عرض/علاء بيومي
التقرير الراهن صادر عن خدمة أبحاث الكونغرس، وهي مركز أبحاث تابع للكونغرس الأميركي يعمل على توفير الأبحاث العملية التي يحتاجها أعضاء الكونغرس في بناء قراراتهم المختلفة، ولا يوفر المركز أبحاثه للجمهور الأميركي بشكل مباشر بل يتم توفيرها عن طريق أطراف ثالثة تقوم بنشر تقارير المركز الهامة مثل الخارجية الأميركية على سبيل المثال.

ويدافع مسؤولو المركز عن قرار عدم توفير أبحاثه بشكل مباشر للرأي العام الأميركي بالإشارة إلى رغبة المركز في تقديم النصيحة الخالصة لأعضاء الكونغرس ورفضه أن تستخدم أبحاثه في الصراع السياسي الدائر بين الكونغرس والإدارة الأميركية وأنصارهما.

- التقرير: سلطة الكونغرس في الحد من العمليات العسكرية في العراق
- المؤلف: مجموعة الباحثين (جينيفر إيلسيا، مايكل جاراسيا، توماس نيكولا)
- الصفحات: 46
- الناشر: خدمة أبحاث الكونغرس، واشنطن
- الطبعة: الأولى، أبريل/نيسان 2007

ويأتي التقرير الحالي الصادر في الرابع والعشرين من أبريل/نيسان الماضي ليسلط الضوء على قضية هامة في الفترة الحالية، وهي مساعي الكونغرس لوضع قيود على العمليات العسكرية الأميركية بالعراق تماشيا مع رغبة نسبة كبيرة من الشعب الأميركي والنواب الديمقراطيين والجمهوريين الذين باتوا يرون في حرب العراق عبئا ضخما سياسيا واقتصاديا على عاتق أميركا.

كما يسعى للإجابة عن سؤال على قدر كبير من التخصص والصعوبة، وهو مدى الصلاحيات التي يمنحها الدستور الأميركي للكونغرس للحد من العمليات العسكرية الأميركية في العراق، وهو سؤال قانوني بالأساس تتطلب الإجابة عنه التعرض للدستور الأميركي وللسوابق التاريخية المحددة للعلاقة بين الكونغرس والرئيس في قضايا الحرب وسلطاتها، مما يجعل قراءة التقرير مهمة شاقة لغير القانونيين ولمن لا يمتلكون معرفة مناسبة بتاريخ أميركا ونظامها السياسي وبتوزيع السلطات بين المؤسسات الأميركية المختلفة.

القائد الأعلى للقوات المسلحة
خلاصة التقرير هي أن قدرة الكونغرس الأميركي على الحد من العمليات العسكرية الأميركية في العراق ليست قضية سياسية فقط، ولكنها قضية دستورية إلى حد كبير تتعلق بنصوص الدستور الأميركي وبرؤيته لطبيعة العلاقة بين الكونغرس والرئيس خلال فترات الحروب.

وهي خلاصة يجب شرحها للمعنيين بتلك القضية خلال الوقت الراهن حتى لا يبالغوا في تضخيم قدرة الأغلبية الديمقراطية بالكونغرس على الحد من العمليات العسكرية الأميركية بالعراق في الوقت الراهن.

فالدستور الأميركي –كما يرى التقرير– يقسم سلطات الحرب بين الكونغرس والرئيس بشكل متشابك مركب يهدف إلى فرض الرقابة المتبادلة بين المؤسستين، ومنع انفراد أحدهما بالسلطة خاصة في قضية هامة مثل قضية الحرب.

فالرئيس وفقا للدستور هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، والموكل بقيادة القوات المسلحة في أوقات الحرب والسلم، وهو أيضا مخول سلطة حماية أميركا ضد أي هجوم مفاجئ دون العودة للكونغرس. فلا يعقل أن يذهب الرئيس إلى الكونغرس ليطلب تصريحا بمواجهة هجوم وشيك أو قائم على الولايات المتحدة.

ولكن ينبغي للرئيس العودة خلال فترة قصيرة إلى الكونغرس لطلب موافقته على مثل تلك العمليات مادام منعقدا، كما ينبغي له طلب موافقة الكونغرس قبل شن حرب ما لأن الكونغرس يمتلك سلطة إعلان الحرب وتمويلها، بينما يملك الرئيس سلطة تنفيذ الحرب وحماية أميركا في حالات الضرورة.

ويحرص الدستور على عدم تقييد يد الرئيس القائد الأعلى للقوات المسلحة خلال فترات الحروب، فلا يعقل مرة أخرى أن يطلب الرئيس موافقة الكونغرس قبل أن يعطي الأوامر بتحريك كل جندي من الجنود الأميركيين بالعراق أو قبل شن كل عملية عسكرية صغيرة أو كبيرة هناك، فالرئيس هو المسؤول عن وضع إستراتيجية الحرب وتنفيذها.

"
سلطات الرئيس بوصفه القائد الأعلى للقوات لا تعني أن يده غير مقيدة في إدارة الحرب وإطالتها لأمد مفتوح إذ للكونغرس حق إعلان الحرب والتأثير على مسارها عبر أداة هامة جدا وهي التمويل
"
سلطات الكونغرس
ولكن سلطات الرئيس السابقة لا تعني أن يده غير مقيدة في إدارة الحرب وإطالتها لأمد مفتوح، إذ للكونغرس حق إعلان الحرب والتأثير على مسارها من خلال أداة هامة جدا وهي التمويل.

فتمويل الحرب من مسؤوليات الكونغرس الذي يجب أن يوافق على أي اعتماد مالي للحكومة بما في ذلك الاعتماد المالي المخصص للقوات المسلحة الأميركية.

وإذا وافق الكونغرس على بنود ميزانية محددة وخصص تمويلا لكل بند من تلك البنود بما في ذلك العمليات العسكرية، لا يحق للرئيس أن يعيد تخصيص المواد الموزعة في الميزانية. ويتحتم عليه أن يدير عملياته العسكرية وفقا للموارد المخصصة من قبل الكونغرس لتلك العمليات فقط سواء قلت أو كثرت، مما قد يعني نهاية الحرب إذا ما توقف الكونغرس عن التمويل.

كما يحق للكونغرس أيضا إبطال قرار إعلان الحرب مما يعني نهاية تفويض الرئيس بخوض الحرب، ولكن التقرير يؤكد أن لغة القانون تختلف عن لغة السياسة وعن اللغة الجمهورية، وهي حقيقة تطل بشكل متكرر عبر التقرير حيث يرى مؤلفو التقرير أن إنهاء تفويض الرئيس لا يعني وقف الحرب وسحب القوات، إذ يمكن أن تستمر القوات الأميركية في حرب بعد إلغاء تفويض الحرب لسببين على الأقل:

أولهما وجود اعتماد مالي للعمليات العسكرية، حيث يرى بعض القانونيين أن وجود اعتمادات مالية لتمويل القوات يعني تفويضا ضمنيا للقوات بأن تستمر في عملياتها العسكرية.

أما السبب الثاني فهو أن وقف الحرب لا يتم بشكل مفاجئ قد يعرض القوات الأميركية أو الإستراتيجية الأميركية لمخاطر ضخمة، لذلك يستطيع الرئيس أن يستمر في حرب بدأها بعد إبطال الكونغرس لقرار تفويض سلطات الحرب مادام مرتبطا بمصالح معينة للجنود مثل المساعدة على ترحيل القوات من أرض المعركة أو حماية قوات باقية هناك.

وهذا يعني أن قدرة الكونغرس على وقف تمويل الحرب أهم عمليا من قدرته على إبطال تصريح خوضها، كما يقول التقرير –في لفتة قانونية مثيرة– إن السلبية أفضل من الإيجابية فيما يتعلق بقدرة الكونغرس على وقف تمويل الحرب.

ويشير مؤلفو التقرير إلى أن أعضاء الكونغرس قد يحاولون وقف الحرب من خلال تقديم تشريعات مالية أو بنود قانونية تطالب بذلك مثل وضع سقف زمني لسحب الجنود أو وضع شروط على طرق إنفاق الاعتمادات المالية المخصصة للعمليات العسكرية، وهي مبادرات إيجابية تعبر عن رغبة أعضاء الكونغرس في وضع حد لاستمرار العمليات العسكرية. ولكنها من وجهة نظر القانون تشريعات تخضع لمسار أي تشريع آخر يحق للرئيس رفضه (فيتو) بعد موافقة الكونغرس عليه، كما أنها قد تعد تدخلا في سلطات الرئيس كقائد أعلى للقوات المسلحة.

"
أعضاء الكونغرس قد يحاولون وقف الحرب عبر تقديم تشريعات مالية أو بنود قانونية تطالب بذلك أو وضع شروط على طرق إنفاق الاعتمادات المالية ولكن تلك المبادرات من وجهة نظر القانون تشريعات تخضع لمسار أي تشريع آخر يحق للرئيس رفضه
"
وقد ينادي بعض محامي الرئيس بأن وضع شروط على التمويل تقييد ليد الرئيس في قيادة القوات الأميركية مما يعد أمرا غير دستوري، وإن كان مؤلفو التقرير يرون أن وضع قيود على سبل إنفاق الاعتمادات المالية للقوات المسلحة الأميركية أمر يقع ضمن اختصاصات الكونغرس وسلطاته.

أما الطريقة الأكثر فعالية –من وجهة نظر التقرير– فهي طريقة سلبية تقوم على رفض تمرير اعتمادات مالية جديدة للقوات الأميركية والتصويت ضدها، فبدون تعاون الكونغرس لن يتمكن الرئيس من تقديم اعتمادات مالية أو تمريرها.

إعلان السلام وموقف القضاء
وتوضيحا لموقف الكونغرس من قضية سلطات الحرب، يشير التقرير إلى أنه يضع سلطة إعلان الحرب في يده بشكل واضح، ولكنه يجعل سلطة إنهاء الحرب أو "إعلان السلام" مسؤولية مشتركة بينه وبين الرئيس.

وقد يتم إعلان إنهاء الحرب من خلال تشريع يمرره الكونغرس ويوافق عليه الرئيس، أو من خلال معاهدة يوقعها الرئيس مع طرف أجنبي يعلن فيها السلام ويصدق عليها الكونغرس، أو من خلال إعلان رئاسي.

وفي جميع الحالات السابقة يقف الدستور موقفا غامضا أو مرنا تجاه قضية إعلان السلام، وقد يعود ذلك لرغبة واضعي الدستور الأميركي –الآباء المؤسسين – لعدم تقييد يد الرئيس في قضايا الحرب والسلام وفي عدم تركها مطلقة.

وينعكس الأمر نفسه على موقف السلطة القضائية من القضية ذاتها، فالسلطة القضائية لديها القدرة على تفسير العلاقة الدستورية بين الرئيس والكونغرس والفصل في دستورية تصرفات أي منهما. ولكنها تتردد –كما يظهر في السوابق التاريخية– في التدخل في الصراع الدائر بين الرئيس والكونغرس فيما يتعلق بسلطات الحرب.

فلو قام الكونغرس بوضع قيود على تمويل العمليات العسكرية لسبب عسكري أو سياسي ما على سبيل المثال وقام الرئيس بقيادة القوات العسكرية في عمليات رأى أعضاء الكونغرس أنها تتناقض مع تشريعهم، لجؤوا إلى القضاء لتحديد قانونية تصرفات الرئيس العسكرية لسعى القضاة للتملص من الأمر برمته ولرفضوا التدخل فيه.

ويرى القضاة تاريخيا أن تلك القضايا عملية سياسية بعيدة عن تخصصهم الذي يركز على تحديد العلاقة الدستورية بين الرئيس والكونغرس، فهم ليسوا عسكريين وليسوا على دراية بالإستراتيجيات العسكرية ولا بسير العمليات العسكرية الأميركية، ومن ثم كان حريا بهم عدم التدخل في مثل تلك القضايا.

"
قرار إبطال تفويض الرئيس بالحرب أمر له أهمية سياسية كبيرة خاصة وأن الوصول إليه سيمثل تتويجا لمعارضة غالبية الشعب الأميركي للحرب ولكن نقض تفويض الحرب لا يعني إنهاء العمليات العسكرية ما دامت الاعتمادات المالية جارية
"
الكونغرس والعراق
يوضح التقرير أن قرار إنهاء حرب ما من خلال إبطال تصريح خوضها أو وقف تمويلها يعتبر قرارا بطيئا يستغرق تنفيذه فترة طويلة قد تقدر بسنوات، كما ظهر في حالة فيتنام. حيث يشير التقرير إلى أن الكونغرس وافق على وقف تمويل الحرب في فيتنام بعد عامين من موافقته على إبطال تصريح الحرب، وأن وقف تمويل الحرب لم يضع نهاية فورية للعمليات العسكرية هناك.

وهذا الأمر يجب توقعه بالنسبة للعراق، فالواضح –كما تشير خلاصة التقرير– أن الكونغرس سوف يلجأ لوقف العمليات العسكرية الأميركية في العراق تدريجيا من خلال رفض تمويل تلك العمليات، ثم وضع قيود على الاعتمادات التي سوف يوافق عليها. وقد يلجأ تدريجيا إلى إبطال تفويض الرئيس بوقف الاعتمادات المالية عن الحرب كلية.

ولعل خلاصة التقرير ترشدنا إلى أن قرار إبطال تفويض الرئيس أمر له أهمية سياسية كبيرة خاصة وأن الوصول إليه سيمثل تتويجا لمعارضة غالبية الشعب الأميركي للحرب، ولكن نقض تفويض الحرب لا يعني إنهاء العمليات العسكرية الأميركية في العراق مادامت الاعتمادات المالية مستمرة.

لذا من الأفضل أن يلجأ الكونغرس إلى خفض تلك الاعتمادات، فذلك ما سيحدث بالتدريج خوفا من أن يؤدي الخفض السريع للتمويل إلى إلحاق خسائر عسكرية بالقوات الأميركية بالعراق أو بتصوير الأمر -سياسيا في واشنطن- على أنه موقف سلبي يتخلى فيه الكونغرس عن القوات الأميركية.

وفي الغالب سوف يلجأ الكونغرس إلى حزمة مشتركة من القوانين القائمة على الخفض التدريجي لتمويل القوات الأميركية في العراق، ووضع شروط على سبل استخدام الاعتمادات المالية من قبل القوات الأميركية في العراق، على أن يقود الأمر تدريجيا إلى سحب تلك القوات.

وهذا الأمر قد يستغرق سنوات خاصة إذا ما لجأ الساسة الأميركيون إلى وقف العمليات العسكرية الأميركية بالعراق، مع الحفاظ على وجود عسكري أميركي هناك لفترة أطول.

المصدر : الجزيرة