عرض/عوض الرجوب
يكتسب كتاب "قراءات في فكر حزب التحرير الإسلامي" أهميته من كونه يتحدث بشكل مباشر عن العديد من القضايا التي يتبناها ذلك الحزب مستندا في ذلك إلى مراجع ومصادر الحزب نفسه، وبعضها غير متاحة إلا لقيادات التحرير الإسلامي ذاته فقط.

ومن أبرز دوافع الباحث جواد بحر النتشة لإصدار كتابه -كما يقول- طلوع شمس حركات إسلامية عديدة تتقارب أو تتباعد في أهدافها وغاياتها وفي سبل بلوغها لأهدافها وغاياتها، حيث تطرق هنا إلى حزب التحرير.

-الكتاب: قراءات في فكر حزب التحرير الإسلامي
-المؤلف: جواد بحر النتشة
-عدد الصفحات: 280
-الناشر: مطبعة الهدى, فلسطين
-الطبعة: الأولى/2007


ويخاطب المؤلف شباب حزب التحرير وغيرهم بمنطلق عقلي وديني مستندا إلى الأدلة القطعية، وينتقد عددا من مواقف وفتاوى الحزب التي تتناقض مع أفعاله كما يقول.

ومن أبزرها أنه يعتبر الجهاد في حال احتلال أرض المسلمين فرض عين على كل مسلم، لكنه لا يقوم بشيء تجاه احتلال فلسطين.

قسم المؤلف كتابه إلى ستة فصول، يتحدث الأول عن التزام الحزب بالتبني ولو خالف الاجتهاد، وفي الثاني عن أخطائه في العقيدة، والثالث يسرد فتاوى يقول إن نصوص الشرع لا تعرفها، فيما يتناول الفصل الرابع موقف الحزب المحرم للجمعيات الخيرية، ويتناول في الخامس ضعفه في علم الحديث، وأخيرا يتطرق في الفصل السادس إلى موقف الحزب من العلم والعلماء والفتوى.

دراسة ذاتية
يشير المؤلف في مقدمة كتابه إلى أن دراسته ذاتية ولا تعبر بالضرورة عن رؤية ما لحركة ما على الساحة الفلسطينية أو العربية أو الإسلامية.

لكنه يضيف أن الدراسة إذا كانت تتلاقى وبعض الرؤى في الساحة الفلسطينية خاصة أو العربية والإسلامية عامة، فهذا من باب اللقاء الفكري الذي تتوزع الرؤية الواحدة فيه لأشخاص كثيرين وحركات كثيرة.

ويلفت النتشة إلى أنه أكثر في الدراسة من الاستناد إلى ما يسمى بـ "الدوسيتين" وهما دوسيتان جمع فيهما الحزب مجموعة الفتاوى والموضوعات السياسية والمذكرات الصادرة عنه، والغاية من ذلك التعرف على التكوينة الفكرية لهذا الحزب عن قرب من خلال أبرز مراجعه، سيما أنه يتبنى طروحات في أبواب السياسة ومسائل العقيدة والفقه وغيرها. لكن المؤلف لم يتحدث عن جوانب الحزب الإيجابية.

التبني عند الحزب

"
التبني لدى الحزب هو تبني موقف ورأي الحزب في قضية ما حتى لو كان للبعض قناعة بغيره، وفي الخلاصة يعتبر التبني ملغيا للاجتهاد الفردي
"
يقصد بذلك تبني موقف ورأي الحزب في قضية ما، حتى لو كان للبعض قناعة بغيره، وهنا الحزب يلزم شبابه بالتبني ويعاقب على الأخذ بالرأي غير المتبنى. وفي الخلاصة يعتبر التبني ملغيا للاجتهاد الفردي حسب مفهوم الحزب.

وتكمن أهمية التبني في أنه كما نصت إحدى نشرات الحزب يحافظ على الوحدة الفكرية والكيانية للحزب.

لكن المؤلف هنا يوضح أن الوحدة الفكرية والكيانية للأمة كانت متوفرة في عهد الجيل الأول من الصحابة رغم تعدد الآراء واختلاف الاجتهادات، الأمر الذي يلغيه الحزب ويمنعه.

وفي انتقاده لمبدأ التبني يقول إنه لو كان التبني حاميا للحزب لما خرج منه رغم تبنياته أعلام كانوا في يوم ما يتبوؤون مقامات عالية فيه من أمثال الشيخ محمد الشويكي في بيت المقدس وفريقه الذي خرج معه من الحزب، وقدموا ما أسموه الحركة التصحيحية، وكان من أهم ما قاموا به أن تراجعوا عن آراء الحزب التي رأوها خاطئة خاصة المتبنى منها.

الأمر الآخر الذي يشير إليه الكاتب في هذه القضية هو عدم وجود حد فاصل بين المتبنى وغير المتبنى وأن لا مسافة تفصل المتبنى عن غيره من حيث مسؤولية الحزب عنه، فجميعه في الحقيقة رأي الحزب.

ويضيف أن العمل بالمتبنى هو التزام بحمل الأفكار والآراء المتبناة، وأن لا يحمل إلى الناس شيء غيرها، وألا يعودوا إلى سواها سواء اقتنع أم لم يقتنع بها، وبالتالي فسيف الاتهام بنقض العهد والميثاق والنهاية ومن ثم الخروج من الحزب مصلت على رقبة من يخالف المتبنى، وهكذا يقف التبني للأحكام والأفكار التي يراها الحزب حدا فاصلا بين استمرار العضو في الحزب وبين عدم استمراره فيه.

وينتهي المؤلف إلى أن التبني على النمط التحريري يحول دون مساندة الشباب على الإبداع، ويجبرهم على تبني رأي لا يقتنعون به مما يعني إنكار الاجتهاد والأخذ برأي الحزب.

المسائل الفقهية

"
الجهاد عند حزب التحرير فرض عين إن هجم العدو حتى يطرد من أرض المسلمين، فأين فعل حزب التحرير فيما يتعلق بهجوم العدو على فلسطين واحتلاله لها؟
"
ومما يأخذه النتشة على الحزب، أنه لا يترك مسائل الفقه للعلماء يصدرون فيها ما يؤديه إليه اجتهادهم بل يذهب هو وعلى قلة من العلم إلى ما أدى إليها منهجه الذي يجعله يرفض إعطاء العلم اهتماما كافيا.

ويستعرض المؤلف بعض الفتاوى التي يقول إنها خالفت النصوص الشرعية وشغل الحزب بها شبابه وشباب الأمة في عدد من المواقع ومنها إباحة النظر إلى العورات سوى السوأتين، رؤية العورات المغلظة، رؤية عورة الأرحام المغلظة، إباحة تقبيل الأجنبية بغير قصد الزنا، إباحة رؤية أفلام الخلاعة.

ويصف هذه المخالفات بأنها من إخلالات الحزب بالأخلاق والقيم ومخالفة صريحة للنصوص لكنه يضيف أنه لا يتهم التحرير الإسلامي بسوء المقصد ولا يعتبره ينوي ترويج الحرام بين المسلمين، لذا دعاه إلى إعادة النظر في تلك الفتاوى.

وفيما يتعلق بموقف الحزب الإسلامي من الجهاد يقول إن الجهاد حسب رأي الحزب فرض كفاية ابتداء، وفرض عين إن هجم العدو على من هاجمهم، ولا يسقط هذا الفرض حتى يطرد العدو وتطهر أرض الإسلام من رجسه.

ويعلق المؤلف على ذلك بالقول: ثمة أرض يعرفها الجميع هوجمت قبل أن ينشأ الحزب ذاته هي فلسطين، فالجهاد على تنظير الحزب فرض عين على أهلها بمن فيهم حزب التحرير في ولاية فلسطين وذلك حتى يطرد العدو، فأين فعل الحزب فيما يتعلق بهجوم العدو على فلسطين واحتلاله لها؟

وخلص إلى أن الحزب لا يفعل شيئا في تطبيق تنظيره فيما يتعلق بفلسطين، معتبرا ذلك ضربا من ضروب الانفصام بين النظرية والتطبيق، مشيرا في باب آخر إلى فتوى للحزب بفرضية الجهاد تحت راية الحاكم العميل لتنفيذ خطة لدولة كافرة.

الموقع من الجمعيات

"
الجمعيات الخيرية في نظر الحزب عمل من الأعمال التي حرمها شرع الله سبحانه وتعالى وهي على هذا الاعتبار غدت صخرة في طريق الإسلام
"
في فصل مستقل يتناول النتشة بشيء من التفصيل موقف الحزب من الجمعيات الخيرية، مشيرا إلى رؤية التحرير بأن العاطفة الكامنة في الأمة تنفست عبر الجمعيات التي سبق وأن حكم عليها بأنها لم تجد نفعا، وبالتالي فهي في نظره عمل من الأعمال التي حرمها شرع الله سبحانه وتعالى وهي على هذا الاعتبار غدت صخرة في طريق الإسلام.

وتساءل: إذا كان التحرير الإسلامي قد حكم على الجمعيات في بدايات تأسيسه بأنها لم تجد نفعا، فهل يمكن القول إن الأمر ذاته حدث بالضبط مع الحزب الذي مضى على تأسيسه عشرات السنين دون أن يقدم نفعا؟

وحسب فتوى الحزب فإن التحريم يأتي من جهتين: أولا لأن رعاية الشؤون العامة هي من صلاحيات الدولة وحرام على غيرها رعايتها. وثانيا لأنها تمتص العاطفة المتأججة نحو التكتل الصحيح.

ويرد المؤلف على أسباب التحريم فيما يتعلق بمسألة تنفيس العاطفة أن التحرير نفّس العاطفة النبيلة التي هيمنت على شبابه فشغلهم بثقافته عبر حلقاته وبالمسيرات والندوات والمؤتمرات، وفيما يتعلق برعاية الشؤون العامة تساءل الكاتب: إن موقف الحزب يعني ترك كثير من مصالح الأمة معطلة خاصة في ظروف الاحتلال.

علم الحديث
من القضايا الأخرى التي يتطرق لها النتشة ضعف الحزب في علم الحديث سواء من حيث رؤيته لمصدر الحديث، أو لتعدد طرق الأحاديث التي يرى التحرير الإسلامي أن تعدد المصادر لا يقوي الحديث.

"
الحزب بعيد عن أصول العلم الشرعي بعدا يمنعه من التأهل للحكم في قضايا الأمة ومسالك أجيالها, ويمنعه كذلك من التأهل للحكم في الجوانب العقائدية والفقهية والسياسية للأمة
"
وأشار المؤلف إلى استشهاد الحزب في كثير من إصداراته بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، وبالتالي تحويل ذهن شباب التحرير عن العلم بالحديث إلى قرار الحزب.

وتناول موقف التحرير من العلم والعلماء والفتاوى، مشيرا إلى مشكلته في "خلط الغث بالسمين" مضيفا أنه من حق الحزب بل من واجبه مواجهة علماء السوء، غير أنه ليس من حقه أبدا الادعاء أن معظم العلماء الخريجين من المعاهد الشرعية من صنف الجهلاء وأن معظم خريجيها يحملون الإسلام ويفهمونه كما أراده المستشرقون!

وأضاف النتشة أن جرة قلم الحزب جعلت معظم العلماء وعلى رأسها علماء الأزهر الشريف ممن وقعوا تحت سيطرة الرؤى الاستشراقية في فهم الإسلام، على حد تعبير التحرير الإسلامي في نشراته.

وينتهي الكاتب في الخلاصة إلى أن التحرير بعيد عن أصول العلم الشرعي بعدا يمنعه من التأهل للحكم في قضايا الأمة ومسالك أجيالها؛ ويمنعه كذلك من التأهل للحكم في الجوانب العقائدية والفقهية والسياسية للأمة.

المصدر : الجزيرة