عرض/هيثم أبوزيد
من الممكن أن أفهم اضطرار الفقراء إلى الاستدانة في بعض الأحيان، أفرادا كانوا أم حكومات، ولكنني وجدت صعوبة في فهم اضطرار الأغنياء إلى ذلك، سواء أكانوا رجال أعمال، أم شركات كبرى، أم حكومات دول يقال لنا ليل نهار إنها كبرى وعظمى وإنها تمثل حلم البشرية في الرخاء، بل إن الدولة العظمى الوحيدة هي في الوقت نفسه الدولة المدينة الأعظم في العالم.

بهذا التعجب يبدأ المفكر والأكاديمي المصري الدكتور صلاح عبد الكريم كتابه "الأزمة المالية الأميركية العالمية مصيبة أم جريمة؟"، الذي يحاول فيه أن يضع يده على الأسباب الحقيقية التي أدت بالعالم إلى هذه الأزمة غير المسبوقة.

الهيمنة الأميركية على العالم عبر نظم التمويل
يرى المؤلف أن الولايات المتحدة الأميركية قد خرجت من الحرب العالمية الثانية بأقوى اقتصاد عالمي، وبقلعة صناعية مزدهرة لم تتأثر بالخراب الذي خلفته الحرب في أوروبا، وكان الإنتاج الصناعي للولايات المتحدة في عام 1945 أكثر من ضعف الإنتاج السنوي لدول أوروبا واليابان مجتمعة، كما كان لديها أكبر احتياطي من الذهب (26 بليون دولار تمثل 65% من احتياطي العالم).

-الكتاب: الأزمة المالية الأميركية العالمية مصيبة أم جريمة؟
-المؤلف: صلاح عبد الكريم
-عدد الصفحات: 148
-الناشر: دار سفير الدولية, القاهرة
-الطبعة: الأولى/2009
وقد وجدت أميركا بعد الحرب أن الدمار الذي حل بدول أوروبا كان من الشدة والعمق بحيث أصبح من الضروري إعادة بناء اقتصادها حتى تصبح مؤهلة لتكون سوقا للمنتجات الأميركية.

وهكذا تم إطلاق مشروع مرشال لإعادة بناء أوروبا وربطها تماما بمصدر تمويلها الجديد، وأخذت البنوك والمؤسسات المالية الأميركية تحل محل مؤسسات مدينة لندن كمركز للتمويل العالمي بعد الحرب العالمية الثانية.

وقد وضعت لجنة خاصة من مجلس العلاقات الخارجية خطة لقواعد النظام المالي العالمي لما بعد الحرب حتى قبل أن تبدأ الحرب فعليا.

الديون أداة للسيطرة
لكن الاقتصاد الأميركي بدأ في التدهور في النصف الثاني من الخمسينيات بعد سلسلة من الحروب الإقليمية التي لم تتوقف وأدت -برأي المؤلف- إلى عسكرة الاقتصاد الأميركي تدريجيا على حساب تطوير الاقتصاد الصناعي المدني، في وقت تعافت اقتصادات كثير من دول الحلفاء مثل ألمانيا واليابان، وأصبحت منتجات هذه الدول تنافس صناعة الولايات المتحدة مما عرض الريادة الأميركية ومكانة الدولار للخطر، ولم يكن هناك بد من وضع حد لهذا الخطر.

ويضيف المؤلف "تحولت أميركا من كونها الممول الرئيسي للعالم إلى كونها المدين الأكبر في العالم، حيث أدرك صناع السياسة أنه يمكن لأميركا أن تحتفظ بازدهارها وبريادة الدولار للأسواق المالية بإرغام الدول الصناعية على تحويل فوائضها إلى سندات الخزانة الأميركية، بجعلها معتمدة على الحماية الأميركية، مع التلويح دائما بنزع درع الحماية النووية".

وفي السبعينيات من القرن الماضي، اضطرت معظم الدول النامية للاقتراض في أعقاب ارتفاع أسعار البترول بنسبة 400%، لتمويل وارداتها من النفط، وكذلك لتمويل عجزها التجاري.

"
أدرك صناع السياسة أنه يمكن لأميركا أن تحتفظ بازدهارها وبريادة الدولار للأسواق المالية بإرغام الدول الصناعية على تحويل فوائضها إلى سندات الخزانة الأميركية، وجعلها معتمدة على الحماية الأميركية
"
وفي أكتوبر/تشرين الأول 1979 تعرضت الدول المدينة لصدمة كبرى، ففي ليلة واحدة ارتفعت تكلفة قروضهم من 7.6% إلى 21.5% أي بنسبة 300% حيث قام رئيس بنك الاحتياطي الفدرالي بالولايات المتحدة بول فولكر بزيادة سعر الفائدة على الودائع الدولارية لتشجيع دول العالم على الادخار بالدولار، ولأن شروط هذه الديون كانت تتضمن أن تكون الفائدة متغيرة حسب ما يعلنه بنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي.

فقد ارتفعت الفائدة ثلاثة أضعاف في ليلة واحدة، وفقدت كل دول العالم المدينة قدرتها على دفع أقساط وفوائد الديون والقروض البترولية، وبدأت -برأي المؤلف- أكبر عملية نهب في التاريخ تحت إشراف صندوق النقد الدولي.

الأزمة المالية الأميركية الحالية
يفضل المؤلف عدم الاعتماد على مقياس إجمالي الدخل لمعرفة الحيوية الاقتصادية لأمة ما، ويرى أن المقياس الأنسب هو مقدار السيولة النقدية المتوفرة لدى الناس للإنفاق، أو ما يسميه بنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي "أم 1"، وهو رقم لم يتغير كثيرا في أميركا منذ عام 2003 حيث يتراوح بين 1.3 و1.4 تريليون دولار.

ويضيف المؤلف "إذا وضعنا في اعتبارنا نسبة التضخم السارية منذ ذلك التاريخ فسوف يتضح لنل حجم الكساد الذي تعانيه أميركا حتى بدون زيادة الأسعار التي بلغت عنان السماء".

لقد بلغ العجز في الميزان التجاري الأميركي عام 2007 حوالي 610 بلايين دولار، وتقلصت العمالة الصناعية بسبب التجارة الحرة وانتقال المصانع إلى الخارج، ولجأت الأسر إلى الاقتراض لتوفير ضروريات الحياة، ولم يكن ممكنا سد العجز في الميزانية الفدرالية عن طريق فرض المزيد من الضرائب المرتفعة أصلا, لأن رفعها سيؤدي إلى المزيد من البطالة وإغلاق المصانع، وأصبح للدول الأخرى ما يقرب من 9 تريليونات دولار في صورة ديون على الحكومة الأميركية، أي أن أميركا أصبحت تعيش على الاقتراض من الجميع، وكأن الجميع يعملون عندها مجانا.

واليوم يصل المعدل السنوي للعجز إلى 700 بليون دولار، وليس أمام الدول الدائنة إلا الاستمرار في شراء أصول الخزانة والحصول على المزيد منها كفائدة سنوية، وتجديد المنتهي منها بأذون جديدة، رغم أن نسبة الفائدة عليها تدنت إلى 0.16% لأن المقابل هو انهيار صادرات هذه الدول، أو ارتفاع قيمة عملتها أمام الدولار مما يعني أيضا انهيار صادراتها وحدوث انكماش اقتصادي بها، أي أن بلادا فقيرة مثل إندونيسيا تصدر رأس المال إلى أميركا بدلا من العكس، والخزانة الأميركية وبنك الاحتياطي الفدرالي يدركون اضطرار العالم لشراء أذون الخزانة الأميركية لمنع النظام النقدي العالمي من الانهيار.

ويتساءل المؤلف "هل سيأتي اليوم الذي تسدد فيه هذه الديون؟" ويضيف أن الجميع يستخدمون هذه الديون كأصول لنظمهم المالية "أي احتياطيات" وتتراكم الديون ولا أحد يعرف إلى متى.

الرهن العقاري وإطلاق الأزمة

"
تتلخص أزمة الرهن العقاري في أن هناك أطرافا مالكة غير محددة، ووثائق رهونات مجزأة، وأوراقا رسمية ضائعة، وأطرافا راهنت فأفلست واختفت، ومقترضين عاجزين عن السداد
"
في عام 2001 كان الاقتصاد الأميركي –على السطح- يبدو كما لو كان ينمو أخيرا عقب ركود شديد، وعقب انهيار في البورصة قدره 60%. وبداية من يناير/كانون الثاني 2001 قام محافظ بنك الاحتياطي الفدرالي آلان غرينسبان بإجراء 12 تخفيضا متتاليا في سعر الفائدة حتى تدنت من 6% إلى 1% في يونيو/حزيران 2003، كما تم إطلاق شركات الرهن العقاري التي استهدفت أساسا قطاع الفقراء والمهاجرين والمناطق الملونة لخلق فقاعة الرهون العقارية.

لقد تمكن بنك الاحتياطي الفدرالي من إغراء الأسر الأميركية لكي تستدين بمعدلات قياسية عن طريق خفض سعر الفائدة، وكان حلم امتلاك منزل يمثل الإغراء الأكبر الذي تم توظيفه للتشجيع على الاقتراض.

وعندما تشتري الأسر المنازل فإنها تحتاج إلى أثاث وعمال بناء ومهندسين وغيرهم مما ينمي الاقتصاد، ولا تستطيع الأسر أن تدفع أجر هؤلاء إلا بمزيد من القروض (بضمان منازلهم).

واستمر هذا النشاط حتى آخر يونيو/حزيران 2004 عندما بدأ غرينسبان في رفع الفائدة مرة أخرى في 14 زيادة متتالية حتى وصلت إلى 4.5% على مدى 19 شهرا مما أدى -في رأي المؤلف- إلى بدء ظهور أزمة الرهن العقاري قبل أن يترك غرينسبان منصبه.

ويلخص المؤلف مشكلة الرهن العقاري في أنه عندما كان أصحاب المنازل يقومون برهنها للبنوك ضمانا للقروض والأقساط، فإن هذه الرهون لم يكن يجري تسجيلها لصالح المؤسسة المقرضة، لأنها كانت تنوي "توريق" وثائق الرهون وبيعها في سوق المال، حيث يتم تداولها بين عشرات المؤسسات المالية، وبناء عليه تم تفادي عمليات التسجيل المعقدة والطويلة والمكلفة، لكن عدم التسجيل هذا جعل وثائق الرهن غير قانونية، لأنه لم ينص فيها على المستفيد من الرهن، ثم بيعت هذه الوثائق إلى آلاف المستثمرين، وأصبح الوضع أن كل وثيقة رهن يمتلكها عدد كبير من المؤسسات التي ليس بينها أي علاقات، ولم يعد هناك مالك وحيد لأي وثيقة يستطيع الادعاء بأن الرهن لصالحه قانونا.

أما المصيبة الكبرى، في نظر المؤلف، فتمثلت في أن كثيرا من مؤسسات الرهن الصغيرة التي قامت بعمل هذه الوثائق للملايين من المنازل كانت قد أفلست فعلا ولم يعد لها وجود، كما أن الكثير من الوثائق القانونية الواجب إلحاقها بوثائق الرهونات هذه فقدت تماما في هذه العمليات التبادلية، وأصبح الوضع أن هناك أطرافا مالكة غير محددة، ووثائق رهونات مجزأة، وأوراقا رسمية ضائعة، وأطرافا راهنت فأفلست واختفت، ومقترضين عاجزين عن السداد.

انهيارات متتالية
في يونيو/حزيران 2007 تكبد صندوقا استثمار تابعان لواحد من أكبر البنوك الأميركية (بيرشترن) خسائر كبيرة، وعانيا أزمة سيولة حادة، حيث كانا يستثمران بقوة في السندات العقارية تحت الممتازة، واندفع الجميع للتخلص من كل الأوراق المالية المضمنة بالرهون العقارية، ولما لم يكن هناك أحد يقبل شراء تلك الأوراق، فقد اضطر بنك بيرشترن إلى بيع أوراق مالية ممتازة لتوفير السيولة، مما تسبب في انهيار أسعار جميع الأوراق المالية وانهار البنك.

وفي السابع من سبتمبر/أيلول 2008 اضطرت إدارة بوش إلى ما يشبه تأميم أكبر مؤسستين للرهن العقاري، حيث أصبحت وزارة الخزانة الأميركية ضامنة لما يزيد على 5.3 تريليونات دولار قيمة عجز مؤسستي "فاني ماي وفريدي ماك"، وذلك عندما هددت كل البنوك المركزية العالمية بالتخلص من أسهمها في هاتين المؤسستين ما لم يتم إنقاذهما. لقد كان يقال عن هاتين المؤسستين إنهما أكبر من أن تنهارا، إلا أن كتليهما قد انخفضت قيمتهما في السوق إلى أقل من الصفر، رغم أنهما تمتلكان أو تضمنان ما قيمته 6 تريليونات دولار من القروض العقارية، أو ما يساوي نصف القروض العقارية في السوق الأميركية.

وبعد أسبوع واحد، أفلست مؤسسة ليمان براذرز، وفي 17 سبتمبر/أيلول وافق البنك الفدرالي على دعم شركة "أي آي جي" (AIG) للتأمين بمبلغ 85 بليون دولار، بسبب ضمانها لأرباح المراهنين على قيم الأسهم والسندات التي أصبحت بلا قيمة.

لقد أصدرت "أي آي جي" وثائق تأمين بما قيمته نصف تريليون دولار، ضمنت فيها جميع الأطراف التي تدخل المضاربات المالية ضد بعضها، كانت تؤمن الجميع ضد الجميع، أي أنها كانت خاسرة في كل الأحوال.

الحاسوب والأزمة

"
 كانت المؤسسات المالية تراهن –باستخدام الحواسيب الآلية- بمبالغ أكبر من قدرتها المالية، مع الاقتراض لحظيا من البنوك حتى تتم عملية المضاربة، فتحولت الحواسيب إلى مكنسة آلية شفاطة عملاقة تشفط الثروات في لمح البصر من كل أنحاء العالم
"
يختم المؤلف كتابه بلفت الانتباه إلى الدور الحاسم الذي لعبته الحواسيب الإلكترونية في صنع هذه الأزمة الكبيرة، حيث أجرت آلاف الحواسيب (المبرمجة بواسطة علماء الرياضيات) يوميا في آلاف المؤسسات المالية والبورصات بلايين العمليات التجارية اللحظية بيعا وشراء ومضاربة، بعد تغذيتها بأسعار صرف العملات والفائدة والقيمة التقديرية اللحظية للأسهم والسندات والمشتقات حتى وإن كانت فعليا لا تساوي شيئا وفي طريقها للانهيار.

وحتى يتم تضخيم الأرباح، كانت المؤسسات المالية تراهن –باستخدام الحواسيب الآلية- بمبالغ أكبر من قدرتها المالية، مع الاقتراض لحظيا من البنوك، حتى تتم عملية المضاربة التي قد تستغرق دقائق معدودة وربما ثواني، لقد كان الجميع يعتقدون أنهم قد صنعوا بحواسيبهم العملاقة ذات البرامج المعقدة والمتقدمة التي لا يملكها غيرهم مكنسة آلية شفاطة عملاقة تشفط الثروات في لمح البصر من كل أنحاء العالم.

ولقد بلغت قيمة المضاربات الجارية في المشتقات في عام 2007 مبلغ 590 تريليون دولار، أي أن قيمة المضاربات تتعدى بعشرات المرات قيمة الإنتاج السنوي الكلي للعالم أجمع.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك