عرض/إبراهيم غرايبة
ما مدى اقتراب العراق من الحصول على القنبلة النووية؟ هل جدد العراق برنامجه التسليحي النووي بعد عام 1991؟ ما مصداقية الزعم بأن العراق يشكل تهديدا نوويا لأمن الولايات المتحدة؟

من هم الأميركان والعراقيون الذين كانوا رأس الحربة في السعي إلى اختلاق الذرائع لاحتلال العراق بتقديم معلومات ملفقة عن القدرة العسكرية النووية العراقية لأجهزة المخابرات الأميركية؟

هذا الكتاب شهادة عملية للعالم النووي العراقي عماد خدوري الذي عمل في منظمة الطاقة الذرية العراقية مدة 30 عاما (1968–1998) وقد حصل على الدكتوراه في الطاقة النووية من جامعة برمنغهام، وعلى الماجستير في الفيزياء من جامعة ميتشيغان، ثم هاجر من العراق عام 1998.

- الكتاب: سراب السلاح النووي العراقي
- المؤلف: عماد خدّوري
- عدد الصفحات: 303
- الناشر: الدار العربية للعلوم، بيروت
- الطبعة: الأولى 2005

العالم والمفاعل
نشأ عماد خدوري في بغداد ودرس في كليتها التي تؤهل دارسيها للحصول على منحة قبول لإكمال الدراسة في الولايات المتحدة لمدة تسع سنوات. وفي عام 1961 ذهب إلى أميركا لإكمال دراسة الفيزياء النووية في جامعة ميتشيغان، وعندما عاد عام 1968 بعد شهادة الماجستير كان الروس قد انتهوا من العمل في تشييد مفاعل للأبحاث النووية السلمية بقدرة 2 ميغاواط قرب منطقة الزعفرانية.

وقد أرشده باسل القيسي وقتها إلى الالتحاق بالعالم النووي جعفر ضياء في البحث النووي تحت رعاية وإدارة غازي درويش.

وفور الانتهاء من أطروحة الدكتوراه انضم إلى مركز الأبحاث النووية في البحث عن مكامن اليورانيوم في شمال وصحراء العراق.

وفي هذه الفترة انضم إلى الفريق العراقي عالم الذرة المصري الفذ يحيى المشد.

وفي عام 1976 قام وفد عراقي برئاسة عبد الرزاق الهاشمي وعضوية جعفر ضياء وحسين الشهرستاني (الذي اعتقل لمدة 11 عاما وهرب أثناء حرب الخليج) وهمام عبد الخالق العالم النووي، بزيارة باريس لاستكمال الموافقة على استقبال المفاعلين النوويين تموز1 وتموز2.

وقام العراقيون استعدادا لاستقبال المفاعلين ببناء ساتر ترابي ضخم محمي بامتداد نحو 15 كلم مع ارتفاع 25م عن الأرض، وتمت تقويته بشبك حديدي وله نفقان سريان، وأجريت ترتيبات حمايته في حالة حدوث فيضان مدمر.

وتم بالفعل تكوين فريق من العلماء والمهندسين لتدريبهم في مركز "ساكلاي" على تشغيل المفاعلين الفرنسيين، وعين مهدي غالي رئيسا لفريق معني بعملية "الطرد المركزي" كخيار في برامج تخصيب اليورانيوم للأغراض العسكرية.

ومهدي هذا هو الذي قاد المفتشين الأميركيين عام 2003 إلى وثائق عن برنامج الطرد المركزي التي كان قد أخفاها في حديقة منزله عشر سنوات، وهو الآن في ضيافة الولايات المتحدة.

ثم بدأت الخلافات بين فريق التدريب الفرنسي، وكان من أخطرها التبديل المفاجئ الذي أقره الفرنسيون حول نوع الوقود النووي المنوي استعماله في المفاعلين، فبدلا من وقود نووي ذي قدرة عالية بحدود 80% استبدل به نوع الكراميل وهو ذو قدرة لا تصل 18%.

وقد صمم الفرنسيون هذا النوع حتى لا يكون بمقدور العراق استخدام الوقود الأصلي لإنتاج سلاح نووي، وخلال التدريب قام الموساد الإسرائيلي باغتيال يحي المشد عام 1980، وأمر الرئيس العراقي السابق صدام حسين باعتقال جعفر ضياء.

وفي عام 1981 شنت إسرائيل غارة جوية أدت إلى تدمير مفاعلي تموز1 وتموز2، وبررت إسرائيل هجومها بإحباط محاولة العراق استخدام هذه المفاعلات لإنتاج أسلحة نووية، لأنها هي أنتجت نحو 200 قنبلة نووية من مفاعلها الفرنسي الأصل في ديمونا خلال ثلاثة عقود من الزمن.

وبسرية تامة اتخذ صدام قرارا سياسيا بالشروع في برنامج معدل للحصول على السلاح النووي، واقتضى هذا القرار الإفراج عن جعفر ضياء الذي وزع المهام على كل فرد من أفراد البرنامج على حدة ليضمن السرية.

وأعيدت المسميات على الدوائر في مركز البحث النووي للتمويه، ونتج عن مداولات برنامج السلاح النووي الذي كلف حسين كامل بالإشراف على مجمل فعالياته، تشكيل عدة مجموعات: الأولى تعنى بطريقة تخصيب اليورانيوم بواسطة الطرد المركزي يرأسها مهدي شكر غالي العبيدي.

والمجموعة الثانية تعنى بعمليات التخصيب بفصل النظائر بطريقة EMIS في الفصل الكهرومغناطيسي الأميركية القديمة، ومجموعة للدعم الإداري في مجال الترتيب وتوثيق التقارير العلمية وتنفيذ النشاطات التصميمية، بالإضافة إلى إقامة مركز معلومات متخصص في وزارة الصناعة والمعادن عام 1990.

"
استطاع فريق العمل في موقع الصفاء الحصول على نحو 15غ من اليورانيوم 135 بالتغذية العسكرية المطلوبة، في حين يحتاج قلب القنبلة إلى نحو 20 كلغ
"
كان القادة الأساسيون لبرنامج السلاح النووي العراقي هم جعفر ضياء وهمام عبد الخالق وظافر سلبي والمرحوم خالد سعيد والكيميائي نعمان النعيمي، وكان عدد العاملين نحو 1500 عالم ومهندس وتقني وإداري يعملون في موقع الفجر بالطارمية الذي يحصل منه على اليورانيوم عالي التخصيب.

ولم يسمح لغير العراقيين بالعمل في هذا المشروع، وقد خصصت مساكن بديلة لعائلات هؤلاء في حالة نشوب الحرب. وكان موقع الصفاء (الموقع البديل لموقع الفجر) في المراحل الأخيرة من الإنشاء استعدادا لنصب منظومات إضافية.

وفي الساعة الثانية والنصف من صباح يوم 17 ديسمبر/كانون الأول 1991 تعالت صيحات صفارات الإنذار، وكان عماد خدوري في هذا الوقت يسعى إلى تدبر ضمان سلامة محتويات مركز المعلومات المتخصص بإحكام الحواسيب المخزنة في سراديب الوزارة، ونقل معظم رفوف أفلام المايكروفيلم إلى البيوت.

وتوقفت مسيرة برنامج السلاح النووي العراقي ولم يجدد العمل فيه إلى الآن، فكم اقترب العراق من حصوله على القنبلة النووية؟

استطاع فريق العمل في موقع الصفاء بالطارمية الحصول على نحو 15غ من اليورانيوم 135 بالتغذية العسكرية المطلوبة في حين يحتاج قلب القنبلة إلى نحو 18 إلى 20 كلغ منه.

أما بالنسبة إلى تصميم القنبلة فقد كانت فرق العمل في موقع الأثير بإشراف خالد إبراهيم سعيد لا تزال في خضم التصاميم التجريبية للقنبلة، ولم تتوصل بعد إلى التصميم النهائي لها. وإجمالا فإن العراق قد مضى في الشوط بنسبة 10 إلى 20% من المسار الكلي لامتلاك القنبلة النووية.

وبعد الانتهاء من الحرب بأسابيع قليلة عقد مؤتمر برئاسة جعفر لإعادة الإعمار وتشييد المخازن على بعد مسافة من المحطات التي قصفت. وجرت ترتيبات لتوفير قطع الغيار بكميات كبيرة، والتخزين حسب قانون الحكومة المتبع الذي يقضي بوجوب استيراد ما يكفي من قطع الغيار.

وفي تلك الأثناء كان مفتشو الأمم المتحدة على وشك القدوم فأصدر حسين كامل أمرا بالإفصاح عن نشاطات ومواقع معينة فقط وحجب بقية المواقع، بما فيها مركز الأثير لتصميم السلاح النووي.

وبدأ المفتشون بمقابلة العلماء والمهندسين، فطلب عادل فياض نقل جميع الوثائق من المدرسة التقنية إلى مكان آخر.

وبعد أيام قليلة تسلق الكندي ديفد كاي حائط مبنى اتحاد العمال ووضع يده على كافة الوثائق وتم تصويرها وبثها عبر الأقمار الصناعية إلى مقر المخابرات المركزية في الولايات المتحدة، لدرجة أن حسين كامل شك في معظم القائمين على البرنامج ومن بينهم المؤلف خدوري فقام باعتقالهم واستجوابهم.

الاحتلال وأسلحة الدمار الشامل

"
بسبب سنوات الحروب الطويلة وعوامل أخرى عديدة، تم تدمير العراق الذي سعى من أجل إرسائه وبنائه أجيال من المثقفين والعاملين على مدى 80 عاما
"
بدأ خدوري يخطط للهجرة من العراق فور انتهاء الحرب فتقدم بطلب للإحالة على التقاعد، وبالطبع كانت تلك عملية شبه مستحيلة لمن هو في مثل حالة المؤلف، ولكنه انتقل إلى العمل في وزارة الخارجية عام 1994 وحصل على التقاعد عام 1996.

تبدو قصة الهرب في الكتاب طويلة ومعقدة ولا يمكن عرضها أو تلخيصها، ولكنها تكشف المعاناة الشديدة والضغط النفسي الذي كان يعيش تحته كثير من العراقيين خاصة من كانوا في أعمال ومهمات حساسة.

وفي النهاية استطاع خدوري الهروب إلى الأردن بمساعدة عدد من الضباط والمسؤولين العراقيين، وهاجر إلى كندا وظل متخفيا هناك حتى عام 2002، حين ظهر لأول مرة علنا في الجدل الإعلامي والسياسي الذي دار قبل احتلال الولايات المتحدة للعراق تحت ذريعة أسلحة الدمار الشامل، مؤكدا أنه لا يوجد في العراق سلاح نووي.

وعندما زعم بوش أن العراق ما زال نشطا في إحياء برنامج السلاح النووي، كتب خدوري مقالا عن "عدم تملك العراق القدرة النووية" وقال إن بوش وبلير يجران شعبيهما إلى حرب تعتمد على معلومات ضحلة وغير كاملة عن السلاح النووي العراقي، خاصة بعد اندثار الإدارات القيادية والإدارية للبرنامج.

وبعد تدمير المفتشين الأمميين كامل البنية التحتية للبرنامج التسليحي وتحطيم المنشآت والتقارير المحفوظة والمذكرات، تمت على العراق -برأي المؤلف- عمليات حصار قاسية أعقبت حربا وحشية مع حكم مستبد، وذهب ذلك بطموحات العراقيين وإنجازاتهم المتراكمة وحرمهم من فرص التقدم والتنمية.

كان الحصار في قسوته وهمجيته يشبه الأعمال الوحشية في القرون الوسطى، فعلى مدى 13 عاما دمرت هذه العقوبات البنية التحتية المدنية بكاملها والهيكل الاقتصادي الشامل للعراق، إلى درجة أنه استقال اثنان من كبار الإداريين في الأمم المتحدة هما دينس هاليدي وهانز فون اللذين كانا مسؤولين عن برامج الإغاثة الإنسانية في العراق تحت غطاء "النفط مقابل الغذاء"، احتجاجا على الحصار الخفي.

إضافة إلى ذلك الحصار عانى المجتمع العراقي من استبداد صدام من خلال ممارسات نحو 18 جهاز أمن ومنظمة استخبارية بحيث يندر العثور على عائلة عراقية لم يعدم أو يسجن أو يستشهد أحد أفرادها.

بسبب هذه العوامل مجتمعة وبسبب سنوات الحروب الطويلة تم تدمير العراق الذي سعى من أجل إرسائه وبنائه أجيال من المثقفين والعاملين على مدى 80 عاما.

لقد أدى تقاطع عدة عوامل مثل اختيار بوش رئيسا عام 2000 وهجمات سبتمبر/أيلول 2001 على الولايات المتحدة، إلى دفع الزمرة التي تصدّرت صانعي السياسة الخارجية الأميركية على منهاج استعماري وتسخير الرئيس بوش لتحقيقه.

وكانت هذه الزمرة حلقة ربط بين المحافظين واللوبي الإسرائيلي في أميركا في المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي، الذي جذب الكثير من خبراء الدفاع من خلال رحلات سياحية للتأثير على آرائهم لصالح إسرائيل وكسب مواقفهم، مثل الجنرال جاي غارنر أول حاكم للعراق المحتل.

ساند هؤلاء ضلع يؤيد الموقف السياسي لحزب ليكود يضم عددا من الإمبراطوريات الإعلامية ذات الجذور العميقة في الكومنولث البريطاني وفي كوريا الجنوبية، من بينها جريدة واشنطن تايمز التي يمتلكها المنصر الكوري الجنوبي القس سون ميونغ مون.

وتمكنت هذه المجموعات من رسم السياسة الخارجية الأميركية للجمهوريين والديمقراطيين على السواء ومن الاستيلاء على إدارة بوش قبل استلامه السلطة الفعلية.

"
ضمن فعاليات مجلس الخبراء في مشروع القرن الأميركي، تم رسم خطة توضح معالم الهيمنة الأميركية على العالم وإعادة بناء دفاعات أميركا ومن ضمنها شن الحرب على العراق لتغيير نظامه
"
قام العديد من أعضاء حكومة بوش المقبلة -ومن ضمنهم ديك تشيني ودونالد رمسفيلد ولويس ليبي الأخ الأصغر لبوش- بإعداد تقرير في سبتمبر/أيلول 2000 ضمن فعاليات مجلس الخبراء في مشروع القرن الأميركي، برسم خطة توضح معالم الهيمنة الأميركية على العالم وإعادة بناء دفاعات أميركا ومن ضمنها شن الحرب على العراق لتغيير نظامه.

وبعد استغلال المساعي الدبلوماسية للأمم المتحدة وعمليات التفتيش عن الأسلحة والعقوبات الاقتصادية لضمان ركوع العراق عسكريا واقتصاديا وتجويع شعبه، وقتل نحو نصف مليون من أطفاله وشيوخه، قام تحالف الراغبين في إرسال جيش ذي تفوق تقني هائل إلى العراق لاحتلاله، بعد التأكد من تدمير معظم أسلحته.

وحين نهب وحرق المخربون المتاحف والوزارات والمستشفيات والمؤسسات وقف الجنود البريطانيون والأميركيون دون اكتراث يراقبون أعمال النهب والسلب، ولم تتجاوز أولوياتهم تأمين سلامة النفط في الشمال والجنوب.

ثم تبع ذلك حالة من الفوضى وبذلك استطاعت دولة حديثة شريرة أن تدمر حضارة عريقة يزيد عمرها على آلاف السنين في دوامة الفوضى والدمار والاحتلال.

المصدر : الجزيرة