عرض/ سكينة بوشلوح
إستراتيجية نقل المعركة إلى أرض العدو لم تكن غائبة عن أذهان قادة ثورة التحرير الجزائرية، إذ بعد اندلاع الثورة في غرة نوفمبر/تشرين الثاني 1954 سعت قيادة جيش التحرير الوطني لتأسيس مجموعات من الفدائيين تقوم بعمليات عسكرية في فرنسا استهدفت مصالح إستراتيجية وتصفية شخصيات كبيرة، وذلك بهدف تحميل المحتل الفرنسي أكبر قدر ممكن من الخسائر وإسماع صوت الجزائر إلى الرأي العام العالمي.
 
غير أن تطبيق هذه الإستراتيجية من طرف رجال الثورة الجزائرية قابلته السلطات الفرنسية بعنجهية أسفرت فيها عن حقيقتها الإجرامية، ولعل يوم 17 أكتوبر/تشرين الأول 1961 أحد شهود العيان عن هذه الحقيقة.
 
الكتاب والكاتب 

- اسم الكتاب: الحكومة الإلكترونية





 

- اسم الكتاب: جرائم موريس بابون ضد المهاجرين الجزائريين في 17 أكتوبر 1961
- المؤلف: سعدي بزيان
-عدد الصفحات: 102
- الطبعة: الأولى 2004

-الناشر:
دار ثالة, الجزائر

"جرائم موريس بابون ضد المهاجرين الجزائريين في 17 أكتوبر 1961" كتاب يتعرض للحياة المأساوية التي عاشها المهاجرون الجزائريون في فرنسا والذين أرادوا توعية الرأي العام الفرنسي بما يحدث في الجزائر المحتلة آنذاك، كما يكشف الستار عن الجرائم الشنيعة التي ارتكبتها السلطات الفرنسية بحقهم في ظل جمهورية ديغول الخامسة، وخاصة مجزرة السابع عشر من أكتوبر/ تشرين الأول 1961.
 
الكتاب يكتسي أهمية كبيرة نظرا لما أورده من شهادات حية لشخصيات شهدت الواقعة ولسياسيين وكتاب عاصروها وتحدثوا وكتبوا عن حقائق تلك المجزرة التي تولى كبرها رئيس شرطة باريس موريس بابون والتي سعت فرنسا طويلا لإخفائها.
 
كما يشكل بعثا لروح المطالبة باسترجاع حقوق المهاجرين الجزائريين والتعويض المادي والمعنوي عن الأضرار التي لحقت بهم.
 
ومن جوانب أهمية الكتاب أنه يسلط الضوء على جزء هام من ثورة التحرير الجزائرية يكاد يكون مجهولا لدى الإنسان العادي، وهو ذاك المتعلق بمشاركة المهاجرين الجزائريين بفرنسا في الثورة الكبرى عبر القيام بعمليات فدائية وتوجيه ضربات موجعة للعدو الفرنسي في عقر داره.
 
أما الكاتب فهو الصحفي الجزائري المحنك سعدي بزيان الذي جاوز الستين من عمره قضى نصفها في أرض المهجر وتحديدا في فرنسا ولا يزال مقيما فيها، وهو أحد الذين حملوا مشعل حرية الصحافة والتعبير لسنوات طويلة ويعمل مراسلا صحفيا لعدة جرائد لها وزنها في الساحة الإعلامية الجزائرية.
 
غير أن كتاب بزيان لم يكن في مستوى سمعة صاحبه الصحفية، ذلك أنه جاء مختصرا جدا إذ بالكاد تجاوزت صفحاته المائة، في حين كان بإمكانه التوسع والاسترسال من خلال الإكثار من الشهادات والاستشهادات بما يخدم القضية المطروحة ويفيد جانبها التوثيقي.
 
اتحادية جبهة التحرير بفرنسا
"
نفذت اتحادية جبهة التحرير بين عامي 1957 و1958 عدة عمليات في فرنسا واغتالت عددا من الشخصيات العسكرية الفرنسية إلى جانب تصفية جزائريين متعاونين مع الاحتلال
"
يرجع الفضل في تأسيس اتحادية جبهة التحرير في فرنسا –حسب سعدي بزيان- إلى عدد من الأشخاص أهمهم الرئيس الجزائري الأسبق محمد بوضياف الذي كان أحد أبرز زعماء الثورة التحريرية، وذلك بعد وقت قليل من اندلاع الثورة في نوفمبر/تشرين الثاني 1954. وقد استطاعت مصالح الأمن الفرنسية توقيف نشاطها وحلها، ليعاد تأسيسها من جديد في مايو/أيار 1955 حيث انضم إليها اتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين.
 
يقسم الكاتب نشاطات الاتحادية إلى مراحل عديدة بدءا بتأسيس خلايا للفدائيين الجزائريين في فرنسا تطبيقا لفكرة نقل الحرب إلى أرض العدو لتوعية الرأي العام الفرنسي بما يجري في الجزائر من جرائم على الشعب، ثم تشكيل هياكل مهامها القيام بأعمال تخريبية في قلب فرنسا، لتتطور الفكرة إلى تطبيق سياسة شن الحرب وخلق حالة اللاأمن في الأراضي الفرنسية للضغط على حكومة باريس حتى تبقي على قواتها في فرنسا لمواجهة الوضع الحربي فوق ترابها، وبالتالي تخفف عن جيش التحرير الوطني في الجزائر شدة وطأة قوات الاحتلال الفرنسي التي سعت لإحكام قبضتها على البلاد بشتى الوسائل الجهنمية، خاصة بعدما أثبتت الثورة الجزائرية قدرتها على الصمود بل وتوجيه ضربات موجعة لشتى قطاعات الجيش الفرنسي.
 
واعتبر سعدي بزيان أن الفترة الزمنية الممتدة بين عامي 1957 و1958 شهدت إحدى أخطر المراحل في مسيرة اتحادية جبهة التحرير، فقد شهدت الفترة نشاطات مكثفة نتجت عنها تنفيذ عدة عمليات تخريبية على مستوى كل التراب الفرنسي واغتيال عدة شخصيات عسكرية فرنسية، إلى جانب تصفية شخصيات أخرى من "الحرْكى" وهم الخونة المتعاونون مع الاحتلال الفرنسي.
 
ولمواجهة الوضع شرعت السلطات الفرنسية في عمليات التدقيق في الهويات واعتقلت من خلالها مئات الجزائريين، كما فرضت على الجزائريين حظر التجول –خاصة في العاصمة باريس- بدءا من الساعة التاسعة والنصف ليلا.
 
وزيادة في التوثيق لتاريخ اتحادية جبهة التحرير أشار الكاتب إلى أهم المؤلفات التي تحدثت عنها، ومنها كتاب "الولاية السابعة: حرب جبهة التحرير بفرنسا 1954–1962" الذي ألفه الأستاذ المحامي علي هارون، وهو أحد مسؤولي الاتحادية وكان له قصب السبق في المطالبة بالتعويض المادي لضحايا الثورة التحريرية.
 
ومن هذه المؤلفات كتاب الفرنسي ريمون موال بعنوان "سبع سنوات من الحرب في فرنسا" الذي اعتبره بزيان من أبرز الكتب التي قدمت التفاصيل الكاملة عن اتحادية جبهة التحرير التي فتحت جبهة قتال ثانية على المحتل الفرنسي في عقر داره.
 
ولبيان مستوى النشاطات العسكرية التي كانت تقوم بها الاتحادية نقل المؤلف عن موال قوله إن المصادر الرسمية الفرنسية سجلت يوم 27 أغسطس/آب 1958 عشرات الحوادث "الإرهابية" حسب وصف الكاتب الفرنسي، وأنه في غضون ثلاث ساعات من ذلك اليوم "قامت جبهة التحرير بعدة أعمال تخريبية على مستوى كامل التراب الفرنسي".
 
من هو موريس بابون؟
لم يجانب سعدي بزيان الصواب حين عرف موريس بابون بقوله "واحد وتسعون سنة، نصفها قضاها كمجرم حرب"، فبابون المولود في الثالث من سبتمبر/أيلول 1910 وصاحب الشهادات العليا في الحقوق والقانون العام والاقتصاد السياسي والذي تقلد مناصب عدة وعاصر حكومات مختلفة من بينها حكومة فيشي إبان الاحتلال الألماني لفرنسا حيث كان من أكبر ضباطها مرتبة.
 
بابون هذا كان واليا على منطقة قسنطينة في شرق الجزائر وأذاق سكانها الويلات بقبضته الحديدية، مستفيدا من خدمات "الحركى" ومساعدتهم للجيش الفرنسي بجمع المعلومات عن الثوار المجاهدين.
 
وبحكم خبرته تلك اختاره الجنرال ديغول عام 1958 رئيسا لمحافظة شرطة باريس ومقاطعة السين ليقوم "بتطهير" العاصمة الفرنسية وضواحيها من "إرهاب" اتحادية جبهة التحرير، ومنحه كامل الصلاحيات وقدم له كل الدعم الذي يطلبه.
 
بعد خمسة أشهر من توليه المنصب وجد بابون نفسه أمام حرب عنيفة من خلال العمليات الفدائية المكثفة التي كانت تقوم بها الاتحادية خاصة على الحركى ورجال الأمن، فوضع خطة للقضاء عليها تقوم على تنظيم شرطة موازية للشرطة الأصلية تتكون من عناصر من "الحرْكى" والعملاء يؤتى بهم من الجزائر ويزرعون في أحياء باريس الآهلة بالعمال الجزائريين لرصد تحركاتهم وتتبع نشاطهم والعمل على شل حركتهم فيما يتعلق بالقيام باجتماعات وجمع التبرعات لصالح الثورة في الجزائر.
 
وأعطي هؤلاء حرية التصرف للقضاء على الاتحادية، فكان أن ارتكب الحركى أبشع الأعمال بحق المهاجرين الجزائريين فقتلوا منهم الكثيرين واعتدوا على حرماتهم وانتهكوا أعراضهم.
 
وجرت في مقابل ذلك مواجهات عنيفة بين عناصر الاتحادية والحركى أسفرت عن أعداد كبيرة من القتلى والجرحى.
 
"
تعد مجزرة 17 أكتوبر/تشرين الأول 1961 دليلا على الجرائم التي ارتكبها بابون بحق الجزائريين والتي راح ضحيتها 300 شهيد و400 مفقود واستحقت أن توصف باليوم الأسود
"
مجزرة 17 أكتوبر 1961

تدخل خلفيات أحداث هذه المجزرة في إطار الاحتجاجات التي كان يقوم بها العمال المهاجرون الجزائريون على الجرائم البشعة التي كانت ترتكب في حقهم من قبل الشرطة الفرنسية وأعوانهم من الحركى، فكان أن خرجت تظاهرة سلمية نظمها هؤلاء المهاجرون في العاصمة الفرنسية تحت قيادة اتحادية جبهة التحرير وشارك فيها حوالي 30 ألف متظاهر طافوا 20 حيا من أحياء باريس المعروفة.
 
وصدرت أوامر موريس بابون المباشرة إلى الشرطة والحركى بالتصدي لهذه التظاهرة، مما أسفر –حسب إحصائيات اتحادية جبهة التحرير- عن 300 شهيد قضوا غرقا في نهر السين، إلى جانب 400 مفقود تساءل الكاتب عن سر اختفائهم.
 
ثم أورد شهادات حية على أن عشرات الجثث ظلت تطفو فوق نهر السين أياما عديدة، وعشرات أخرى اكتشفت في غابتي بولونيا وفانسان، بالإضافة إلى عدد غير معروف من الجزائريين تم التخلص منهم رميا من على متن الطائرات ليبتلعهم البحر بعد ذلك.
 
كما اعتمد الكاتب على أهم الكتب التي تحدثت عن هذه القضية الخطيرة من مثل "مجزرة في باريس" و"الحرْكى في باريس" وغيرهما، وكلها اتفقت على أن موريس بابون مجرم قام بأعمال لاإنسانية وجرائم لا حد لها خاصة ضد المهاجرين الجزائريين.
 
ولعل أكبر شهادة مفصلة على ذلك جاءت على لسان الكاتب الفرنسي المعروف جون لوك إنودي في كتابه "معركة باريس" حين وصف ذلك اليوم باليوم الأسود، مؤكدا أن العدد الحقيقي للضحايا يفوق 300 ضحية.
 
نهاية بابون والمفارقة المؤلمة 
"
الحكومة الفرنسية أدانت بابون لجرائمه في حق اليهود وصدر في حقه حكم بالسجن عشر سنوات نافذة، وتجاهلت كليا جرائمه في حق الجزائريين رغم ثبوتها بالأدلة القطعية
"
ركز بزيان على التغيرات التي طرأت في حياة موريس بابون بعد وصول الاشتراكيين إلى سدة الحكم في فرنسا في مايو/آيار 1981 برئاسة فرانسوا ميتران، إذ بدأ الخطر يتهدده لأن محيط الرئيس الفرنسي كان مليئا بشخصيات يهودية تعرف ماضيه.
 
وفتحت الجرائد ملفاته ونشرت وثائق تؤكد تورطه في إرسال اليهود إلى معسكرات الموت في ظل حكومة فيشي العميلة للنازيين الألمان.
 
وفي ديسمبر/كانون الأول 1981 رفع جيرار بولانجير دعوى قضائية عليه متهما إياه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وتفاعلت الأحداث وتوالت التهم على بابون، ولم ينقذه تقدمه في السن ولا مرضه من الوقوف أمام العدالة الفرنسية، إذ حوكم عام 1997 باعتباره مجرم حرب وصدر في حقه حكم بالسجن عشر سنوات نافذة.
 
غير أن المفارقة المؤلمة أن الحكومة الفرنسية أدانت بابون لجرائمه في حق اليهود، وتجاهلت كليا جرائمه في حق الجزائريين –خاصة المهاجرين منهم- رغم ثبوتها بالأدلة القطعية.
 
ولعل كتاب سعدي بزيان بتسليطه الضوء على جرائم قائد فرنسي واحد وفي فترة زمنية محددة، يوجه دعوة ضمنية للحكومة الجزائرية بل وحتى حكومات الدول العربية التي شهدت أراضيها جرائم حرب ضد شعوبها، كي تطالب الغرب المحتل بالتعويضات المعنوية فضلا عن المادية، خاصة بعدما شاهدناه من إصرار الولايات المتحدة على مطالبة ليبيا بدفع تعويضات لوكربي التي حصلت عليها، مما دفع فرنسا في صيف العام الماضي لمطالبة طرابلس بتعويضات أكثر لعائلات ضحايا حادث تفجير طائرة يوتا الفرنسية.

المصدر :