدولية، بحيث يعتبر نفط الدول العربية منظما لسعر النفط العالمي.

وتحدث المؤلف عن السكان العرب والأقليات المنتشرة بينهم، ومشكلة المياه، ثم سرد نبذة مختصرة عن تاريخ الإسلام والفرق بين السنة والشيعة، والحركات الإسلامية وما يعرف باسم "الجهادية السلفية"، كما تطرق إلى تعريفات الكتاب المعاصرين لمصطلحات مثل "الأمة" و"الجهاد".

تونس ومصر وليبيا
يتحدث ياناكوبولس في الفصل الثاني عن تونس قبل ثورة الياسمين وشخصية بورقيبة الذي يشبهه بكمال أتاتورك، ثم يعرج على شخصية الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي وحظره حركة النهضة الإسلامية، وتبنيه حكما شمولياً أقصى معارضيه واتصف بالفساد. ثم يتحدث عن الثورة وإطاحتها ببن علي والمرحلة التي تلت ذلك، ويعتبر أن الإطاحة به لم تأت نتيجة الوضع الاقتصادي السيئ فقط، بل نتيجة كذلك للضغط المستمر على الشعب والبطالة وفساد الطبقة الحاكمة.

في الفصل الثالث يعرج المؤلف على مصر منذ ثورة 1952 وصراعها مع حركة الإخوان المسلمين، ويتحدث عن الحريات الدينية واستقلال القضاء والفقر في الطبقات المصرية، ثم عن بدء "أيام الغضب" التي أطاحت في نهايتها بحكم مبارك.

يتحدث هذا الفصل عن النشاط الدبلوماسي الذي حاول رئيس الوزراء اليوناني السابق يورغوس باباندريو القيام به عبر رحلة إلى القاهرة تأجلت في النهاية، لأنه كان واضحاً أن نهاية عصر مبارك قد حسمت. ويرصد رد فعل الدول الغربية التي كانت راضية بهذه النتيجة وقلقة من المستقبل في الوقت عينه، وتأثير سقوط مبارك على القضية الفلسطينية وخاصة قطاع غزة.

في الفصل الرابع المخصص لليبيا، يتناول ياناكوبولس نظام القذافي المتهم بالإرهاب العالمي، وانطلاق الثورة من مدينة بنغازي التي انتصرت على نظام القذافي بمساعدة حلف الناتو، وأجرت الانتخابات الأخيرة.

ويعتبر المؤلف أن تركيا اتخذت موقفاً شعبوياً تجاه المسألة الليبية برفضها العمليات ضد قوات القذافي، ثم اتخذت موقفاً عمليا بالمشاركة فيها كي لا تبقى خارج إطار دوائر اتخاذ القرار الدولية. كما اعتبر أن أثينا التي كانت لها علاقات متميزة مع نظام القذافي، يجب أن تتحرك بسرعة للحفاظ على مصالحها -لا سيما الاقتصادية- مع طرابلس.

ويقدر أن ثمة تحديين يواجهان ليبيا ما بعد القذافي: وحدة الشعب الليبي، وإعادة الازدهار الاقتصادي.

اليمن والمغرب والجزائر
في الفصل الخامس الخاص باليمن يعتبر المؤلف أن التهديدات التي تواجه الحكومة اليمنية تأتي من تنظيمي القاعدة والحوثيين وانفصاليي الجنوب، إضافة إلى الساخطين الجدد من الشباب والثوار. ويعتبر أن الحكومة تسيطر على المناطق السكنية، في حين تسيطر القبائل على المناطق البعيدة، ويقول إنه حتى بعد تسلم الرئيس اليمني الحالي عبد ربه منصور هادي، لا تزال البلاد تسير في الفوضى.

سكان جنوب اليمن كانوا يشعرون أن نظام صالح كان يعاملهم كمواطنين من الدرجة الثانية، وأنه رغم الاتفاقيات التي تلت الوحدة لم يندمج الجنوبيون والشماليون اندماجا كاملا

ويضيف أن سكان جنوب اليمن كانوا يشعرون أن نظام صالح كان يعاملهم كمواطنين من الدرجة الثانية، وأنه رغم الاتفاقيات التي تلت الوحدة لم يندمج الجنوبيون والشماليون اندماجا كاملا.

ويعتبر أن أهمية اليمن بالنسبة للعالم تأتي من مضيق باب المندب ذي الأهمية الكبيرة للسلام العالمي، والذي يمر عبره ما يعادل 80% من احتياجات أوروبا النفطية. كما يعتبر أن مستقبل اليمن متوقف على قدرة الرئيس الحالي على إقناع مواطنيه بإجراء حوار شامل بعد إجراء انتخابات 21 يناير/كانون الأول 2012، ثم إعادة تشكيل الجيش وقوى الأمن وتشكيل أحلاف داخلية وخارجية.

