عرض/ أحمد محمود

كان للنضال الذي لعبته الفئات والطوائف المهمشة داخل المجتمعات العربية دور كبير في تحقيق الحراك السياسي والاجتماعي الإصلاحي في مجتمعاتها، والذي انتهى باندلاع ثورات الربيع العربي، التي قادتها شرائح مهمشة بالأساس، مثل الشباب والعمال.


-العنوان: التهميش والمهمشون في مصر والشرق الأوسط 
-المؤلف: حبيب عائب-راي بوش (محرران)
-النَّاشر: دار العين للنشر-القاهرة
-الطبعة: الأولى 2012
-عدد الصفحات: 327 من القطع الكبير

ولقد شُغِلت الكثير من الدوائر البحثية والأكاديمية بالبحث في العوامل التي أدت إلى تحريك هذه الفئات، والأسباب التي منحت أدوارهم فاعليتها التي أدت في النهاية إلى الإطاحة بالعديد من الأنظمة العربية الاستبدادية.

الكتاب
"التهميش والمهمشون في مصر والشرق الأوسط"، ويتناول هذه الظاهرة بالتحليل، ويتكون بالأساس من مجموعة من الدراسات لعدد من الباحثين العرب والغربيين، ضمن ورشة عمل أُقيمت بالقاهرة عام 2009م، ولكن تمت مراجعتها بعد أحداث الثورات العربية.

وتحاول الأوراق فهم أسباب نضال هذه الشرائح من المجتمعات العربية، وأدت إلى الإطاحة بالأنظمة السابقة في مصر وتونس وغيرها بإلقاء الضوء على الأحداث العميقة التي جرت عام 2011، ووضعها في السياق التاريخي للنضالات المستمرة والمتكررة المعارضة للدكتاتوريات القائمة في عالمنا العربي تاريخيًّا، والتي قام بها العمال والفلاحون، والشباب المنظم وغير المنظم، والطبقة الوسطي والمهمشون، وغير ذلك من الفئات.

الكتاب وضعه عدد من الباحثين والأكاديميين المصريين والغربيين من العاملين في حقل الدراسات السياسية والاجتماعية، ومن بينهم الباحث بمركز البحث الاجتماعي بالجامعة الأميركية بالقاهرة الدكتور حبيب عائب، وأستاذة الدراسات الأنثربولوجية بمؤسسة التعليم الحر بالهند الدكتورة داليا وهدان، والأستاذ بكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية الدكتور علي القادري، وأستاذة العلوم السياسية بالجامعة الأميركية بالقاهرة الدكتورة رباب المهدي، وأستاذ الدراسات الأفريقية والتنمية بجامعة ليدز البريطانية راي بوش.

الشخصية القمعية لدول المنطقة العربية ممثلة في الحكومات والأنظمة الحاكمة كانت وراء التغيرات العميقة التي شهدتها بلدان المنطقة حاليًا

تأصيل ومفاهيم
في مقدمة الكتاب، يؤكد عائب والقادري أن هناك العديد من التحديات التي تواجه ربيع الثورات العربية، من بينها الواقع الداخلي والميراث الناتج عن عقود الاستبداد والفساد التي قامت الثورة لأجلها، وكذلك تحديات خارجية، ومن بينها براغماتية الغرب في التعامل مع الربيع العربي، بما يحقق مصالحه.

ويؤكد الكتاب أن موقف بعض القوى والنخب قد حكم مصير الثورات العربية في كثير من الأحيان، فموقف الجيشَيْن في كل من مصر وتونس كان معيارًا مهمًّا في تحسين مستوى الوضع في كلا البلدَيْن عن بلدان أخرى شهدت ثورات شعبية ضد حكوماتها، كما في ليبيا واليمن وسوريا.

ويمكن تقسيم مقالات ودراسات الكتاب إلى قسمَيْن، الأول نظري يؤصل لما جرى من زاوية العلوم الاجتماعية والسياسية، والثاني تطبيقي يسقط ذلك على الواقع.

في الجانب النظري، ناقشت مقالات ودراسات هذا الكتاب عددًا من المقولات الرئيسيَّة، من بينها مفهوم الهامشية الذي كان دائمًا ما يُستخدم لتفسير الطرق التي تم بها استبعاد بعض الناس، والذين ينظر إليهم عادة كأفراد، أو أجزاء من جماعات اجتماعية أو فئات متفرقة، وليس كجزء من طبقات اجتماعية، والذين تم استبعادهم أو دفعهم بعيدًا عن مراكز النمو أو التنمية.

ويؤكد الكتاب في هذا أن تعبير هامشي أو الهامشية قد يكون مبهمًا، وقد استخدم كتعبير "شامل" ليضم مجموعة من الحالات المختلفة من أشد حالات فقر الأفراد أو جماعات من الناس، والذين ربما عانوا من حالة ثراء أقل أو "حظ سيئ" مقارنة بمعاناة الشخص "العادي".

وعلى نحو ذي مغزى، كان الشباب هم الذين عجلوا بالثورة في تونس ومصر، هؤلاء شباب غالبًا بدون قيادات، أو منظمات، أو أحزاب سياسية، وقد اعترض الثوريون جميعًا على طريقة تركيز الثروة في أيدي طبقة فائقة الثراء من الرأسماليين الذين انتفعوا من صلاتهم الحميمة بالدولة والحزبين الحاكمين في البلدين. وتقدم المقالات في هذا الكتاب مجموعة وافرة من وجهات النظر حول الأفراد والجماعات التي كانت هامشية بالنسبة للتنمية القومية في مصر، وماذا كانت الخلفية التي قامت عليها الثورة.

واجهت الثورتان المصرية والتونسية تحديات وصعوبات من القوى المضادة للثورة والتي اكتسبت قوة وفاعلية من صلتها بالنظم السابقة

تراجع التنمية ودوره
وفي هذا السياق، يقدم علي القادري عملاً إطاريًّا مهمًّا لفهم الأبعاد التنموية التي تقف خلف ثورات المهمشين وانتفاضاتهم، فهو يتناول ما وصفه بـ"إتعاس" الشعوب في ظل تراجع التنمية، وفقدان ثمارها في الطبقات الأدنى والوسطى من المجتمعات، مع تحليل المفارقة الخاصة بالمنطقة التي يتناولها الكتاب، وهي العالم العربي أو الشرق الأوسط، وهي، أنه لماذا، مع وجود كل هذه الثروات، خاصة من عوائد البترول، يحكم على أكثر من نصف السكان بحياة الفقر.

ويفند القادري مقولة أن المشرق العربي لم تحدث فيه تنمية، والحق أنه كانت هناك عملية تراجع تنمية لإنتاج البضائع مع التركيز على قطاع البترول وأجهزة القمع السياسي.

الغرب وتأثيراته
ويشير الكتاب إلى دور الغرب في تكريس هذه الوضعية، ببراغماتية واضحة، دفعته إلى تأييد الثورات التي خرجت لإسقاط ذات الأنظمة التي كان يدعمها في السابق، وخصوصًا الولايات المتحدة، ضمن دفاعها الشامل عن إمدادات الطاقة ودور إسرائيل الفاعل الموالي للإمبريالية الغربية كشرطي للولايات المتحدة ورأس المال العالمي في المنطقة.

وقد ضمن ذلك مستوى مرتفعًا من إبقاء قوات وتجهيزات عسكرية في المنطقة، على الرغم ما تتبعه ذلك من تكاليف اجتماعية واقتصادية، استغلالاً لعدد من المبررات من بينها تكرار الحروب في الخليج العربي، والخوف المستمر منها، والاحتلال في فلسطين والعراق.

ويرى مؤلفو الكتاب أن الشخصية القمعية لدول المنطقة، بمعنى الحكومات والأنظمة، والتي كان من بين سياساتها تهميش العمال والفلاحين فيها، كانت وراء التغيرات العميقة التي تشهدها بلدان المنطقة حاليًا، والتي ترجع أصولها إلى ما قبل الربيع العربي.

كان للنضال والكفاح الذي قامت به الفئات المهمشة في المجتمعات العربية دور كبير في تحقيق الحراك السياسي والاجتماعي والإصلاحي الذي انتهى باندلاع ثورات الربيع العربي

وفي السياق نفسه، يتناول الأكاديمي البريطاني "راي بوش"، وضع منطقة الشرق الأوسط في سياق الإستراتيجية العالمية للرأسمالية، ويقول: إن فكرة الهامشية والاستبعاد، والتي تعني عدم تضمين الشعب في التنمية، اعتُبرت امتهانًا للناس وحرمانًا لهم من حقوقهم الطبيعية في التنمية، في مقابل إثراء الطبقة الرأسمالية من خلال استغلال العمال والفلاحين.

الظلم كباعث للتغيير
وتنطلق الباحثة المصرية ريم سعد من هذه الجزئية لتتناول دور التهميش في خلق تساؤلات هذه الشرائح بشأن التغيير، وتناولت نموذجي حالة من مجتمع المرأة المصرية، والتي قالت: إنها تُعتبر مهمَّشة بدورها، وخصوصًا في صعيد مصر، وكيف أن هذه التساؤلات تحولت إلى محاولات جدية للتغيير.

وذات الفكرة طرحتها رباب المهدي؛ حيث أكدت أهمية النضال في خلق فرصة التغيير السياسي، وفصلت في كيفية تحول المناقشات حول الهامشية والمهمشين ومركزية طبقة اجتماعية بعينها، إلى فعل ثوري في مصر، ولكنها تطرح هذه الرؤية من خلال الأيديولوجية الجديدة الناهضة في مصر في السنوات الأخيرة.

وتقول رباب المهدي إن هناك أهمية كبرى للتغيير الاجتماعي في مصر، وفي العالم العربي بشكل عام، كنقطة تحول من مرحلة إلى مرحلة جديدة تمامًا، وتؤكد في هذا الإطار أن الثورة المصرية كانت حصيلة عملية تاريخية، وليست مجرد انفجار لحظي، وعلى وجه الخصوص، تلقي رباب الضوء على كيف أدت الاحتجاجات العمالية التي ازدهرت في مصر منذ عام 2006، إلى خلق الأحوال الملائمة للنجاح في خلع الرئيس السابق حسني مبارك.

في الجانب التطبيقي، يبحث حبيب عائب بالتفصيل الأحوال المتدنية للقطاع الزراعي في تونس ومصر، على أهميته بالنسبة للاقتصاد القومي في كلا البلدَيْن، وهو يقدم تحليلاً مقارنًا للثورتَيْن عن طريق تتبع أصولهما الريفية، كما يبحث كيف تعرض الفلاحون من أصحاب الحيازات الصغيرة إلى إفقار متسارع بسبب سياسة الليبرالية الجديدة الزراعية.

من أهم التحديات التي تواجه الربيع العربي الواقع الداخلي والميراث الناتج عن عقود الاستبداد والفساد التي قامت الثورة لأجلها إلى جانب براغماتية الغرب في التعامل مع هذا الربيع

ويوثق حبيب كيف ولماذا بدأ النضال لخلع بن علي في تونس في الريف، وكيف كان فشل السياسة في وعودها بتأمين الطعام. ويضع يده على الأسباب التي أدت بالنضال الريفي من أجل الوصول إلى الأرض في مصر إلى التصاعد في السنوات السابقة المؤدية إلى ثورة 2011، ولماذا وكيف أدى التشريع لمكافأة كبار الحائزين إلى زيادة الفقر في الريف.

وبالمثل ناقشت مقالات أخرى في الكتاب دور فئات أخرى مهمشة، مثل الشباب والعمال وقضايا مرتبطة مثل الفقر وأطفال الشوارع وضعف التعليم، في اندلاع الثورة في مصر وتونس، كما تركز الجوانب التطبيقية في مقالات ودراسات هذا الكتاب على التحديات التي قوبلت بها الثورتان المصرية والتونسية، من جانب القوى المضادة للثورة، وهي القوى التي اكتسبت قوة وفاعلية من طول بقائها في السلطة.

هذه القوى التي توصف بـ"الحرس القديم"، ولا تزال متمترسة في أجهزة أمن الدولة ومصالح رجال الأعمال القوية التي تظل مركزية في بقاء سياسة الليبرالية الجديدة الاقتصادية، والتي تدفعها المؤسسات المالية العالمية والقلق الإستراتيجي للولايات المتحدة.

وفي الختام، فإنه مشكلة في الكتاب، وهي أنه اكتفى باستضافة أكاديميين وكُتَّاب، من دون استضافة نشطاء من المجتمع البحثي الذي يتناوله الكتاب، مثل نشطاء شباب ونسويين، كذلك غاب تمامًا عن الكتاب رؤية التيار الإسلامي أو حول التيار الإسلامي، على أهمية الدور الذي لعبه في تحريك طبقات المهمشين للثورة، حتى إسقاط الأنظمة القديمة في مصر وتونس.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك