عرض/لطفي حجي
صدر عن دار الجنوب للنشر بتونس كتاب عن تاريخ تونس في العهد الوسيط الذي يمتد بين سنتي 647 و1574 ميلادية (بين سنتي 27 و982 هجرية)، وهو الجزء الثاني من سلسلة بدأت في نشرها الدار تحت عنوان التاريخ العام للبلاد التونسية، وقد صدر الجزء الأول منها سنة 2003 وخصص لتاريخ تونس القديم.

تناول الكتاب الصادر باللغة الفرنسية بأقلام ستة من كبار المؤرخين والأركيولوجيين التونسيين خمس مراحل مهمة من تاريخ تونس العربية المسلمة المتمثلة في الفتح العربي والعهد الأغلبي والعهد الفاطمي والعهد الزيري والعهد الحفصي.

وقد خلفت كل مرحلة بصمة من بصماتها في التاريخ التونسي في المعمار والسياسة والمجتمع.

- الكتاب: تونس في العصر الوسيط
- المؤلفون: هشام جعيط وجماعة من الباحثين
- عدد الصفحات: 455
- الناشر: دار الجنوب للنشر، تونس
- الطبعة: الأولى/ديسمبر 2005
- اللغة: الفرنسية

الفتح الإسلامي
تبدو المراحل التي يتناولها الكتاب حلقات من تاريخ صنع بالصراع والمقاومة، فحتى الفتح العربي الإسلامي لأفريقية (الاسم القديم لتونس) لم يكن يسيرا بل تطلب عقودا من المقاومة قادها شعب من البربر تسلح بإرادة مقاومة صلبة رغم عدم تكافؤ الفرص بينه وبين الجيش الإسلامي القوي ذي الإمكانيات الكبيرة حينها.

لكن المقاومة لم تمنع انتصار الجيش الإسلامي الذي أنهى ثمانية قرون من الحكم الروماني البيزنطي المسيحي لتونس ونجح في صهرها ضمن العالم الإسلامي ناسجا لها بذلك مصيرا جديدا.

خلال الفتح الإسلامي حكم تونس الولاة الممثلون للأمويين ثم للعباسيين، إلا أنها أصبحت سنة 800 للميلاد إمارة أغلبية (نسبة إلى الأغالبة) مستقلة عاصمتها القيروان التي تحولت إلى حاضرة الغرب الإسلامي.

وحسب ما أورده الدكتور محمد الطالبي الذي كتب الجزء المخصص لهذه المرحلة -وهو من كبار المختصصين فيها باعتبار أنه أعد رسالة دكتوراه حولها- فإن أفريقية (تونس) تحولت إلى قوة ضخمة في العهد الأغلبي، ففي الداخل تمتعت لأول مرة منذ الفتح الإسلامي وعلى امتداد أكثر من قرن باستقرار سياسي وسلام داخلي، وفي الخارج كان الجيش الأغلبي يحقق الانتصارات في سيسيليا وإيطاليا، وعلى أساطيل المتوسط عامة.

وقد ساهم بذلك في خدمة قضية الإسلام وفي المحافظة على الرفاه المادي الداخلي للبلد خلال فترة طويلة.

وتزامنت الانتصارات العسكرية مع نهضة ثقافية ثرية ومشعة في الآن نفسه تشهد عليها المعالم التي بقيت حية إلى يومنا الحاضر، مثل جامع القيروان الكبير الذي يسمى اليوم جامع عقبة بن نافع ورباط سوسة الضخم الذي حمى المدينة من الغزاة الطامعين.

"
نجح الفاطميون قبل انتقالهم إلى القاهرة وعلى امتداد نصف قرن من حكمهم أفريقية (تونس) في تطوير الإرث الحضاري الأغلبي والمحافظة على مملكة منظمة وقوية وبلد يسوده الغنى والهدوء
"
حكم الفاطميين
بعد قرن من حكم الأغالبة تمكن الفاطميون إثر ثورة شيعية من حكم البلاد، إلا أن أعينهم كانت متجهة إلى الشرق الذي كان مؤسس الدولة الفاطمية عبيد الله الفاطمي يحلم بالرجوع إليه لإقامة خلافته فيه.

وبالفعل انطلقت الجيوش الفاطمية من تونس لتأسيس القاهرة التي تحولت إلى عاصمة المعز، وحاضنة جامعة الأزهر التي أصبحت منارة علمية في العالم الإسلامي.

وقد نجح الفاطميون قبل انتقالهم إلى القاهرة وعلى امتداد نصف قرن من حكمهم أفريقية في تطوير الإرث الحضاري الأغلبي والمحافظة على مملكة منظمة وقوية وبلد يسوده الغنى والهدوء.

ورغم وجود صراع بين المذهب المالكي مذهب الأغالبة والمذهب الشيعي مذهب الفاطميين، وهو صراع لم يخلو من تضخيم بعض المؤرخين، فإن المرحلة الفاطمية من حكم أفريقية شهدت إشعاعا علميا خلد ذكره التاريخ وبالخصوص في عهد المعز لدين الله الفاطمي.

في عهده تطور فن الحضارة الفاطمية تجسد في القصور الجميلة في المنصورية، وثراء الزخرفة في المساجد وفي التحف والأقمشة، ويشهد عليه كذلك ثراء العادات الاحتفالية في المناسبات الدينية.

وقدمت المرحلة الفاطمية للعالم الإسلامي ثلة هامة من الأدباء والعلماء في اللغة والطب ذائعي الصيت في العالم الإسلامي، فمع حنين ابن إسحاق وابن الجزار قدمت القيروان أحسن العلماء في الطب في تلك الفترة، وهي شهادة على الاستقرار في عهد المعز الذي مكن البلاد من ازدهار على أكثر من صعيد.

الاضطراب والفوضى
لم يتواصل هذا الإشعاع الحضاري والعلمي مع الزيريين الذين خلفوا الفاطميين وحكموا البلاد بين سنتي 969 و1160م، فهذه المرحلة اتسمت -حسب الكتاب- بحدثين مفصليين، الأول كان سنة 972 عندما تحررت أفريقية من الوصاية الشرقية التي فرضها الفاطميون من القاهرة.

أما الحدث الثاني فكان سنة 1052 عندما غزا بنو هلال البلاد وقضوا على نخوة الرفاه وأدخلوا البلاد في دوامة من الفوضى، وهو ما جعل المؤرخين يقولون عن تلك الفترة حيثما قلبت وجهك لن تجد إلا نتيجة واحدة هي الفوضى والخراب.

"
احتلال صقلية من قبل المسيحيين ودمجها في مملكة قوية ساهم مع الغزو الهلالي في إقحام أفريقية في دوامة من الفوضى والانقسام والضعف
"
إذا كانت تلك هي السمة البارزة لأفريقية في تلك الفترة فإن هناك من المؤرخين الغربيين الذين ورد ذكرهم في الكتاب من لا يحمل غزو بني هلال وحده مسؤولية انهيار المغرب بل يرجع ذلك إلى عدة عوامل أخرى منها بالخصوص احتلال سيسيليا من قبل النور منديين.

في ذلك الوقت كان انتشار المسيحية في تلك الجزيرة وفقد المغرب سيطرته على المتوسط وعاش منذ تلك الفترة في مرحلة دفاعية.

لقد أبرز احتلال سيسيليا ثلاثة عوالم منها اللاتيني والبيزنطي والعربي، كما أبرز أول تقدم للمسيحية الغربية مع ميلاد دولة جديدة، لأن سيسيليا كانت مركز للغات والديانات والحضارات كما كانت محطة لكل الرحلات البحرية الكبرى، فهي بلد الذهب والتجارة الكبرى.

من هذه الرؤية يصبح احتلال سيسيليا من قبل المسيحيين وإدماجها في مملكة قوية حدثا هاما للغرب كافة، ساهم في الوقت ذاته مع الغزو الهلالي في إقحام أفريقية في دوامة من الفوضى والانقسام والضعف تواصلت ما بين القرنين الحادي عشر والثاني عشر، إلى أن جاء الخلاص من الغرب الأقصى هذه المرة.

فالموحدون الذين رفضوا الوحدة ما بين المغرب والأندلس نصبوا سنة 1232 الشيخ أبو حفص حاكما على أفريقية، مؤسسين بذلك العهد الحفصي الذي اتخذ من تونس عاصمة جديدة.

الحفصيون وبداية النهاية
تواصل الحكم الحفصي لتونس ثلاثة قرون ونصفا، فكان بذلك أطول حكم في المغرب وفي العالم العربي.

عرف القرن الأول من الحكم الحفصي لتونس سلسلة من الاضطرابات تمثلت في الصراع على السلطة بين أفراد العائلة المالكة وفي قيام مجموعة من القبائل الداخلية التي أرادت الانتقام، إلا أن القرن الثاني من حكمهم عرف الاستقرار والرفاهية وبالخصوص أثناء فترتي حكم أبو العباس وأبو عثمان.

وبدءا من العام 1448 عادت القلائل من جديد عندما تأجج الصراع بين الإسبان والأتراك على المتوسط.

تمكن الحفصيون أثناء حكمهم الطويل من تطوير المجالات الاجتماعية والاقتصادية والفلاحية والتعليمية والسياسية والمعمارية التي طبعت بطابعها جزءا من تاريخ تونس.

"
أدى الضعف الواضح بالحفصيين إلى الاستعانة بالإسبان لمقاومة الأتراك الذين استقروا في الجزائر، مما جلب لهم نقمة الأهالي المسلمين الذين كانوا يفضلون الأتراك
"
ونجح الحفصيون أيضا في تطوير جيشهم وتقويته حتى أصبح من أحسن الجيوش في المغرب إلى بداية القرن السادس عشر.

ومن العوامل الأخرى التي ساعدت على استقرار الحفصيين مدة طويلة محافظتهم على التوازن الاجتماعي داخل طبقات المجتمع بمستقريهم ورحلهم، وبتقريب العدالة من مستحقيها.

كما عرف الحفصيون كيف يوظفون مسألة هامة منتشرة داخل المجتمع وهي مسألة الزوايا التي لعبت دورا مهما في تأطير المجتمع والمساعدة على تحقيق السلم والاستقرار، الدور الذي عجزت الدولة عن القيام به أحيانا وهو ما يفسر رعاية الدولة لتلك الظاهرة حسب ما يورده المؤرخون.

تبرز التحاليل التاريخية الواردة في الكتاب ثغرة هامة ساهمت في انهيار حكم الحفصيين متمثلة في إهمالهم لتطوير الأسطول البحري الذي أصبح ضروريا مع بداية التاريخ الحديث، ومكملا أساسيا للقوة البرية.

إغفال الحفصيين لذلك جعلهم عاجزين عن القيام بدور في الصراع الإسباني- التركي من أجل السيطرة على المتوسط.

و قد أدى ذلك الضعف الواضح بالحفصيين إلى الاستعانة بالإسبان لمقاومة الأتراك الذين استقروا في الجزائر، وهو ما جلب لهم -أي للحفصيين- نقمة الأهالي المسلمين الذين كانوا يختارون الأتراك الذين حكموا تونس في المرحلة اللاحقة وهي المرحلة التي ستكون مجال دراسة الكتاب القادم.

المصدر : الجزيرة