المؤلف يرى في فصله السادس أن السلطات المغربية تراقب بنعومة حريات الصحافة والتعليم في مجتمع يصفه بأنه منفتح، بينما تتعاون الرباط مع الولايات المتحدة -التي تعتبرها حليفا معتدلا وثابتاً- لمكافحة الإرهاب الدولي، ويعتبر أن لوجود ومكانة الجالية اليهودية المغربية فضلا واضحا على هذه العلاقات.

ويرصد الكتاب بدء حركة التغيير في فبراير/شباط 2011 التي كانت تهدف إلى تحديد صلاحيات الملك المطلقة ومحاربة الفساد والحد من البطالة، متوقعاً أن يستمر الملك في بعض الخطوات الديمقراطية، دون أن يعني ذلك منح المزيد من السلطات لرئيس الوزراء والقضاء.

عن الحالة الجزائرية يقول المؤلف إن هناك هامشا من الحرية للصحافة الخاصة، وإن كان بعض الصحفيين قد تعرضوا لمضايقات لانتقادهم الحكومة، في حين ينتشر الفساد في القطاعين الخاص والعام في بلد يؤمن فيه النفط والغاز 65% من دخل الدولة.

تتعاون الحكومة الجزائرية مع الولايات المتحدة بشكل خاص في مجال مكافحة الإرهاب ومكافحة المخدرات والتدريب العسكري، بينما كانت تشارك منذ 1995 العام في الحوار الأورومتوسطي، ثم انضمت إلى اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي.

ما بين 3 و5 يناير/كانون الثاني 2011 حدثت احتجاجات في الجزائر على خلفية المطالبة بإصلاحات اقتصادية واجتماعية، مما حدا بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى طلب رفع قانون الطوارئ، لكن المظاهرات استمرت وتزامنت مع استقالة الرئيس المصري حسني مبارك، وتعاملت الشرطة مع المظاهرات بقسوة، لكن ارتفاع أسعار النفط عام 2011 ساعد الحكومة على الاستجابة لمطالب المتظاهرين.

ويتوقع المؤلف أن الحكومة لو مررت المزيد من الإصلاحات الديمقراطية فستختفي أسباب قيام الربيع العربي في الجزائر.

سوريا والبحرين
عن الحالة السورية يقول ياناكوبولس إنه مع اندلاع الاحتجاجات كان أمام الرئيس السوري بشار الأسد خياران: إما سلوك نهج والده والبطش بالمتظاهرين، وهو خيار سيضعف النظام، أو تركهم في الشوارع يطالبون بإزاحته، وهو ما سيؤدي إلى المزيد من انتشار المظاهرات وعزلة النظام دولياً، لكن النظام اتبع الخيار الأول.

أما البحرين فيصفها المؤلف بالبلد المضيّق على الحريات، بينما تجلب الحالة البحرينية القلق لدول مجلس التعاون الخليجي. كما أن البحرين مهمة للولايات المتحدة وأسطولها، وينتهي إلى أنه مع خروج القوات الأميركية من العراق في ديسمبر/كانون الأول 2011، أصبحت لإيران اليد الطولى في الخليج، ولهذا على دول الخليج أن تعالج بذكاء وديمقراطية قضايا الأقليات الشيعية لديها، في حين ستعمد واشنطن إلى دعم أنظمة التسليح لدى تلك الدول لتحقيق التوازن مع ترسانة طهران.

من النتائج المتوقعة للربيع العربي اضطراب حالة الأمن إقليميا ودوليا، واضطراب سوق الطاقة الدولي والاقتصاد، وازدياد موجات الهجرة نحو الغرب والدول العربية الآمنة

النتائج المرتقبة
وفي نظرة أولية لنتائج الربيع العربي، يرى المؤلف أن من أهم نتائجه المرتقبة اضطراب حالة الأمن إقليميا ودوليا، واضطراب سوق الطاقة الدولي والاقتصاد، لا سيما اقتصاد الدول العربية غير النفطية، وازدياد موجات الهجرة واللجوء نحو الغرب والدول العربية الآمنة، وظهور مخاطر جديدة على الملاحة في المنطقة، ثم تعاظم دور تركيا.

يعترف المؤلف بأنه حتى ديسمبر/كانون الأول 2010 لم يتوقع قيام حركة تطيح بالأنظمة العربية، وكانت التوقعات تشير إلى الإطاحة بهم تقليدياً عبر الجيش لتقدمهم في السنّ، على أن الشعوب العربية كانت تتوق إلى "تغييرٍ ما نحو الحرية"، مشيراً إلى دور التقنيات الحديثة وشبكات التواصل وقناة الجزيرة في التسريع بسقوط هذه الأنظمة، مما شجع الشعوب الأخرى على الاستمرار في نفس الطريق.

وبعيداَ عن المفاجأة التي حملها الربيع العربي للغرب، يقول ياناكوبولس إن ما يشغل دوائر صناعة القرار فيه هو الأنظمة التي ستحل محل الأنظمة القديمة وتوجهاتها، إضافة إلى التأثيرات على سوق الطاقة العالمي. وتحاول عواصم -مثل واشنطن وتل أبيب وبروكسل وموسكو- معرفة تأثير الربيع العربي على نفوذها الدولي.

ويقول إن إسرائيل تشعر بقلق مستمر جراء تفاقم حالة الأمن الإقليمية، الأمر المرشح لصراعات مستقبلية، بينما تعتبر أنه من الممكن المسَ باتفاقيتي السلام مع الأردن ومع مصر، وهي الحالة الأخطر، حيث تمّ الترخيص لحركة الإخوان المسلمين في القاهرة وأصبحت قوة سياسية معتبرة، كما أثر الربيع العربي على الساحة الفلسطينية حيث تركت حركة حماس مقرها في سوريا كي لا تكون في الجانب الخطأ.

ويعتبر أن الربيع العربي تسبب بانشقاق حماس عن المحور الشيعي، مما يعني تغير معطيات الشأن الفلسطيني، وهو تطور يعده إيجابياً.

وعن الدول الأوروبية، يقول المؤلف إنها تعاونت حتى بدايات 2011 مع الأنظمة العربية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط لتأمين مرور الطاقة إليها، ومواجهة انتقال المسلمين المتطرفين إلى أراضيها، وصد موجات الهجرة غير الشرعية عنها. وقد وقعت مع تلك الأنظمة اتفاقيات ثنائية لتحقيق الأمن في المتوسط، تقوم على إصلاحات إجراء سياسية واقتصادية، لكن تلك الأنظمة لا تقوم بأي عملية إصلاح، ربما بسبب تغاضي الأوروبيين عن التزامها بالمعاهدات.

الأزمة الاقتصادية التي تمر بها أوروبا لا تترك لها مجالا لتوفير رؤوس أموال أكبر، كما أنه من المشكوك فيه أن الدول العربية التي ستحكمها حركات إسلامية، ستقبل بالتعاون أو التدخل الأوروبي في شؤونها الداخلية.

خلال 2011 حينما أدركت أنها لن تستطيع منع إسقاط الأنظمة الموالية للغرب، قررت الولايات المتحدة أن تحتفظ بموقف لصالح الشعوب العربية لخلق الظروف المناسبة للتعاون مستقبلاً مع الحكومات الناشئة.

مشكلات السياسة الأميركية لم تنحصر في دول المشرق العربي حيث التحدي هناك يتمثل في صعود الإخوان المسلمين إلى السلطة، فبعد انسحابها من العراق عليها الحفاظ على حلفائها النفطيين وسلامة المضائق البحرية. ويرى المؤلف أن تركيا في المرحلة الحالية أهم كحليف للولايات المتحدة منها في ما بعد فترة الحرب الباردة، بسبب التطورات الجديدة في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وشرق المتوسط.

مصير نظام الأسد ستقرره نوايا اللاعبين الخارجيين (أميركا وروسيا وإيران والجامعة العربية) حيث إن فرصة الحوار الوطني معدومة

سوريا والسيناريوهات المحتملة
وعن الحالة السورية، يعتقد المؤلف بأن مصير نظام الأسد ستقرره نوايا اللاعبين الخارجيين (الولايات المتحدة، وروسيا، وإيران، والجامعة العربية)، حيث إن فرصة الحوار الوطني معدومة.

وبناء على هذه المعطيات يتكهن بثلاثة احتمالات بشأن مسار الأزمة:
1- حصول صدامٍ ديني (مذهبي) واسع داخل سوريا، يزيد الضحايا، ويخلق موجات نزوح، كما يوتر الأمن الإقليمي.
2- بداية أعمال عدائية بين سوريا وتركيا أو بين سوريا وإسرائيل أو بين حزب الله وإسرائيل، مما يؤدي إلى توسع حالة الصراع إلى مستوى إقليمي.
3- اتخاذ قرار بتقسيم سوريا (ربما من وراء الكواليس) من اللاعبين الخارجيين الذين سيضغطون في المرحلة التالية على الأطراف المتصارعة للقبول بالتقسيم، وبهذه الطريقة ينجو النظام العلوي وينشئ السنة والأكراد كيانين لهم، وتخفّ الخسائر البشرية، ويعود اللاجئون إلى منازلهم، بينما تتحسن حالة الأمن الإقليمي، ويحتفظ اللاعبون الدوليون بحلفائهم الإستراتيجيين.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك