عرض/حسين عبد العزيز
تظهر شخصية الأمة في النظم التي تسير عليها، وتنكشف حيويتها ومقدرتها على البقاء بتطور أنظمتها أثناء تاريخها، فالنظم والمؤسسات المختلفة تبين لنا الحلول التي وضعتها الأمة لتدبير شؤونها ومجابهة أزماتها وحاجاتها.

ويقوم مؤلف هذا الكتاب بدراسة النظم الإسلامية ويراها مهمة لفهم العناصر الخفية والتيارات التي أثرت في المجتمع الإسلامي.

- الكتاب: النظم الإسلامية
- الكاتب: عبد العزيز الدوري
- الصفحات: 223
- الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت
- الطبعة الأولى 2008

أصول النظم السياسية
وفي بحث أصول النظم السياسية يرى الكاتب أنها لم تنشأ كلها بعد ظهور الإسلام، بل ترجع أصول بعضها إلى الأنظمة التي كانت سائدة في الشرق الأدنى قبل الإسلام، وحين جاء الرسول صلى الله عليه وسلم أوجد مبادئ أنظمة جديدة، وتعرض لبعض النظم الجاهلية بالتعديل، بينما ترك القسم الآخر على حاله.

ولذا فمن المهم تسليط الضوء على بعض التقاليد العربية والبيزنطية والساسانية التي كان لها بعض الأثر المباشر في الأنظمة الإسلامية أثناء نشأتها وتطورها.

فقد كان نظام العرب الاجتماعي في الجاهلية يقوم على أساس القبيلة وأجزائها، وكان هناك تنوع كبير في العادات والعرف عند العرب، لكن يمكن القول إن القبيلة هي أساس النظام السياسي والاجتماعي في الجزيرة العربية.

كان لكل قبيلة مجلس شورى يتكون من المتنفذين ومن رؤساء العوائل فيها، وكان هذا المجلس ينتخب شيخ القبيلة، الذي يكون عادة من أهل العصبية والنفوذ فيها.

وكانت سلطة الشيخ تمتد إلى النواحي السياسية والاجتماعية، لكنها لم تكن مطلقة بل محدودة، فكان عليه أن يستشير مجلس القبيلة، وبدون موافقته لا يستطيع الشيخ إعلان الحرب أو عقد السلم أو الرحيل.

أما الدولة الساسانية فكانت لها صفتان رئيسيتان: الأولى وجود دين رسمي مرتبط بالسياسة ومتعاون معها، والثانية المركزية القوية في الإدارة.

وكانت السلطة التنفيذية العليا بيد الملك الذي كان حكمه مطلقا، وقد أضفت عليه الديانة الزرادشتية صفة قدسية، فكان مبدأ تقديس الملوك راسخا في فارس، ولم يكن يصلح للعرش إلا أفراد العائلة المالكة لأن الله فضلها على العالمين.

دور الرسالة
يقول المؤلف إن الرسول صلى الله عليه وسلم لما ظهر في مكة وفيها سلطة حاكمة اتخذ موقف الواعظ الديني والمصلح الاجتماعي، ولم يعمل أية نظم سياسية لعدم وجود مجال لذلك.

وكانت هجرته للمدينة فتحا في تاريخ الإسلام الديني والسياسي، إذ لم تكن في المدينة سلطة حاكمة، فكان الهدف الأول للرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة هو حماية المسلمين لقلتهم.

ولما شعر صلى الله عليه وسلم بقلة المسلمين وبفقر المهاجرين الذين تركوا أموالهم في سبيل دينهم، وضع نظام المؤاخاة، بتوزيع المهاجرين على الأنصار.

وبعد معركة بدر قوي مركز المسلمين في المدينة، وشعر الرسول صلى الله عليه وسلم بضرورة تنظيم جديد يناسب الوضع ويسنده في نضاله ضد قريش، فهدف إلى تكوين جماعة متكافئة من عناصر المدينة المتباينة، فعمد إلى استبدال رابطة الدين برابطة الدم.

لقد توسعت الأمة بتوسع الإسلام، وكانت فكرة السلطة الحاكمة غريبة بالنسبة للبيئات القبلية، فأدخلها الرسول باسم الله، وهكذا اتحد الدين بالسياسة اتحادا يسمح بالتمييز بينهما قليلا، فكان سلطان الرسول صلى الله عليه وسلم الديني يعتمد على الوحي ولا مجال للجهد البشري فيه، أما في السلطات الزمنية فكان له مشاورون.

"
نظام القبيلة تم ضربه لصالح نظام الوراثة، حين أصبح السلطان مقدسا ومستمدا من الله وحين لم يكن لرؤساء القبائل والشعب أي يد في الخلافة
"
نظام الخلافة
ويرى المؤلف أن الخلافة الراشدة تستند إلى الانتخابات، إلا أن طريقة الانتخابات لم تكن واحدة ولا منظمة، فقد كانت حينا انتخابا مباشرا وحينا بتسمية.

ويلاحظ في خلافة الراشدين امتزاج التقاليد العربية بالروح الإسلامية، ففكرة الانتخاب مأخوذة من التقاليد العربية، لكن فكرة استناد الخليفة إلى موافقة الناس عليه مأخوذة من الإسلام، كما أن الطريقة المتبعة في الانتخاب مأخوذة من التقاليد العربية.

ومع معاوية حدث تحول في نظام الخلافة بعد إدخاله الوراثة في الحكم، تلك البدعة التي أثارت حفيظة العرب لكونها تتعارض مع التقاليد العربية القبلية.

لكن نظام الوراثة لم يستقر في العصر الأموي، فلقد شهد ذلك العصر صراعا بين ثلاثة مبادئ: المبدأ الإسلامي الذي يؤكد على اختيار أصلح المسلمين، والمبدأ القبلي الذي يعترف بسيادة القبيلة، ومبدأ الوراثة المباشرة.

ومع مجيء العباسيين يوضح الكتاب أن نظام القبيلة تم ضربه لصالح نظام الوراثة، حين أصبح السلطان مقدسا ومستمدا من الله ولم يكن لرؤساء القبائل والشعب أي يد في الخلافة، ونتج عن إشراك العباسيين للفرس في الحكم أن أخذوا منهم مراسيم الأكاسرة الفخمة.

ثم أخذت الخلافة تزداد سوءا مع تعاظم نفوذ الأتراك في السلطة، وليس هذا بغريب، فالأتراك لم تكن لهم تقاليد حضرية سابقة، أو إدراك لشؤون السياسة والإدارة.

وعلى الرغم من أن فترة استبداد الأتراك كانت قصيرة، بين مقتل المتوكل 247هـ ومجيء المعتمد 256هـ، فقد كان نفوذهم قويا وظل أثره قويا حتى الغزو البويهي عام 334هـ.

وكان لعجز خزينة الدولة وفساد الإدارة وانفصال الحمدانيين بالموصل وبني بويه بفارس والبريديين بخوزستان، واستئثار ابن وارد بالبصرة وواسط وقيادة الجيش، كل ذلك أدى إلى إنشاء ما سمي آنذاك بإمارة الأمراء، حيث أصبح الخليفة كالشبح.

والأمر ذاته ينسحب على فترة حكم البويهيين إن لم تكن أسوأ، حيث تدخلوا في تعيين كل المناصب بما فيها كاتب الخليفة، ولم يكتف البويهيون بأخذ السلطة فحسب، بل شاركوا الخلافة في امتيازاتها.

"
استفاد عمر من الأنظمة الساسانية والبيزنطية في الضرائب فأبقاها مع بعض التعديلات، ومنها أنه أبطل نظام المقاسمة وأبدل به الخراج على المساحة، كما أبقى على تنظيمات الدواوين في العراق وإيران
"
النظم المالية
نزلت آية الجزية "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" ولذلك اتبع الرسول عليه الصلاة والسلام مجموعة تدابير تتصف بالمرونة وترعى مقتضى الحال.

- قسم خيبر ووادي القرى التي فتحها عنوة بين المسلمين.
- عد بلاد العرب أراضي عشر.

- خصص الجزية الشخصية بدينار، وفرضها على أهل الكتاب، وألحق بهم المجوس، وأعفى النساء والأولاد.
- أدخل مبدأ ضيافة المسلمين للضرورة التي صارت عسكرية.
- اكتفى بفرض الجزية على أراضي الصلح وحددها.
- جعل الماء والكلأ والنار مشاعا.

استفاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تنظيم الضرائب من روح الإسلام، وتنظيمات الرسول عليه السلام ومن الأوضاع التي كانت سائدة في البلاد المفتوحة، ناهيك عن اجتهاده برأيه ومشورته لأصحابه.

اكتفى أولا بتطبيق آية الغنائم على الأموال المنقولة، ولم يقسم الأراضي المفتوحة بين المحاربين، حتى يترك شيئا للمسلمين من بعده، وحتى يحفظ موردا ماليا للمسلمين والدولة.

واستفاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه من الأنظمة الساسانية والبيزنطية في الضرائب فأبقاها مع بعض التعديلات، ومنها أنه أبطل نظام المقاسمة وأبدل به الخراج على المساحة، كما أبقى عمر في الوقت ذاته على تنظيمات الدواوين في العراق وإيران.

وكان من نتيجة ذلك أن صار المسلمون أمة عسكرية مهنتها الحرب، بينما كان على غير المسلمين الاشتغال وتقديم المال والمحاصيل.

النظم الإدارية
ويذهب الكاتب إلى أن الدواوين ظهرت كبقية المؤسسات نتيجة حاجة العرب إلى التنظيم العسكري والإداري والمالي، وتجمع المصادر على أن أول تدوين للدواوين في الإسلام حدث على يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وكان الدافع وراء فكرة الدواوين هو رغبة عمر بن الخطاب في تنظيم توزيع الموارد وتخصيص رواتب للمقاتلين من بيت مال المسلمين ليكفيهم مؤنة العمل.

ولذلك لم يفرض عمر العطاء في الديوان لجميع العرب، بل سجل أهل المدينة وهم قلب الأمة الإسلامية، ثم القبائل المقاتلة التي اشتركت في الفتوحات، ولم يدخل أهل مكة في الديوان لأنه لم يرسلهم في الغزوات، كما لم يدخل الأعراب الذين بقوا في الجزيرة.

وهكذا صنف عمر المسلمين إلى درجات حسب الخدمة السابقة في الإسلام والفناء في الإسلام ثم الحاجة.

توسعت الأعمال مع مجيء الأمويين واتخاذهم دمشق عاصمة للدولة الإسلامية، حيث أدى ذلك إلى تطور الدواوين لتناسب الحاجة التي تتطلبها الدولة.

"
الدواوين ظهرت كبقية المؤسسات نتيجة حاجة العرب إلى التنظيم العسكري والإداري والمالي، وتجمع المصادر على أن أول تدوين للدواوين في الإسلام حدث على يد عمر بن الخطاب
"
ومن أهم الدواوين التي أنشأها الأمويون:
- ديوان الخراج: مهمته تنظيم الخراج وجبايته وهو عماد المالية.
- ديوان الجند: مهمته حفظ أسماء الجند وأوصافهم وأنسابهم وأعطياتهم.
- ديوان الخاتم: وكان معاوية أول من أنشأه إثر تزوير حصل في رسالة إلى زياد أمر فيها بإعطاء حاملها مائة ألف، فبدل حاملها المقدار إلى مائتي ألف، ومهمتها حفظ نسخة من رسائل الخليفة.

- ديوان البريد: مهمته نقل الأخبار والرسائل بين العاصمة والولايات أو بين الولايات.
- ديوان النفقات: وينظر في كل ما ينفق ويخرج في الجيش أو غيره.

على أن أهم ما قام به الأمويون حسب المؤلف هو تعريب الدواوين، وكانت عملية طويلة، ففي خلافة عبد الملك تم تعريب دواوين العراق والشام، وفي خلافة الوليد بن عبد الملك عربت دواوين مصر، أما تعريب دواوين خراسان فاستمر إلى أواخر العهد الأموي.

ورث العباسيون هذا التراث فطوروه حسب ظروفهم، وزادوا في المركزية بعد إحداث منصب الوزارة، وإحداث دواوين جديدة.

ففي خلافة أبي العباس حدث تنظيم السجلات، بأن جعلت في دفاتر بدل من أن تكون في صحف متفرقة، ثم تم إحداث دواوين الأزمة في عهد المهدي، ومهمتها الإشراف على الدواوين الكبيرة ومراقبة الناحية المالية منها، ناهيك عن إنشاء عدد كبير من الدواوين.

ويظهر أن تعقد الإدارة وتوسع العلوم أديا إلى نوع من الاختصاص بين الكتاب، ويمكن تصنيفهم إلى خمسة أنواع:
- كاتب خراج، ويجب أن يكون عالما بالشرط والحساب والمساحة والفنون.
- كاتب أحكام، يجب أن يكون عالما بالحلال والحرام والاحتجاج والإجماع والفروع الفقهية
-
كاتب معونة، يجب أن يكون عالما بالقصاص والحدود والجراحات والمواثبات والسياسة.
- كاتب جيش، يجب أن يكون عالما بحلي الرجال وأوصاف الدواب، وبشيء من العلم بالنسب والحساب.
- كاتب رسائل، يجب أن يكون عالما بالصدور والفصول والإطالة والإيجاز وحسن البلاغة والخط.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك