عرض/سكينة بوشلوح
أول ما يستوقف قارئ كتاب "الإملاق في التربية والأخلاق" هو عنوانه المسجوع الذي يذكر بالعناوين التقليدية التي عرفتها الثقافة العربية في القرون الماضية وتعرفها في عصرنا الحاضر بعض الكتب الإسلامية.
 
ولعل الكاتب أراد بعنوانه هذا أن يرمز إلى "الأصالة" العربية والإسلامية التي يدعو للعودة إليها في مناهج التربية والتعليم بعدما وضعت أوروبا والصهيونية العالمية -حسب رأيه- خططا لتغييرها وتحريفها بهدف إبعاد المسلمين عن دينهم.
 

- اسم الكتاب: الحكومة الإلكترونية





- اسم الكتاب: الإملاق في التربية والأخلاق
-
المؤلف:
أحمد بن رمضان  بولحليب
-عدد الصفحات:
152
- الطبعة: الأولى  2004م

-الناشر:
دار الهدى للنشر والتوزيع، الجزائر

ويؤكد المؤلف هذا الاتجاه باختياره لفظة "الإملاق" التي وردت في القرآن الكريم في قوله تعالى (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق) (الأنعام: 151) وقوله (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) (الإسراء: 31).
 
المعاجم العربية تقول: أملق فلان أي افتقر، وأملقته الخطوب أي أفقرته، وأملق الدهر ماله أي أذهبه أو أفسده، والإملاق يعني الافتقار والإفساد.. هذه المعاني كلها قصدها الكاتب وهو يعرض واقعنا التربوي والتعليمي والإعلامي والسياسي.. بما فيه من ضعف وانحراف وفساد من أسبابه الظروف الصعبة التي مر بها العالم العربي والإسلامي وأدت إلى افتقاره إلى أصالته التربوية وأخلاقه الإسلامية، "فالفقر في العالم الإسلامي ليس فقرا في الموارد الطبيعية أو الكفاءات بل هو فقر في الأذهان".
 
واقع تربوي مزرٍ
ومثلما كان العنوان تقليديا جاء الباب الأول من أبواب الكتاب الثلاثة أيضا تقليديا، إذ اعتمد صاحبه في منهجيته على التعريف اللغوي والاصطلاحي للمفاهيم التي رأى أنها ابتليت بما أسماه الإملاق الأخلاقي.
 
فتحت عناوين فرعية كثيرة ذكر المؤلف أن التربية هي إرشاد الفرد إلى اتباع سلوك معين، وأن تربية الأفراد تكون مبنية على قيم المربين وفق معتقداتهم وميولهم الفكرية، جاعلا للسياسة والسياسيين دورا رئيسيا في تحريف مناهج التربية بعيدا عن عقيدة المجتمعات الإسلامية تحت شعارات عديدة من قبيل التقدم والعصرنة والحداثة وغيرها.
 
أما التعليم فقد تحول إلى اكتساب المتعلمين مهارات تقنية بعيدا عن غرس القيم وفضائلها، وأصبح اهتمام القائمين عليه ينصب على الكم دون الكيف، ويتساءلون عن نسب النجاح دون الاكتراث إن كان هذا الكم يحمل قيما أم لا.
 
ويرى المؤلف أن المنظومة التعليمية التي تعتمدها بعض الدول الإسلامية غربية المولد وهي في الحقيقة تدمير لما تحمله أمة الإسلام من قيم رفيعة وسلوكيات فاضلة، موضحا أن هذه المنظومة هي التي نشرت العنف في الدول الغربية وأفقدتها كل مقومات الحياة فصارت المجتمعات الغربية لا تعرف إلا العنف.
 
والغرب الذي يريد أن يعلم الآخرين السلام لا يسلك إلا طريق العنف، وطريقه إلى تحقيق ما يسميه السلام هي العنف، فالغربيون يحاولون فرض أفكارهم على العالم بالعنف، الأمر الذي يجعلهم المصدر الحقيقي والفعلي للعنف.
 
"
ينبغي عند التخطيط للسياسات التعليمية أن يكون التعليم وسيلة لتنمية الفكر الذي لا يحيد عن عقيدة الأمة، والرقي في التعلم يجب أن يصاحبه رقي في الأخلاق يجعل الفرد إنسانا يحمل القيم النبيلة قبل أن يحمل التقنية العالية
"
ومن هنا ينبغي عند التخطيط للسياسات التعليمية أن يكون التعليم وسيلة لتنمية الفكر الذي لا يحيد عن عقيدة الأمة، والرقي في التعلم يجب أن يصاحبه رقي في الأخلاق وذلك بإنتاج تعليم يجعل الفرد إنسانا يحمل القيم النبيلة قبل أن يحمل التقنية العالية لأن القيم هي التي توجه الفرد وتوجه معارفه التقنية إلى ما ينفع الإنسانية. فالتربية والتعليم هما في الحقيقة وجهان لعملة واحدة والمعلم مرب مهما كانت مادة تدريسه.
 
وعن أسباب انحراف المؤسسات التربوية يرى المؤلف أن أهمها افتقار هذه المؤسسات إلى المقاييس العلمية. ومن مظاهر الانحراف أن الطاولات محفورة والكراسي والجدران ملطخة بالكلمات البذيئة، وحتى الطالب أصبح يتحدى أستاذه في ظل هشاشة العقوبات الإدارية الردعية. هذا إلى جانب تفشي المخدرات في الأوساط الطلابية، فضلا عن الاختلاط بين الجنسين في المدارس والجامعات والتي عدها الكتاب آفة سببت الفشل الدراسي للذكور خاصة.
 
ولا يختلف واقع أصحاب الشهادات العليا عن واقع طلابها، فهم مع اضطهاد الإدارة لهم يضطرون إلى الهجرة إلى الدول الغربية.
 
ويتهم المؤلف الحكومات والإدارات العربية والإسلامية بأنهم أعوان الغرب في تصدير العقول والكفاءات إليه، ويعتبره نوعا من أنواع السيطرة الغربية على البلدان الإسلامية.
 
الانحراف والواقع المزري الذي يعرضه الكاتب لم تسلم منه الرياضة البدنية التي تحولت في هذا العصر إلى غاية بعدما كانت وسيلة لتزكية النفوس، فهي الآن المهنة التي تدر على ممارسيها الأموال الطائلة وتحقق لهم الشهرة العالمية، وقد اتخذتها الأنظمة الحاكمة وسيلة لتخدير الشعوب وخاصة رياضة كرة القدم لكثرة مناصريها في العالم والعناية الفائقة التي تحظى بها من طرف المسؤولين، فكانت وسيلة لتخريب العقول وتدمير البنية الأساسية للمجتمع سواء من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية لما تغرسه في نفوس مناصريها من روح عصبية تهدم الأخلاق وتنشر الشقاق، فضلا عن أنها وسيلة خطيرة لتفريغ جيوب الناس عن طريق الرهان الرياضي.
 
حتى الرياضة النسوية فهي معول تهديم عمدت إليه الأنظمة للقضاء على مقومات المجتمع وقيمه.
 
وفي مجال السياسة والإعلام يتهم المؤلف السياسيين بأنهم يأخذون بالطريقة الميكيافيلية لتحقيق غاياتهم بأية وسيلة خدمة لمصالحهم، فهم يحرفون القواعد العامة حسب أهواء الذين يسيرون ويمولون أحزابهم سواء كانوا أصحاب البدلات العسكرية أو رجال المال والأعمال.
 
ويرى أن تنوع وسائل الإعلام جعل الأنظمة الحاكمة وأصحاب الاتجاهات المنحرفة يتهافتون من أجل السيطرة عليها حتى تتسع قاعدة مؤيديهم، مشيرا إلى سيطرة الحكومات في الدول الإسلامية على جل وسائل الإعلام والمرئية منها بشكل خاص.
 
فالتلفاز وسيلة إعلامية مؤثرة على عامة الناس وما يبث فيه يتنافى وقيم المجتمعات الإسلامية وأخلاقها، موضحا أن غاية الحكام من ذلك هي نشر ما أسماها "أخلاق اللاأخلاق" بهدف ضمان بقائهم في الحكم.
 
ويعرج مؤلف الكتاب إلى مجال السياحة التي اعتبرها وسيلة هامة في تعميم إملاق الأخلاق إذ تنتشر العولمة الأخلاقية في الاتجاه الذي تريده الأنظمة السائرة في فلك الغرب بدليل توفير الخمور والملاهي في الدول الإسلامية، ليعقب بأن المجتمعات الاسلامية ليست بحاجة إلى تقليد غيرها وإنما إلى "تأصيل" أخلاقها وتجذير مبادئ دينها لتؤثر ولا تتأثر.
 
بهذا التبسيط والتسطيح في عرض الواقع العربي والإسلامي وتحليله، يختم المؤلف الباب الأول من كتابه بعرض مفهوم الديمقراطية، واصفا إياها بديمقراطية الأهواء.
 
ويستشهد بفضيحة ووترغيت وجريمة فرنسا بالجزائر في أحداث 8 مايو/ آيار 1945 وغيرهما كأدلة على جرائم إنسانية وقعت باسم الديمقراطية.



رؤية علاجية إسلامية
"
ما قام به الإسلام في المجتمع الجاهلي دليل على أنه يحمل قواعد لتربية السلوك وتطبيع الجوارح بطبائع العزة والعفة، فأركان الإسلام تعنى أشد العناية بتهذيب السيرة ومعالجة كل اعوجاج
"
في الباب الثاني سعى الكاتب لتقديم رؤيته للعلاج عبر بناء الشخصية السليمة والقوية على حد تعبيره، ويرى أن ذلك يتحقق في تطبيق الإسلام بوصفه العقيدة السماوية الوحيدة التي حافظت على صحتها وقواعدها.
 
وفي جوابه على سؤال: من يتربى أولا؟ ذكر المؤلف المراحل التي يمر بها الإنسان في تربيته وهي ثلاث: مرحلة التقليد، ومرحلة التقليد والتعلم، ومرحلة التعلم والتفكير، مؤكدا أهمية القدوة في كل مرحلة منها وأن التربية يجب أن يظهر بها الكبير قبل الصغير، ومتى تخلى عنها البالغون الراشدون تخلى عنها الصغار المقلدون، فالتربية تكون للبالغ الراشد أولا.
 
ويرى المؤلف أن ما قام به الإسلام في المجتمع الجاهلي دليل على أنه يحمل قواعد لتربية السلوك وتطبيع الجوارح بطبائع العزة والعفة، موضحا أن أركان الإسلام أو ما أسماها قواعد التربية السلوكية وأركان الإيمان أو قواعد التربية النفسية، تعنى أشد العناية بتهذيب السيرة ومعالجة كل اعوجاج يطرأ على حياة المسلم.
 
فالشهادة تحرر نفس قائلها من التعدد وتذهب به إلى وحدانية الله خالق الكون، والصلاة تقويم للسلوك وإبعاد من الانحراف وتجنب للمهلكات، والصيام مدرسة لتكوين الشخص الذي يدرأ عن نفسه الموبقات ويتحمل المسؤوليات وهو في تمام التحرر من المغريات.
 
أما الزكاة فهي وسيلة تربوية عامة تطهّر المال والنفس وتوزع الثروة توزيعا يقضي على الفقر ويرفع قيمة الإنسان إلى مستوى الكرامة التي فطره الله عليها. كما أن الحج هو القاعدة التربوية التي تجعل المسلم يسمو عن ملذات الحياة ويبتعد عن الشجار.
 
أما قواعد التربية النفسية فتتمثل في أركان الإيمان، فالإيمان بالله دعوة إلى البحث في مخلوقات الله بما يصون النفس ويحفظ صحتها، والإيمان بالملائكة اعتراف من المسلم بمحدودية قدرته الفكرية أمام قدرة الخالق، والإيمان بالكتب السماوية ووحدانية مصدرها الإلهي يحمي الإنسان من الوقوع في الأخطاء فيسلم النسل والأخلاق والطبيعة من ظلمه.
 
أما الإيمان بالرسل فلأن حياتهم كلها مواعظ ودروس في العفة ونكران الذات والصبر فهم الأجدر بأن يكونوا القدوة الحسنة، كما أن الإيمان باليوم الآخر يتحقق بعد التفكير والتدبر في الخلق وإدراك ماهيته.
 
الكاتب سعى جاهدا لبيان أن الإسلام بقواعده التربوية السلوكية والنفسية هو الحل الناجع لواقع التربية والتعليم المزري في عالمنا العربي والإسلامي، غير أنه لم يخرج عن التعميم والتسطيح الذي سار به في الباب الأول.
 
كما لم يجب عن السؤال الأهم في هذا الموضوع وهو: كيف يمكن غرس مبادئ الإسلام في الناشئة وفي المربين أولا مع كل ما يشهده العالم اليوم من متغيرات وإغراءات ومؤامرات تحاك ضده؟ هذا السؤال الذي يعد جوابه المنهج العملي للتربية بما يعنيه من قواعد وبرامج ووسائل وغيرها.
 
"
رغم سطحية تحليل الكتاب للواقع المزري الذي تعيشه التربية والتعليم في عالمنا العربي والإسلامي، فإنه يبقى خطوة ضرورية تحتاج إلى خطوات أخرى مكملة لتحريك المياه الراكدة في هذا القطاع
"
في الباب الثالث من الكتاب رجع المؤلف إلى عرض الواقع عبر مصطلح الفساد بمفهومه الواسع وأن سببه هو الانحراف عن منهج السماء مما يؤدي بالضرورة إلى فساد الأخلاق وتلوث النفوس ومن ثم البيئة والمحيط.
 
وأصل الفساد في الأرض يأتي من فساد الاعتقاد، وكل عقيدة وضعية لا ريب في أنها فاسدة مفسدة وتؤدي بالبلاد والعباد إلى الهلاك المبين، وهذا ما تعيشه البشرية اليوم وهي على أبواب القرن الواحد والعشرين.
 
خاتمة الكتاب اتسمت بتقليدية عنوانه ومقدمته إذ وجه المؤلف من خلالها نداء للإنسان ليتدارك أمر واقعه فيصلحه قبل فوات الأوان.
 
هذا النداء يبدو أنه لن يتعدى كونه صرخة في واد أو نفخة في رماد كما في المثل العربي، في ظل ما تشهده المناهج التعليمية في مختلف البلاد العربية من تغيير يمس بالخصوص مواد التربية الإسلامية بالحذف والتبديل استجابة لإملاءات غربية حسب كثير من المحللين.
 
ورغم سطحية في التحليل بدت واضحة في الكتاب وعدم تطرقه للجانب العملي للحل الذي ارتضاه علاجا للواقع المزري الذي تعيشه التربية والتعليم في عالمنا العربي والإسلامي مما قلل من أهمية الكتاب العلمية، فإنه يبقى خطوة ضرورية تحتاج إلى خطوات أخرى وأخرى مكملة قصد تحريك المياه الراكدة في هذا القطاع.
 
خاصة في ظل الحرب الشعواء على مناهج التعليم – الدينية منها- بدعوى أنها المسؤولة عن إنتاج "الإرهاب والإرهابيين"، إلى جانب ما تشهده الساحة السياسية والإعلامية والاجتماعية في الجزائر من نقاش ساخن وجدل طويل حول
مشروع تعديل قانون الأسرة وما يسمى بمشروع إصلاح المنظومة التربوية.

المصدر : غير معروف