عرض/إبراهيم غرايبة
يعرض الكتاب أخبار الحكيم الآشوري أحيقار وأقواله المدونة باللغة الآرامية، وهي حكم وأخبار مشهورة في التراث العالمي تشبه حكم غلغامش ولقمان الحكيم وغيرها من الآثار العالمية الخالدة. ويتناول الكتاب حياة الحكيم أحيقار وما تضمنته من حكم وعبر.

وقد أورد المحقق كثيرا من النصوص التي وردت في لغات عدة، وقارن فيها بين حكمة أحيقار وأيسوب اليوناني ولقمان الحكيم.

وتنطلق حكم أحيقار من العالم الوثني، ولكنها دروس أخلاقية وحكم على قدر من الشمول والعمق والخلود يناسب العصور والسلوك الإنساني، ويعد كتابه من أقدم كتب الأدب والحكمة في العالم، وهو نموذج للأدب المستمد من المفهوم الأخلاقي للحياة، والحكمة المستمدة من التجربة والواقع، والبحث عن العبر العملية لتطبيقها في الحياة اليومية أكثر مما هي تعاليم دينية.

- الكتاب: أحيقار.. حكيم من نينوى وأثره في الآداب العالمية القديمة
- المؤلف: سهيل قاشا (ترجمة وتحقيق ومسؤولية أدبية وفكرية)
- عدد الصفحات: 447
- الناشر: دار بيسان للنشر والتوزيع، بيروت
- الطبعة: الأولى 2005

الحكمة الآشورية
لقي كتاب أحيقار في الحكمة والأخبار الآشورية انتشارا وتداولا عالميا، وشمل الحكم والأخبار في كثير من الحضارات والأمم.

وأقدم نسخة معروفة للكتاب هي باللغة الآرامية، وجدت في جزيرة الفيلة قرب أسوان في مصر، وأضاف السريان والأرمن إلى الكتاب من تراثهم، ووصل أحيقار إلى العرب مع لقمان الحكيم، واليونان مع أيسوفوس، الذي قدم إلى التراث اللاتيني مصدرا أصيلا وصافيا من مصادر الأخلاق والحكمة.

وجاءت أخبار أحيقار أيضا في العهد القديم (الكتاب المقدس لليهود والمسيحيين) في سفر طوبيا في المخطوط الإسكندراني والمخطوط السينائي.

ومن المعروف أن وادي الرافدين مر بفترات عظم فيها الإيمان بوجود "حكماء" يوجهون أعمال الملوك وهم بمثابة مستشارين لهم. ويساهم هؤلاء بشكل مباشر وغير مباشر في تعليم الأفراد والأمة في الوقت الذي هم فيه قريبون من الملك والسلطة يشيرون عليه بالنصيحة ويرشدونه إلى خير الأمور وأحسنها، وقد أسهموا في تطوير المعارف الإنسانية خلال أجيال متعاقبة وطويلة.

وفي العهد الآشوري والبابلي كان بعض هؤلاء الحكماء يظهرون على المنحوتات البارزة على هيئة طيور وأسماك، وهم في هذه الصور الرمزية المعروفة يرتبطون بصورة أوضح بعالم "آيا" وهو عالم الحياة.

إن أهم مجموعة آشورية من الحكمة المتحدرة من تراث بابل وسومر كانت شائعة بين طبقات العامة اكتشفت على لوحة كبيرة مؤلفة من أربعة حقول، وقد ظهرت ست قطع منها بين رقم خزانة آشور في أنقاض نينوى وبين أنقاض مدينة آشور وجميع هذه القطع من العهد الآشوري المتوسط.

نشأ الأدب الآرامي وازدهر في ما بين النهرين تحت تأثير المسيحية، ومن هنا أخذ طابعه المسيحي ونسبته إلى علماء وأدباء مسيحيين.

وقد اشتهر علماء الآراميين الذين عكفوا على دراسة الفلسفة اليونانية كأساتذة مدرسة الرها في القرن الخامس الميلادي، أو العلوم الطبيعية أو الطبية، أمثال سرجيوس الراسعيني في القرن السادس والأطباء المسيحيين الذين اشتهروا في بغداد على عهد الخلفاء العباسيين.

ومن المفيد جدا أن نلقي نظرة على سفر طوبيا، وهو أعظم أثر كتابي حي يمت بالصلة الوثقى إلى قصة أحيقار ابن أخي طوبيا.

ويذكر أحيقار في هذا السفر مرارا، وإن كنا لا نحوز نصا أراميا قديما لسفر طوبيا، إلا أن المصطلحات الآرامية التي ظهرت في نسخ عديدة، كافية للبرهان على أن كتابه نسج على منوال قصة أحيقار وحكمته نصا وروحا، الأمر الذي يؤيد أنهما صدرا عن بيئة واحدة هي نينوى بالذات.

أما الأسماء التي وردت في القصة فهي: أحيقار، وسرحدوم وسنحاريب، ونادان، ونبو سمك، ونبوحال/نبوحيل، وطب شلام/ طابشليم/ طبشلوم، ونبوزرادان، ومنزيفار، وأبيقام. أما أسماء الآلهة فهي نبو، وبيل، وبلشيم/شمئيل/شمين.

وقبل اكتشاف النص الآرامي القديم كانت قصة أحيقار وحكمته معروفتين ومشهورتين، فقد وجدت منها نسخ عديدة وانتقلت إلى الآداب الشرقية القديمة، فوجدت في الهند وظهرت في الليالي العربية "ألف ليلة وليلة" بحلتها المعروفة في النسخ السريانية، كما ظهرت في الآداب الأرمينية وغيرها حاملة الصفات نفسها التي نجدها في النسخ الآرامية الحديثة.

ولدت حكمة أحيقار في بلاد نينوى وآشور، وترعرعت في بلاد ما بين النهرين، وهي بمثابة مصدر للحضارة في وادي الرافدين مرورا بالسومرية والآكادية والبابلية والآشورية، وتعرض الحياة الدينية والأخلاقية والإبداع بفكر عميق ولغة بليغة، وقد حظيت هذه الحكمة باهتمام الأجيال اللاحقة، ونالت شهرة واسعة، فهي خلاصة للحكمة القديمة.

"
وصل أحيقار إلى العرب مع لقمان الحكيم، واليونان مع إيسوفوس الذي قدم للتراث اللاتيني مصدرا أصيلا وصافيا من مصادر الأخلاق والحكمة
"
من هو أحيقار؟
قد يكون أحيقار اسما لشخص عاش فعلا في زمن الملكين الآشوريين سنحاريب وأسرحدون، وقد يكون لقبا أو صفة أو اسما أو مهنة أو حرفة، فالعظيم والعظمة يصبحان أسطورة لأن التاريخ ليس تسجيلا وتصويرا ونقلا، بل "يبدأ التاريخ حين يبدأ الناس في التفكير بانقضاء الزمن، ليس بمعايير السياقات الطبيعية-دورة الفصول، أمد الحياة البشرية، وإنما بوصفه سلسلة من الأحداث المحددة التي ينخرط الناس فيها بصورة واعية".

ويظهر النص الآرامي الذي اكتشف في جزيرة الفيلة عام 1906 -ويعتقد أنه كتب في القرن الخامس قبل الميلاد- أن أحيقار كان مستشارا للملك الأشوري أسرحدون ثم ابنه سنحاريب وحامل أختامهما. ولم يكن لأحيقار أولاد يخلفونه، وتقدم في العمر، فعلّم ابن أخته نادان ودربه ليكون حكيما ومستشارا للملك أسرحدون ويتولى مكان أحيقار.

ولكن نادان أضمر لخاله الشر وبدأ يكيد له وسعى في قتله، فقد أوغر صدر الملك أسرحدون عليه فأمر بقتله، ولكن القائد نبوسمكن الذي كلفه الملك بقتل أحيقار أخفاه عن الأنظار وادعى أنه قتله.

والنص يروي القصة على لسان أحيقار نفسه، ويقول إنه ظن أن نادان ابن أخته قد تلقى الحكمة ولكنه أعرض عنها، وجعل يقول إن أحيقار شاخ وخرف واختلت معرفته وتضاءلت حكمته، بل أخذ يسيء إلى أحيقار ويعتدي على أملاكه ويتدخل في شؤونه الخاصة.

ولما رأى نبوزرادان مرة في بيت أحيقار ظن أنه يريد أن يعلمه الحكمة ليحل محله عند الملك، فدس على أحيقار رسائل بينه وبين ملك الفرس وملك مصر للتآمر على الملك سنحاريب، فغضب هذا وأمر بقتل أحيقار.

وعندما علم فرعون ملك مصر بمقتل أحيقار (لم يقتل في الحقيقة، ولكن أشيع ذلك وجرت مراسم دفن وعويل طويلة، والناس تظن أنه قتل)، أرسل إلى سنحاريب أنه يحتاج إلى حكيم يجيب على كل مسألة، وسيعطيه في المقابل غلات مصر ثلاث سنوات، ولكن إن عجز فعلى ملك آشور أن يعطي غلات العراق ثلاث سنوات.

فجمع الملك حاشيته ونبلاءه وقال هل يوجد حكيم يذهب إلى فرعون ويجيبه ويأتي بغلة مصر لثلاث سنوات، فقالوا له: لا يقدر على ذلك إلا أحيقار، ولعل ابن اخته نادان يكون قد تعلم حكمته.

فدعا الملك مستشاره نادان وعرض الأمر عليه، فقال له إن الآلهة لا تقدر على ذلك فكيف بالبشر، فنزل الملك عن عرشه واغتم كثيرا وقال يا أسفى عليك يا أحيقار، إني فقدتك بسعاية صبي فمن يعيدك إلي الآن فأعطيه ثقلك ذهبا.

ولما سمع القائد نبوسمك هذا الكلام سجد أمام الملك وأخبره بأن أحيقار لم يقتل، وأعيد له الاعتبار وسافر إلى مصر، وأسمع فرعون كثيرا من الحكم والإجابات على أسئلته، وأظهر من الحيل والطرف ما أدهش فرعون وحاشيته، وأعطى لملك آشور خراج مصر ثلاث سنوات.

"
قد يكون أحيقار اسما لشخص عاش فعلا في زمن الملكين الآشوريين سنحاريب وأسرحدون، وقد يكون لقبا أو صفة أو اسما أو مهنة أو حرفة، فالعظيم والعظمة يصبحان أسطورة لأن التاريخ ليس تسجيلا وتصويرا ونقلا
"
نماذج من حكم أحيقار
من حكمه وأقواله الخالدة والمنتشرة في التراث العالمي: "إذا ضربتك يا ابني فلن تموت، وإذا تركتك تتبع قلبك فلن تحيا"، "يابني لا تذع كل كلمة ولا تفش كل أمر يخطر لك لأن في كل مكان عيونا وآذانا، فاحفظ لسانك ولا تدعه يدمرك".

"أحص أقوال فمك، ثم أطلقها نصيحة لأخيك، إن دمار الفم أشد خطرا من دمار الحرب"، "إنني ذقت الحنظل، وكان طعمه مرا قاسيا، ولكن لا يوجد أكثر مرارة من الفقر"، "ناعم لسان الملك، ولكنه يكسر أنياب الأفعوان، كالموت الذي لا يرى، الملك ذو عطف، ولكن صوته رهيب، فمن يستطيع الوقوف أمامه إلا من كان الله معه"، "رفعت الرمل، وحملت الملح، فلم أجد أثقل من الدين".

 "لا تفش أسرارك لصديقك لأن اسمك لن يبقى محترما لديه"، "لا تكن حلوا لئلا يبتلعوك، ولا تكن مرا فيبصقوك"، "يا بني لا تحسب نفسك حكيما عاقلا، والناس لا يحسبونك كذلك".

وتأتي في حكم أحيقار عدة أساطير وحكايات شعبية منها ما هو على ألسنة الحيوانات والنباتات والجماد، النمر والعنزة، والذئب والحملان، والرجل والحمار البري، والعوسج والرمان. كما تضمنت أنماطا متنوعة كالفكاهة والتوبيخ، واحتوت على أمثال الوفاء والخيانة، بالإضافة إلى الإرشاد والحكم الأخلاقية.

وكان لحكمة أحيقار أثر في الأدب العربي والأدب العبري والأدب اليوناني، إذ تصبح الحكمة والأمثال على مر العصور مشاعا فكريا وأدبيا يتناوله من شاء عن طريق الاتصال المباشر وغير المباشر، فالشعوب تلتقي في مجالات كثيرة، والحضارات تتفاعل.

وبالنسبة لأحيقار ولقمان فإن من يتتبع قصة لقمان في التقليد العربي يتفق مع برنارد هلر -الذي كتب مقالا عنه في الموسوعة الإسلامية- على أن هناك أكثر من لقمان واحد، فهناك لقمان الجاهلي الذي عده أبو حاتم السجستاني صاحب كتاب "المعمرين" الثاني بينهم، وقد عاش عمر سبعة نسور –والنسر في التقليد العربي يعمر طويلا- ولكنه مات فور موت النسر السابع لبد، وفي التقليد العربي يعيش النسر 80 عاما، فيكون عمر لقمان الجاهلي عند موته 560 عاما.

"
قصة أحيقار وحكمه هي أقدم نص في الحكمة، ثم تلقاها الأنبياء والحكماء وتداولتها الحضارات والمجتمعات من طوبيا اليهودي إلى إيسبوس الإغريقي إلى فيدروس اللاتيني إلى بيدبا الهندي إلى لقمان العربي إلى لافونتين الفرنسي
"
وذكر الجاحظ في كتابه البيان والتبيين عن تعليم لقمان لابنه قوله " أي بني، إني قد ندمت على الكلام، ولم أندم على السكوت"، وقال له: يا بني، ازحم العلماء بركبتيك، ولا تجادلهم فيمقتوك، وخذ من الدنيا بلاغك، وألق فضول كسبك لآخرتك، ولا ترفض الدنيا كل الرفض فتكون عيالا، وعلى أعناق الرجال كلا، وصم صوما يكسر شهوتك، ولا تصم صوما يضر بصلاتك، فإن الصلاة أفضل من الصوم، وكن كالأب لليتيم، وكالزوج للأرملة، ولا تحاب القريب ولا تجالس السفيه".

وكذلك وردت قصص وحكم لقمان في كتاب "عيون الأخبار" لابن قتيبة وفي كتاب "العقد الفريد" وغيرهما من كتب الأدب العربي. وبهذا فقد وصلت إلى العرب حكم أحيقار منذ العصر الجاهلي، فهناك شبه لها في الحكم العربية القديمة وترجمة أصيلة لبعض حكمه أحيانا، وخاصة الشبه الكبير الذي بينها وبين حكمة لقمان.

ويعتقد أن قصة أحيقار وحكمه هي أقدم نص في الحكمة، ثم تلقاها الأنبياء والحكماء وتداولتها الحضارات والمجتمعات، من طوبيا اليهودي إلى إيسبوس الإغريقي إلى فيدروس اللاتيني إلى بيدبا الهندي (الذي تنسب إليه قصص كليلة ودمنة) إلى لقمان العربي إلى لافونتين الفرنسي، والكثير من حكمه دارج على هيئة أمثال وقصص شعبية في العراق والشام ومصر، وغدت تراثا إنسانيا خالدا.

المصدر : الجزيرة