عرض/سيدي أحمد ولد أحمد سالم
صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس كتاب ألفه الباحث الليبي الدكتور علي محمد الصلابي ونشرته دار المعرفة ببيروت في طبعته الأولى لسنة 2008.

- الكتاب: صلاح الدين الأيوبي
- المؤلف: علي محمد الصلابي
- الصفحات: 704
- الناشر: دار المعرفة، بيروت
- الطبعة: الأولى/2008

ويأتي الكتاب الواقع في 704 صفحات من الحجم المتوسط مكملا لكتب الدكتور الصلابي تناولت الحروب الصليبية، ككتابيه عن عصر الدولة السلجوقية وعصر الدولة الزنكية، فضلا عن كتابيه المخصصين لنور الدين زنكي ولعماد الدين زنكي.

ويفرق الدكتور الصلابي، المهتم منذ زمن بالتاريخ الإسلامي وقائع ودولا وأعلاما والذي أصدر حتى الآن 24 مؤلفا في هذه المجال، بين مفهومين هما قراءة التاريخ والوعي بالتاريخ.

فقراءة التاريخ تسمح بمعرفة الوقائع والإلمام بأعمار السابقين وتصور ما جرى، أما الوعي بالتاريخ فهو توظيف ثمرة هذه القراءة في تغيير الواقع واستشراف المستقبل.

يحاول الدكتور الصلابي أن يجمع في تناوله تاريخ صلاح الدين الأيوبي بين القراءتين فهو يضع بين يدي متصفح كتابه كل الوقائع والحيثيات التي حدثت في عصر القائد صلاح الدين، وفي نفس الوقت يجعل القارئ لهذا الكتاب يعي أهمية هذه الوقائع وإمكانية تحديثها واستلهامها.

فصلاح الدين الأيوبي، عند الدكتور الصلابي، ليس وقائع حصلت وانفصلت بل وقائع حصلت في الماضي واتصلت بالحاضر.

"
صلاح الدين الأيوبي عند الصلابي، ليس وقائع حصلت وانفصلت بل وقائع حصلت في الماضي واتصلت بالحاضر
"
صراع المشاريع

تقوم فكرة الكتاب، رغم توسعه في التناول وتفصيله في العرض، على فكرة صراع المشاريع التي تعني عند المؤلف أن عصر صلاح الدين الأيوبي (ولد سنة 532هـ وتوفي سنة 589هـ) عرف صراع ثلاثة مشاريع، هي المشروع الصليبي (وتدافع عنه أوروبا) والمشروع السني (وتدافع عنه الدولة الأيوبية) والمشروع الشيعي (وتدافع عنه الدولة الفاطمية).

ويتناول الكتاب المشاريع الثلاثة مبينا تشكل كل مشروع وما هي مقوماته وأدواته الإستراتيجية وما هي علاقات التناقض والاحتراب بين هذه المشاريع.

المشروع الصليبي:
وهو المشروع الذي ما فتئ يحارب الدولة الإسلامية منذ أن تدفقت قواتها في البلاد التي يسيطر عليها البيزنطيون أيام الدولة الراشدة .

وقد ظلت المناوشات الصليبية للمسلمين محدودة في العصر الأموي، غير أن هذا المشروع تبلور في العصور اللاحقة بفعل أسباب دينية وسياسية واقتصادية، وتبدل في ميزان القوى في حوض البحر المتوسط وغير ذلك، وقد شرح المؤلف تلك الأسباب باستفاضة.

وقد تتبع المؤلف المشروع الصليبي قبل قيام الدولة الأيوبية عبر الحملات العسكرية التي كانت أولاها في العهد السلجوقي بعد خطبة البابا أوربان الثاني في كليرمونت بفرنسا. وكانت الحملة الثانية بعد سقوط الرها في أيدي المسلمين.

ولم يهمل المؤلف دور المجتمع الأهلي (الفقهاء والقضاة والتجار والشعراء) في الجهاد. كما ركز على شخصيات محورية في هذه الفترة مثل الأمير السلجوقي عماد الدين زنكي الذي كان له الفضل في استرجاع مدينة الرها.

المشروع الشيعي:
وفي هذا الجانب من الكتاب تعرض د. الصلابي لجذور الشيعة الإسماعيلية والدولة الفاطمية مبينا غلو بعض دعاتهم في مهديهم عبيد الله، وكيف استهدفت دعوتهم أول ما ظهرت بالمغرب المذهب المالكي السني فضلا عن إزالة آثار خلفاء السنة.

كما تعرض المؤلف لمقاومة المغاربة للمد الشيعي الفاطمي الذي ما لبث أن أسس أصحابه مدينة القاهرة وجعلوها عاصمتهم. وقد حاولت الدولة السلجوقية التصدي للمشروع الفاطمي عبر حملات عسكرية تزعمها نور الدين زنكي، وفكرية كان من زعمائها الإمام أبو حامد الغزالي.

المشروع السني:
ظهر المشروع السني الذي كان بطله في هذه الفترة التاريخية صلاح الدين عندما تولى هذا الأخير الوزارة في مصر بعد وفاة عمه أسد الدين شيركوه.

وقد بدأ صلاح الدين مشروعه بالتخطيط للقضاء على الدولة الفاطمية، ومهد لذلك بالتدرج في إلغاء الخطبة للخليفة الفاطمي وعزل قضاتهم وإبطال الأذان بحي على خير العمل، وساعده على ذلك مرض آخر ملوك الفاطميين العاضد لدين الله.

وقد خصص المؤلف الفصل الثاني من الكتاب لصلاح الدين الأيوبي معرفا به مولدا ونشأة ونسبا وصفات، ومعرفا بالدولة الأيوبية، مرجعيتها الفكرية وإنجازاتها الحضارية وجهادها ونظامها العسكري ومواقفها السياسية وإحيائها للمذهب السني ونشاطها التجاري والاقتصادي والصحي والشخصيات الفكرية والعلمية الفاعلة في العصر الأيوبي كالقاضي الفاضل والحافظ السلفي وأبو طاهر بن عوف الإسكندراني وعبد الله بن أبي عصرون والفقيه عيسى الهكاري وزين الدين علي بن نجا والعماد الأصفهاني والخبوشاني.

"
أبرز ما قام به صلاح الدين الأيوبي توحيد الجبهة الإسلامية والدفاع عن حوزتها بعد أن فرقتها الدويلات والأسر الحاكمة شذر مذر
"
ماذا بقي من صلاح الدين الأيوبي؟
من أبرز ما قام به صلاح الدين الأيوبي توحيد الجبهة الإسلامية والدفاع عن حوزتها بعد أن فرقتها الدويلات والأسر الحاكمة شذر مذر.

وقد تم ذلك التوحيد حين ضم صلاح الدين بلاد الشام إلى مصر، وخطب للخليفة العباسي ببغداد على منابر مساجد الدولة الأيوبية، وراسل سلطان الموحدين في المغرب وتبادل معه الهدايا والسفارات، وتصدى لمن يريد الوقوف أمام هذا المشروع الوحدوي.

كما عرف عن صلاح الدين كرمه وسماحته وحرصه الدؤوب على تأدية الشعائر الدينية، ومحاولته المستمرة كسب ود الشعوب الإسلامية التي تقع تحت إمرته.

ويبقى اسم صلاح الدين مرتبطا في التاريخ بمعركة حطين واسترجاعه بيت المقدس من أيدي الصليبيين.

وقد مهد صلاح الدين لمعركة حطين بالاستيلاء على طبرية حتى يمنع الصليبيين المتجمهرين في صفورية من المياه. وما إن توجه الجيش الصليبي نحو طبرية حتى اعترضه جيش صلاح الدين وهو على سطح جبل طبرية المشرف على سهل حطين وهي منطقة على هيئة هضبة ترتفع عن سطع البحر أكثر من ثلاثمائة متر، ولها قمتان تعرفان بقرون حطين.

وقد دارت المعركة صبيحة يوم السبت 24 ربيع الآخر 583هـ، الموافق 4 يوليو/تموز 1187م، وقد هزمت الجيوش الصليبية في معركة حطين وأسر الملك جاي والأمير أرناط وغيرهما.

كان انتصار صلاح الدين في معركة حطين واستسلام عسقلان وغزة له بعد ذلك سببا في هجومه على إمارة بيت المقدس الصليبية.

وعكس ما حدث في حطين من مواجهة وقتال كان دخول صلاح الدين للقدس بأمان بعد حصار دام 12 يوما، وبعد مفاوضات تم بموجبها تسليم القدس لصلاح الدين يوم الجمعة 27 رجب 583هـ، الموافق 2 أكتوبر/تشرين الأول 1187م.

وقد عامل صلاح الدين سكان القدس من غير المسلمين بإنسانية سمحة وبروح فروسية، وما إن توفي حتى بدأت المنازعات بين أبناء البيت الأيوبي وصار كل أمير يريد الاستئثار على غيره بأكبر قدر ممكن من السلطة.

ويبقى تأليف الدكتور الصلابي عن تاريخ صلاح الدين محاولة جادة تستلهم المنهج الثنائي الذي حدده المؤلف في بداية كتابه، والقائم على قراءة التاريخ والوعي بالتاريخ وهو منهج لا يتوخى مجرد تقديم المعلومات المعرفية وما حصل من وقائع وجرى من حوادث فقط، بل يزيد على ذلك الدفع بالقارئ إلى التفكر فيما يقرأ، وتجاوز السطور إلى ما بين السطور وتجريد الحوادث من سياقاتها الزمانية والمكانية لأخذ العبرة منها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك