عرض/ مركز الإعلام العربي
 
يقول الباحث الليبي في العلوم السياسية، توفيق صالح الحفَّار، إنه لا بد لأي عملية تكامل أو اندماج اقتصادي إقليمي في العالم أن تمر ببعض المحن والمعوقات التي قد تتسبب في إخفاقها، وباستثناء القليل من التجارب التكاملية التي نجحت في العالم، فإن الكثير منها قد واجه الفشل، الأمر الذي أرجعه الكثير من المحللين والمفكرين إلى وجود بعض العوامل المعوقة، لعل أبرزها يتمثل في ضعف الإرادة السياسية للنخب الحاكمة تجاه العملية التكاملية.
 

-العنوان: التكامل الاقتصادي العربي.. "دراسة تحليلية لواقع التجربة ومكامن الضعف"
-تأليف: توفيق صالح الحفَّار
-الناشر: مكتبة النهضة الليبية، بنغازي، ليبيا
-عدد الصفحات: 216 صفحة
-الطبعة: الأولى، 2013

هذه العبارة تلخص موضوع الكتاب الذي نشره الحفار في مطلع العام الجديد حول تجربة التكامل الاقتصادي العربي، والذي جاء في ثلاثة فصول، أكدت رسالة مهمة مفادها أن غياب الإرادة السياسية للحكومات والأنظمة، يعد واحدًا من أهم العوامل التي أدت إلى فشل هذه التجربة طيلة العقود التي تلت تأسيس جامعة الدول العربية.

جاء الفصل الأول نظريًّا ليناقش قضية الاعتماد المتبادل والتكامل الاقتصادي الإقليمي بشكل علمي مجرَّد، مع طرح نماذج عالمية لتجارب ناجحة للتكامل الاقتصادي الإقليمي، مثل تجربة الاتحاد الأوروبي ومنطقة التجارة الحرة لأميركا الشمالية.

الفصل الثاني ناقش تجربة التكامل الاقتصادي العربي، من زاوية المقومات التاريخية والبشرية والجغرافية القائمة، والتي تكفل قيام تجربة ناجحة للتكامل الاقتصادي العربي في ضوء الغطاء المؤسسي لذلك، ممثلاً في جامعة الدول العربية، وبعض الإنجازات المتحققة في هذا المجال، وخصوصًا منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى.

أما الفصل الثالث، فقد خصصه الكاتب لمناقشة العامل السياسي وأثره على تجربة التكامل الاقتصادي العربي.

عالم واحد
في الفصل الأول، ينطلق الكاتب من فكرة رئيسية مفادها، أنه في العقود الأخيرة، التي تلت الحرب العالمية الثانية، لم يعد في مقدور أي من دول العالم، أن تحيا في عزلة بعيدًا عن باقي الأطراف الدولية، خصوصًا في الإقليم الذي تقع فيه هذه الدولة حيث إن الاحتياجات الاقتصادية -وكذلك الأمنية والسياسية- لأية دولة لا تقع فقط داخل حدودها، بل إنها في حاجة إلى الآخرين، لتحقيق مصالحها وحاجات شعبها.

ويعرَّف التكامل الاقتصادي بأنه عملية إرادية تتم بين دولتين أو أكثر، تجمع بينها بعض القواسم المشتركة، أبسطها الجوار الجغرافي، وأعلاها الانتماء الديني والقومي، تقوم بموجبه هاتان الدولتان -أو هذه الدول- بإزالة كافة الحواجز أمام التبادلات التجارية وانتقال عناصر الإنتاج فيما بينها، بما في ذلك العمالة ورؤوس الأموال.

بين اللغة والدين والتاريخ المشترك والقومية، كعوامل نجاح، وقفت العوامل السياسية حائلاً مهمًّا أمام العرب لتحقيق التكامل الاقتصادي فيما بينهم

أما في الاصطلاح، فإن التكامل الاقتصادي يتضمن أن تقدم كل دولة للأخرى ما تحتاجه من عناصر تنقصها لتعزيز عملية الإنتاج الاقتصادي في كلا البلدين، وقد تكون هذه العلاقة في هذا الإطار متكافئة، كما هو الحال في التحالفات والتكتلات الاقتصادية التي تنشأ بين الدول المتقدمة، مثلما في حالة دول أوروبا الغربية؛ أو غير متكافئة، كما تظهر في حالة التكامل بين الدول المتقدمة والدول النامية مما يدفع علاقات التكامل الاقتصادي إلى الأمام، سواء أكانت في صورة مؤسسية، أو في صورة اتفاقيات، أو حتى في صورة علاقات تبادل تجاري واستثمارات مشتركة.

ويعد الاندماج أعلى مراحل التكامل الاقتصادي، وفيه يتم تنسيق السياسات الاقتصادية، وإيجاد نوع من تقسيم العمل بين الدول المعنية، وبشكل عام يبدأ التكامل الاقتصادي باتفاقات تجارية مشتركة أو تخفيض الجمارك على منتجات كلا البلدين أو البلدان التي تشترك في هذه العلاقة.

ومن بين أهم تجارب التكامل الاقتصادي الإقليمي في عالمنا المعاصر، الاتحاد الأوروبي، والذي بدأ باتفاقية الفحم والصلب في عقد الخمسينيات من القرن العشرين، ضمن ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية، وإعادة إعمار أوروبا التي دمرتها الحرب. وكان التكامل الاقتصادي وقتها أحد أهم الأدوات التي استخدمت لإزالة الحالة العدائية بين أطراف الحرب المختلفة في أوروبا الغربية.

شروط نجاح هيكلية
وهناك ملاحظة مهمة يمكن الخروج بها من النماذج التي ساقها الكاتب لبعض التجارب الإقليمية العالمية في هذا المجال، وهي أن التكامل الاقتصادي الناجح يلزمه مجموعة من الشروط، أولها تشابه الهياكل الاقتصادية للدول المشاركة فيه، وتشابه سياساتها وأنظمتها الاقتصادية، فلا يمكن قيام تجربة تكامل اقتصادي ناجح بين دول رأسمالية تعتمد آليات اقتصاد السوق الحر، وبين دول اشتراكية تعتمد سياسات السوق الموجه.

كذلك لا بد من توافر حد أدنى من قوة الاقتصاد بين الدول المتكاملة، حيث إن اختلاف قوى البُنى الاقتصادية بين الدول المتكاملة، قد يحول العلاقة التكاملية إلى استغلال الأقوى للأضعف.

من أبرز مظاهر ضعف الإرادة السياسية لدى العرب، ضعف ميثاق الجامعة العربية، بحيث لم يعطها الدور الفعال للمشاركة في تحقيق التكامل الاقتصادي العربي

عوامل نجاح غير مستغلة
الفصلان الثاني والثالث تناولا الجانب التطبيقي من موضوع الكتاب، وهو التكامل الاقتصادي العربي، كتجربة بدأت قبل تجربة الاتحاد الأوروبي بأكثر من عشر سنوات، ولكنها لم تزل تحبو، بينما وصل الأوروبيون بالفعل إلى طرح فكرة الوحدة الاندماجية بين بلدان الاتحاد، بعد إزالة قيود الحدود والعملات بينها في التسعينيات الماضية.

ويأتي الفشل في تحقيق الاندماج الاقتصادي العربي، أو على الأقل قيام تجربة ناجحة، أي مستقرة وفاعلة، لتكامل اقتصادي إقليمي بين الدول العربية، بالرغم من أن المقومات التي تجمع بين البلدان العربية، والتي تكفل لها تحقيق مثل هذا النجاح، أكبر بكثير من تلك المتوافرة لدى الأوروبيين.
فبين اللغة والدين والتاريخ المشترك والقومية، كعوامل نجاح، وقفت العوامل السياسية حائلاً مهمًّا أمام العرب لتحقيق التكامل الاقتصادي فيما بينهم.

وبجانب هذه المقومات ذات الطابع السياسي، فإن هناك مقومات "فنية" ذات طابع اقتصادي تكفل قيام تجربة ناجحة للتكامل الاقتصادي العربي، بشرط توافر الإرادة السياسية، مثل توافر الموارد البشرية، والموارد الطبيعية، وكذلك رؤوس الأموال.

والملاحظ أن البلدان التي تملك بعض هذه المقومات، مثل الموارد البشرية، لا تملك بعض المقومات الأخرى، مثل الموارد الطبيعية ورؤوس الأموال، بينما الدول التي تملك الثانية لا تملك الأولى، وهذا الوضع من أكفأ الأوضاع وأكثرها مثالية لقيام تجربة تكامل اقتصادي حقيقي، ولكن هذا الأمر تعطل بسبب الاعتبارات السياسية.

ولقد بدأت تجربة التكامل الاقتصادي العربي منذ تأسيس جامعة الدول العربية، والتي تأسس في إطارها عدد من المؤسسات الفرعية التي اختصت بالعمل من أجل تحقيق حلم التكامل الإقليمي العربي، مثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي.

لكن المحطة الأهم في مسار تجربة التكامل الاقتصادي، تركزت في منطقة التجارة العربية الحرة الكبرى، والتي وقعت عليها 17 دولة في القمة العربية التي عقدت في العاصمة الأردنية عمَّان في العام 1997، ودخلت حيز التنفيذ في يناير/كانون الثاني 2005. وتتمحور أساسًا حول تخفيض الرسوم على المنتجات الصناعية والزراعية ذات المنشأ العربي، وتتضمن أيضًا في مرحلة مستقبلية منها، إنشاء منطقة تجارة حرة عربية للاستيراد والتصدير.

هناك عدد من العوامل أدت إلى تعويق تجربة التكامل الاقتصادي العربي، على رأسها العوامل السياسية، كعدم توافر الإرادة السياسية

عوامل إعاقة
غير أن هناك عددًا من العوامل التي أدت إلى تعويق تجربة التكامل الاقتصادي العربي، وعلى رأسها العوامل السياسية، والتي تتعلق بعدم توافر الإرادة السياسية، والتي تضمن التزام الدولة العضو بكافة القرارات التي تعمل على تنفيذ مراحل التكامل ووضعها موضع التطبيق، والمتابعة المستمرة لها، وتطوير أساليب العمل، وضمان استمرار فعاليته.

ومن أبرز مظاهر ضعف الإرادة السياسية، ضعف ميثاق جامعة الدول العربية؛ حيث يقول الكاتب إنه لم يعطِ جامعة الدول العربية ومؤسساتها، الدور أو القدرة اللازمة لتفعيل العمل العربي المشترك، بما في ذلك التكامل الاقتصادي، بالإضافة إلى المشكلات البينية القائمة لدى الأنظمة العربية.

يضاف إلى ذلك، بعض العوامل ذات الطابع الفني أو المتخصص التي أعاقت استكمال تجربة التكامل الاقتصادي العربي، ومن بينها عدم اكتمال البنى الهيكلية للاقتصاديات العربية، وضعف هذه الاقتصاديات؛ بحيث لا يمكن لها أن تساهم بطبيعتها الحالية، كاقتصاديات زراعية وريعية، في قيام تجارب تكامل ناجحة.

وفي النهاية يقدم الكاتب رؤية لكيفية تسريع وتيرة التكامل الاقتصادي العربي، ويرى أن ذلك مهم لمواجهة تحديات القرن الجديد، وتفادي مخاطر العولمة، وخصوصًا التهميش الذي يعاني منه العالم العربي في سلم القوى الدولية، وبالتالي ابتعاده عن صناعة القرار الدولي، السياسي والاقتصادي.

ويطرح الكاتب أولوية لمعالجة المشكلات السياسية القائمة بين الدول العربية، وتحسين هيكلية الاقتصادات العربية، وتنمية الجانب العملي والتقني، باعتبار أن في ذلك مصلحة قومية عربية خالصة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك