عرض/ حسن ابحيص
أصدر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت كتاباً بعنوان "أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان"، يعرض فيه أوضاعهم الديمغرافية والقانونية والتعليمية والاجتماعية، كما يعرض مشاريع التسوية السياسية المتعلقة باللاجئين، ويفرد فصلاً خاصاً لمأساة مخيم نهر البارد.

- الكتاب: أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان
- المحرر: محسن محمد صالح
- الصفحات: 196
- الناشر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت
- الطبعة: الأولى 2008

ويُظهر الكتاب الذي حرره الدكتور محسن محمد صالح وشارك في إعداده كل من أمل عيتاني وزياد الحسن وعلي هويدي ومحمود حنفي ومعين مناع ونافذ أبو حسنة، أن الفلسطينيين في لبنان يعانون من الحرمان من عدة حقوق مدنية، ومن حق العمل في الكثير من المهن، ومن حق التملك.

ويضيف أن البيئة السياسية والقانونية اللبنانية تشكل بيئة طاردة للفلسطينيين بحجة منع توطينهم، إلا أنه يرى أن الحقيقة هي أن الفلسطينيين لا يرغبون أصلاً في التوطين، وإنما يرغبون في معاملة إنسانية عادلة غير مرتبطة بإعطائهم الجنسية أو الحقوق السياسية الخاصة بأقرانهم اللبنانيين.

كما أن الاحتجاج بأن الإبقاء على معاناة الفلسطينيين وحرمانهم من حقوق الحياة الإنسانية الكريمة يعين على استمرار اهتمامهم بقضيتهم، حجة غير مستندة إلى أي أسس صحيحة، إذ إن استمرار المعاناة يدفع الفلسطينيين للهجرة إلى دول أوروبا الغربية وأميركا وكندا وأستراليا وأميركا الجنوبية، حيث توجد مخاطر أكبر في توطينهم وذوبانهم وابتعادهم عن مركز الاهتمام بقضيتهم.

وتؤكد الدراسة أن الفلسطينيين الذين حصلوا على حقوقهم المدنية في البلاد العربية لم ينسوا قضيتهم ولم يتوقفوا عن العمل على تحرير أرضهم، ومثال ذلك الفلسطينيون في سوريا وكذلك في الكويت التي شهدت نشأة حركتي فتح وحماس في الخارج.

ويتميز هذا الكتاب بأنه موثق من الناحية العلمية ومكتوب بطريقة موضوعية، ويستعين بالكثير من الجداول والإحصائيات التي تدعم الحقائق والمعلومات الواردة فيه.

التوزيع الجغرافي والديمغرافي
تناول الفصل الأول من الكتاب التوزيع الجغرافي والديمغرافي للاجئين الفلسطينيين في لبنان، مشيراً إلى أن عدد الذين اضطروا منهم للمغادرة إلى لبنان بعد نكبة فلسطين تراوح بين 100 و130 ألف لاجئ، قدم معظمهم قبل إعلان قيام دولة إسرائيل.

وجاء 59.9% منهم من منطقة الجليل، و28.14% من حيفا، و11% من مناطق يافا واللد والرملة، وأقلية بلغت 1.43% من القدس وجوارها.

كما ناقش إحصاء اللاجئين الفلسطينيين في لبنان والإشكاليات المتعلقة بتقدير أعدادهم على وجه الدقة، مشيراً إلى وجود 411 ألفا مسجّلين لدى وكالة الأونروا حتى تاريخ 30/7/2007.

واستعرض الكتاب عدداً من التقديرات الأخرى الصادرة عن عدة جهات وباحثين، خلص بعدها إلى تقدير العدد الفعلي للاجئين الفلسطينيين المقيمين حالياً في لبنان بنحو 303 آلاف لاجئ، مدعماً استنتاجه بتقدير الأونروا لعدد من تخدمهم في لبنان بنحو 299 ألفا.

ورأى أن هذا الرقم لا يمثل جزءا من السكان، بل السكان جميعاً، خاصة عند العلم بأن الأونروا هي المصدر الوحيد المتاح لمعظم الخدمات بالنسبة لهؤلاء اللاجئين.

وبعدها استعرض الأرقام المتعلقة بالأسرة والمنزل الفلسطيني في المخيمات والتجمعات، قبل أن ينتقل إلى مسألة تهجير اللاجئين داخل لبنان وهجرتهم إلى الخارج بسبب الظروف المعيشية الصعبة والأحداث المختلفة التي شهدها لبنان، والتي كان أبرزها الحرب الأهلية اللبنانية والاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.

"
المساحة الجغرافية للمخيمات بقيت منذ نكبة 1948 وحتى الآن هي ذاتها التي اتفق عليها بين الأونروا والدولة اللبنانية، إذ لا يُسمح للاجئين بالتوسع العمراني الأفقي رغم ارتفاع عدد السكان بنسبة تزيد عن 300%
"
ثم قدّم معلومات عن مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وتجمعاتهم الرسمية وغير الرسمية، ولفت الانتباه إلى أن المساحة الجغرافية للمخيمات بقيت منذ نكبة 1948 وحتى الآن هي ذاتها التي اتفق عليها بين الأونروا والدولة اللبنانية، إذ لا يُسمح للاجئين بالتوسع العمراني الأفقي رغم ارتفاع عدد السكان بنسبة تزيد عن 300%، وتدمير ثلاثة مخيمات من أصل 15 مخيماً رسمياً كانت موجودة حتى عام 1974.

وأضاف أنه مع بسط السلطة التشريعية نفوذها على الأراضي اللبنانية كافة عام 1991، أصدرت السلطات اللبنانية توجيهات واضحة إلى الأونروا بمنع إعمار وترميم البنى التحتية، والمساكن في مخيمات اللاجئين في لبنان، وخصوصاً في بيروت.

كما تطرق الفصل إلى أماكن توزع سكن اللاجئين والأسباب التي تدفع عدداً كبيراً منهم لمواصلة السكن في المخيمات، ومسألة الخوف من التوطين، وإفشال محاولات تحسين إسكانهم وموضوع ملكياتهم العقارية.

الواقع القانوني للاجئين
في فصله الثاني بحث الكتاب الواقع القانوني للاجئين، مشيراً إلى وجود فرق كبير بين التصريحات الرسمية للمسؤولين اللبنانيين المرحبة باللاجئين الفلسطينيين كإخوة في بلدهم الثاني، وبين المعاملة الفعلية لهؤلاء اللاجئين.

ويوضح أن القوانين والقرارات التي تنظم وجودهم كانت قاسية وتنتقص بشكل كبير من حقوقهم الإنسانية، فكانت معاناتهم في خط تصاعدي من أيام اللجوء الأولى.

وفي هذا الإطار تناول الفصل حق الإقامة والسكن بالنسبة للفلسطينيين في لبنان، مشيراً إلى انقسامهم إلى ثلاث فئات بحسب موقعهم القانوني: اللاجئون المسجلون، واللاجئون غير المسجلين، ويبلغ عددهم نحو 35 ألفا، واللاجئون الفاقدون للأوراق الثبوتية ويبلغ عددهم ثلاثة آلاف.

كما تناول حق العمل، مشيراً إلى أن القوانين والقرارات المتعلقة به بالنسبة للاجئين الفلسطينيين اتسمت بكثير من الحرمان والمنع، حتى بلغت المهن الممنوعة عليهم 72 مهنة، ولم يسمح للفلسطيني بمزاولة الأعمال الحرة، إلى أن خُففت في صيف 2005 قائمة المهن الممنوعة بشكل جزئي.

وبحث كذلك في حرمان اللاجئين من حق التملك بموجب قانون أقره مجلس النواب اللبناني في مارس/ آذار 2001 بذريعة رفض التوطين، وفي منع مواد البناء عن مخيمات صور والآثار السلبية الناتجة عن هذا المنع، خاصة في ظل حرمان الفلسطيني من حق التملك.

الأوضاع التعليمية
ناقش الفصل الثالث مسألة تعليم اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، مستعرضاً تطور أوضاعهم التعليمية والذي رأى أنه لا يمكن فصله عن مجمل التطورات التي لحقت بمجتمعهم، مشيراً في هذا السياق إلى أن الإقبال على التعليم كان في مستويات جيدة، إلا أن عوامل عدة أدت إلى تراجع هذه المستويات.

"
نحو 3% من اللاجئين في لبنان يعانون من أمراض مزمنة وإعاقات نتيجة ظروف الحرب، وهم متركزون بين الذكور الذين تزيد أعمارهم عن 30 عاما
"
وكانت الحروب من أبرز تلك العوامل، إلى جانب تقليص وكالة الأونروا لخدماتها وتراجع مستوى التعليم المتوافر في مدارسها.

ثم انتقل الكتاب إلى بحث الواقع التعليمي الراهن لهؤلاء اللاجئين، لافتاً الانتباه إلى وجود 87 مدرسة لهم في لبنان يدرس فيها نحو 39 ألف طالب وطالبة وفق الإحصائيات الصادرة عن الأونروا، مقارنة بـ118 مدرسة في سوريا يرتادها نحو 64 ألفا، مع العلم بأن عدد اللاجئين فيها يبلغ نحو 438 ألفا.

ورأى أن هذا الأمر -إلى جانب أن نسبة الطلاب إلى عدد السكان الفلسطينيين في لبنان هي 9.67%، بينما هي في المجتمع اللبناني 23%- يكفي لإظهار حجم المشكلات التي يواجهها تعليم الفلسطينيين في لبنان.

ولم يغفل الفصل كذلك بحث واقع خدمات الأونروا التعليمية، بدءاً بالعجز المالي وسياسة التوظيف، والأبنية المدرسية ونظام الدفعتين، ولوازم التعليم والضغوط والإهمال، وانتهاءً بانعكاسات السياسة التعليمية للأونروا على نسب الرسوب والتسرب المدرسي والأمية، كما تطرق إلى مسألة التعليم ما بعد الثانوي، والتعليم الجامعي ومشكلاته.

الوضع الاجتماعي
تناول رابع فصول الكتاب الوضع الاجتماعي للاجئين الفلسطينيين في لبنان، مستعرضاً تكوين المجتمع الفلسطيني وولادة مجتمع اللاجئين إثر نكبة عام 1948، والمراحل التي مر بها منذ ذلك الوقت.

وقسّم هذا الفصل تلك الفترة إلى أربع مراحل رئيسية استمرت أولاها حتى دخول منظمة التحرير الفلسطينية إلى لبنان عام 1969، وامتدت الثانية حتى عام 1982 الذي خرجت فيه المنظمة من لبنان. أما الثالثة فاستمرت حتى حرب الخليج الثانية عام 1991، وشهدت انعكاسات سلبية كبيرة نتيجة خروج منظمة التحرير.

ويعيش اللاجئون في لبنان حالياً المرحلة الرابعة التي بدأت بعودة مغتربي الخليج وانسداد أبواب العمل، وهي تشهد تهميش هؤلاء اللاجئين ومواصلة التضييق الحكومي عليهم وعلى مخيماتهم.

ثم انتقل الفصل لبحث أوضاع الفئات الأساسية للاجئين: الأطفال والنساء والشباب والمسنين وذوي الاحتياجات الخاصة، وأشار إلى أن نسبة الأطفال تحت عمر 18 سنة تبلغ 31.1%، في حين تبلغ نسبة الشباب (عمر ما بين 19-45 سنة) نحو 46.5%، أما المسنون فيشكلون 12.3%.

كما أوضح أن نسبة الإناث تشكّل نحو 51% من اللاجئين، ولفت الانتباه إلى أن 3% من اللاجئين يعانون من أمراض مزمنة وإعاقات نتيجة ظروف الحرب، وهم متركزون بين الذكور الذين تزيد أعمارهم عن 30 سنة، إذ تبلغ النسبة بينهم 10%.

"
رغم أن خيار العودة إلى مناطق السلطة الفلسطينية يبدو واقعيا، فإنه عمليا صعب التحقيق بسبب العقبات التي تواجه مشروع التسوية ورفض أغلبية الفلسطينيين التنازل عن حقهم في العودة إلى أرضهم
"
مشاريع التسوية وآفاق المستقبل
استعرض الفصل الخامس التطورات المتعلقة بقضية اللاجئين الفلسطينيين ككل في مشاريع التسوية، وانعكاساتها على اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.

كما بحث السيناريوهات المطروحة حالياً لمستقبلهم، فلخصها ضمن أحد ثلاثة سيناريوهات لم يكن من بينها العودة إلى ديارهم التي هجروا منها وهي: التهجير القسري إلى بلد ثالث تمهيداً لإعادة توطينهم فيه، أو التهجير الاختياري إلى دول أوروبية وغربية، أو الذهاب إلى مناطق السلطة الفلسطينية في حال نجاح مشروع التسوية وقيام الدولة الفلسطينية.

ولكن الكتاب نبّه إلى أنه رغم أن هذا الخيار يبدو واقعياً، فإنه عملياً صعب التحقيق بسبب العقبات التي تواجه مشروع التسوية، وبسبب رفض أغلبية الفلسطينيين التنازل عن حقهم في العودة إلى أرضهم المحتلة.

أحداث نهر البارد وتداعياتها
خُصص آخر فصول الكتاب لأحداث مخيم نهر البارد وتداعياتها السياسية والأمنية والإنسانية، فبدأ الفصل بتقديم لمحة عامة عن المخيم، ثم بحث نشوء تنظيم "فتح الإسلام"، وخلفيات الأحداث التي كانت شرارة قتال نشب بين هذا التنظيم والجيش اللبناني، كما استعرض أيضاً الموقفين اللبناني والفلسطيني من تلك الأحداث.

وتناولت المساحة الأكبر من هذا الفصل مأساة نازحي مخيم نهر البارد البالغ عددهم نحو 31 ألفاً، واستعرض خلالها بداية النزوح وتوزع النازحين على المخيمات الفلسطينية وصوراً من معاناة هؤلاء، إلى جانب الخسائر الاقتصادية التي تكبدوها جراء الأحداث التي أدت إلى تدمير مخيمهم، وتلك التي تكبدتها الحركة الاقتصادية في شمال لبنان.

ثم بحث الفصل مسألتي إعادة إعمار المخيم، ومعالجة تداعيات أحداث نهر البارد، ورأى أن تلك الأحداث وما تلاها من تداعيات، تدعو الفلسطينيين إلى إعادة ترتيب أوضاعهم في لبنان بما يضمن تصحيح علاقتهم بالأطراف اللبنانية جميعاً، وخاصة عبر النأي بالوجود الفلسطيني عن التجاذبات السياسية الحادة التي يشهدها لبنان، وتحصين الساحة الفلسطينية ضد الصراعات الداخلية، والعمل على تنظيم سلاح المخيمات.

كما دعا السلطات اللبنانية إلى المسارعة في إعطاء الفلسطينيين حقوقهم المدنية ومعاملتهم معاملة إنسانية كريمة، وعدم التضييق عليهم لدفعهم إلى الهجرة.

وختم الكتاب بالقول إنه لا يجوز أن يتعرض اللاجئون الفلسطينيون لعقوبات جماعية بسبب ممارسات أشخاص أو فئات خارجة عن القانون، تماماً كما أن اللبنانيين أنفسهم لا يتحملون مسؤولية الخارجين على القانون ممن قد يقيمون في أوساطهم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك