عرض/كمال حبيب
يقدم هذا الكتاب رؤية نقدية ثاقبة لنظريات التنمية الاقتصادية الغربية ويرى أن التحولات في هذه النظريات لا تعبر عن موقف علمي لمن يتبناها بقدر ما تعبر عن موقف أيدولوجي متحيز يعكس مصلحة وقوة الذين يروجون لتلك الأفكار.

-الكتاب: كشف الأقنعة عن نظريات التنمية الاقتصادية
-المؤلف: جلال أمين
-الصفحات: 152
-الناشر: دار الشروق, القاهرة
-الطبعة: الأولى/2007
فالاقتصاد ليس علماً كالعلوم الطبيعية ولا الرياضيات وإنما الذي يقدمه هو نظريات غير قاطعة ولا عامة كما يقول الاقتصاديون، إنها أقنعة يتقنع بها مروجو النظريات الاقتصادية لإضفاء طابع العلمية والموضوعية على ما يتبنونه من آراء.

والمؤلف يسعى بمهارة وسلاسة لكشف هذه الأقنعة ليضع آراء الاقتصاديين في مكانها الطبيعي بدلا من تحولها إلى ما يشبه "الدين" الذي يتم الولاء والبراء على أساس الإيمان بمقولاته والحديث عن معجزاته وتبني خطاب وعظي أشبه بخطابه.

والهدف من وراء ذلك كما يقول المؤلف "التزام درجة كبيرة من الحذر تجاه ما يقوله الاقتصاديون في موضوع التنمية والتخلف واكتساب درجة من الحرية في إعادة التفكير حول هذه القضايا قد تفتح الباب لاكتشاف حقائق لم تكن واضحة من قبل".

يتضمن الكتاب 13 فصلا كل فصل منها أقرب إلى مقال ينتقد جانبا معينا من جوانب النظريات الغربية في التنمية والتخلف، ويبين أن الأفكار التي ذاع صيتها حوله في لحظة معينة عبرت عن توازن القوى والمصالح في تلك اللحظة، ومن ثم فالكتاب يقدم رؤية لاقتصادي عربي يسعي للتحرر من هيمنة المقولات الغربية.

نظرة عامة
يشير المؤلف إلى أن "اقتصاديات التنمية" التي تهتم بالعالم الثالث ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية، وفجأة تغير كل ذلك وأصبحت التنمية الاقتصادية في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية أمرا شائعا وأصبح من بين مهام الأمم المتحدة ووكالاتها إنجاز التنمية في البلاد المتخلفة.

ويفسر المؤلف ذلك بأن نظام الاستعمار القديم حل محله نظام جديد أصبحت الأهمية النسبية فيه هي لتصريف فوائض السلع والبحث عن أسواق جديدة وأصبح من أهداف الدول المتقدمة تحقيق زيادة في متوسط الدخل لهذه البلدان بل والتبشير بأنها قادرة على تحقيق التنمية بشرط تناولها جرعة من التغريب.

"
التبدل في النظريات والأفكار الاقتصادية ينبع من غلبة المصالح الأنانية للدول الغربية في علاقتها بدول العالم الثالث، ويعبر عن تحيز مفكريها لمصالح وثقافة هذه الدول، وليس تعبيراً بأي حال عن فكر محايد أو علمي
"
فالمستهلك لهذه السلع القادمة من الغرب عليه أن يكتسب عاداتها، بيد إن زيادة متوسط الدخل الذي يشجع على الاستهلاك يجب أن لا يوزع بالتساوي بين الناس، فالسلع الأكثر ترفا تحتاج لخلق طبقة عليا في هذه الدول مصالحها وأفكارها مرتبطة بمصالح القوى الخارجية، وعرضت نظريات التنمية الغربية لمشكلات العالم الثالث بطريقة كان يمكن تحديدها وتوصيفها بشكل مختلف.

فبدلا من الحديث عن انخفاض مستوى الدخل في تلك الدول كان لا بد من التركيز على عجز شرائح كبيرة من السكان عن إشباع بعض أهم الحاجات الإنسانية.

وكان لذيوع نظرية المؤرخ الاقتصادي الأميركي "والتر روستو" المعروفة باسم "مراحل النمو الاقتصادي" في الخمسينيات والستينيات دور في اعتبار النموذج الغربي هو الواجب الاتباع وأنه يمكن اللحاق به.

وبررت هذه النظرية لدول العالم الثالث الحصول على فوائض الأموال الغربية على هيئة معونات للانتقال لمرحلة أعلى من مراحل النمو الاقتصادي، وساد الاعتقاد في هذه الفترة بأن تدخل الدولة أمر مرغوب فيه وأن التخطيط الشامل لا يثير الاشمئزاز.

ثم ظهرت أفكار جديدة في السبعينيات تتحدث عن "تكاليف النمو الاقتصادي"، وتعيد الاعتبار لإعادة توزيع الدخل وإشباع الحاجات الأساسية بعد ربع قرن من النمو السريع الذي لم يكن له تأثير في تحسين أحوال نسبة عالية من الفقراء.

وظهر كتاب " شوماخر" بعنوان "الأصغر هو الأجمل"، وهو ما ألقي بظلال من الشك على صحة الإيمان المطلق الذي روجته النظريات الغربية بجدوى رفع معدل النمو الاقتصادي. فهناك القيم الإنسانية التي ستتعرض للزوال وبدأ الحديث عن "التكنولوجيا الملائمة" والانشغال بقضايا البيئة وملوثاتها وخطر التبديد المتزايد لموارد الطبيعة.

ومنذ بدايات الثمانينيات وحتى اليوم عاد الحديث مرة أخرى عن أفكار الاقتصاديين التقليديين (آدم سميث ومدرسته)، بوصفة جديدة ليسهل ابتلاعها وظهرت مصطلحات مثل "التثبيت الاقتصادي والتكيف الهيكلي" الذي يعني انسحاب الدولة التام لصالح القطاع الخاص، وتبني تلك المقولات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي كما لو كانت مطلقة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.

هذا التبدل في النظريات والأفكار ينبع من غلبة المصالح الأنانية للدول الغربية في علاقتها بدول العالم الثالث، ويعبر عن تحيز مفكريها لمصالح وثقافة هذه الدول، وليس تعبيراً بأي حال عن فكر محايد أو علمي.

دور الدولة في التنمية

"
في العالم العربي والثالث عموما ظهرت كتابات اقتصادية تتحدث عن أهمية دور الدولة في التنمية والتخطيط، وساعد على ذلك تطلع الدول المستقلة حديثا إلى أن تقوم بدور في التنمية، كما أن الدول الاشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفياتي منحت هذه الدول الحديثة آمالا في تحقيق التنمية
"
النقاش الاقتصادي في الغرب إزاء دور الدولة في بناء الاقتصاد القومي وفرض الحماية من أجل حمايته كما في حالة التجاريين ( 1500-1750)، أو الدعوة إلى الحرية الاقتصادية وفتح المجال للمشروع الخاص كما في حالة آدم سميث الذي ألف كتاب "ثروة الأمم" (1776)، هذا النقاش لم يكن يعبر عن الحكمة الاقتصادية في ذاتها أو يتحدث عن نظرية عامة.

لكنه عبر عن السياق الذي خبرته الدولة الغربية في تطورها الاقتصادي خاصة بريطانيا وفرنسا سواء في فترة بدايات الاستعمار والتجارة أو في فترة اكتمال الثورة الصناعية والحاجة إلى أسواق.

وذلك بدليل أن الفكر الألماني في القرن التاسع عشر الذي عبر عنه الاقتصادي المشهور "فردريك ليست" عارض أفكار "آدم سميث" لأن ألمانيا كانت لا تزال في بواكير نهضتها الاقتصادية ولم تبلغ في تطورها المدى الذي وصلت إليه بريطانيا.

لذا دعا إلى تدخل الدولة وفرض حماية لاقتصادها ونبذ مبدأ حرية التجارة وعنون كتابه بـ"الأساس القومي للاقتصاد السياسي" 1841م.

لقد كانت نظرية "سميث" لمبدأ حرية التجارة هي نظرية بريطانية هدفها تحقيق مصلحة بريطانيا على حساب الدول الأخرى التي لم يكتمل نهوضها الاقتصادي.

ويتساءل المؤلف في حسرة لماذا انتشرت وذاعت أفكار "آدم سميث" عن حرية التجارة ولم نسمع في عالمنا العربي والإسلامي عن أفكار "فردريك ليست" الذي يقول إن هناك مستوى متوسطا بين الإنسانية والفردية هو "الأمة"، وإهمال البعد القومي يجرد الاقتصاد السياسي من جانبه السياسي، والفرد ليس مجرد منتج أو مستهلك وإنما هو مواطن، والدولة القومية لها دور لا يستهان به في تحقيق تقدم المجتمع ونهوضه.

"
أصبحت الشركات المتعددة الجنسيات أقوى من الدول التي لم تعد تستطيع التحكم في نشاط هذه الشركات، بل أصبحت هي التي تحدد للاقتصاديين جدول أعمالهم الجديد الذي يعكس مصلحة من يتحكم في مصير العالم
"
وفي العالم العربي والعالم الثالث عموما ظهرت كتابات اقتصادية تتحدث عن أهمية دور الدولة في التنمية والتخطيط (الخمسينيات والستينيات)، وساعد على ذلك تطلع الدول المستقلة حديثا إلى أن تقوم بدور في التنمية، كما أن الدول الاشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفياتي منحت هذه الدول الحديثة آمالا في تحقيق التنمية، كما أعطت ظروف الحرب الباردة قوة للدولة في العالم الثالث.

وقد مثل العالم الرأسمالي نفسه في الفترة ما بين 1945 و1970 العصر الذهبي لانتشار أفكار الاقتصادي الإنجليزي الشهير "جون مينارد كينز" الذي دعا إلى تدخل الدولة لمحاربة التضخم، هذا بالإضافة للأفكار الاشتراكية وظهور دولة الرفاهية.

وواكب سيادة الفكر الذي يتحدث عن تدخل الدولة في الاقتصاد ظهور أفكار التكامل الاقتصادي التي بلغت منتهاها مع اتفاقية إنشاء السوق العربية المشتركة 1964م، ولكن ذلك كله ذهب أدراج الرياح مع صعود ظاهرة الشركات المتعددة الجنسيات التي لا تريد لمجموعة من الدول أن ينفتح بعضها على بعض، بل تريد انفتاحاً على العالم بأسره يكتسح كل ما لا يحقق مصالح هذه الشركات.  

فما كان الصبر عليه ممكنا في الخمسينيات والستينيات لم يعد ممكنا احتماله في السبعينيات والثمانينيات وكلما زادت حاجة الشركات المتعددة الجنسيات لأسواق جديدة في العالم الثالث قل صبرها على مشروعات التكامل الاقتصادي بين دول العالم الثالث.

وأصبحت هذه الشركات أقوى من الدول التي لم تعد تستطيع التحكم في نشاط هذه الشركات، وكما يقول المؤلف فهذه الشركات هي التي تحدد للاقتصاديين جدول أعمالهم الجديد الذي يعكس مصلحة من يتحكم في مصير العالم.

إعادة اكتشاف الفقر
يشن المؤلف حملة قاسية على تقارير البنك الدولي التي تركز على مجموعة من الأفكار يصفها بأنها أقرب إلى المنشورات الانتخابية التي يهمها الترويج أكثر من اهتمامها بالوصول للحقيقة.

ويذكر أن تقارير البنك تمده فقط بالإحصائيات عن الدول التي لم تكن متاحة من قبل كما أنها تمده باقتناع لا يتزعزع فحواه أن تغير تقارير البنك وشعاراته من مرحلة لأخرى -كاهتمامه بالفقر والفقراء في العالم الثالث– لا يعبر عن جدية في تناول تلك القضايا بقدر ما يعبر عن فتح السبيل أمام قوى السوق الحرة والخصخصة والانفتاح الاقتصادي.

ويرى المؤلف أن مشكلة الفقر هي وجود أعداد من الناس العاجزين عن إشباع بعض الحاجات الإنسانية الأساسية كالغذاء والملبس والمسكن المناسب وبعض الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة ووسائل الانتقال، وأي شعار يدور حول التنمية لا بد أن يعني في النهاية القضاء على فقر الفقراء والتخفيف منه.

"
الأجندة التي تقدمها المؤسسات الدولية لكل دول العالم الثالث هي أجندة خادعة لأنها تعبر عن مصالح الدول الغنية والطبقات الغنية في الدول الفقيرة، ومهما اتخذت هذه الأجندة وجه العلم فإنها كاذبة لأن لها وجها أيديولوجيا خفيا ومراوغاً
"
فإذا جاء من يقول إن الهدف من التنمية هو رفع متوسط الدخل للدولة ككل فإنه يسلك طريقاً ملتويا وغير جاد، ذلك أن مفهوم التنمية له وجوه أخرى بعضها ثقافي وحضاري.

فقضية الفقر ليست انخفاض متوسط الدخل ككل وإنما انخفاض دخل شرائح معينة وهم الفقراء، وزيادة دخل هؤلاء بالذات هي سبيل تحقيق التنمية.

ويختم المؤلف كتابه بالإشارة إلى أن المصطلحات التي يستخدمها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي مثل "تحرير التجارة والإصلاح الاقتصادي والتكييف الهيكلي ونظام السوق الحرة" هي أقنعة تقدم في التقارير للدعوة إلى حكم مطلق يقترب من العقيدة الدينية هو الرفض التام لأي تدخل حكومي في المسائل الاقتصادية من أجل تحقيق الإصلاح الذي يشمل تخفيض أسعار العملة الوطنية وتحرير الأسعار الداخلية خاصة الطاقة والسلع الزراعية وتشجيع الاستثمار الأجنبي وإلغاء تدخل الحكومة في الأسعار والتوظيف والتقييد الإداري للاستيراد وإلغاء الإعانات وتضييق نطاق القطاع العام وتحويل مشروعاته للقطاع الخاص.

ولكن هذه الأجندة التي تقدم لكل دول العالم الثالث هي أجندة خادعة لأنها تعبر عن مصالح الدول الغنية والطبقات الغنية في الدول الفقيرة، ومهما اتخذت هذه الأجندة الراسخة للمؤسسات الدولية وجه العلم فإنها كاذبة لأن لها وجها أيديولوجيا خفيا ومراوغاً يتحدث بلسان مصالح الدول القوية وسياساتها.

إننا أمام كتاب متميز يؤسس لمدرسة عربية نقدية في الاقتصاد ولكنه رغم تميزه اقتصر فقط على النقد التحليلي العميق دون أن يؤسس لرؤية بديلة نحن في أمس الحاجة إليها ويجب أن يتوجه جهد الاقتصاديين العاجل لتدشينها بدون تباطؤ أو تأجيل.

المصدر : الجزيرة