عرض/ زياد منى

صاحب هذا الكتاب صحفي كندي شهير، معروف عالميًا بكونه متخصصا بشؤون "الشرق الأوسط" ووسط آسيا وروسيا. تخرج في جامعة تورنتو وكمبردج في مجال الاقتصاد. عاش في الاتحاد السوفياتي ومن ثم في روسيا وانتقل بعدها إلى أُزباكستان بصفته مستشارا للأمم المتحدة وكاتبًا ومترجمًا.

وهو متفرغ حاليًا للعمل في صحيفة الأهرام المصرية، لكنه مساهم معروف في عدة وسائل إعلام شهيرة ومنها قناة الجزيرة وإذاعة صوت الكيب الجنوب أفريقية، كما أدار أعمال "قمة قادة من أجل التغيير" التي عقدت في مدينة إسطنبول في العام الماضي، وكان من ضمن المتحدثين فيها.

المصطلحات ومعانيها
لا شك أن مصطلحات "الحداثة" و"ما بعد الحداثة" و"الإمبريالية" تثير عند كثير من القراء حساسيات، قد تكون مفرطة لدى البعض. وقد يرى البعض أن كثيرين من الجهلة أساؤوا استخدام هذه المصطلحات وطبقوها تطبيقا غير مناسب على مجتمعاتنا.

-الكتاب: إمبريالية ما بعد الحداثة: الجغرافية السياسية واللعبة الكبرى.
-المؤلف: إرِك وُلبِرغ
-عدد الصفحات: 300
-الناشر: كلَرِتي بْرِس, أطلنطا، الولايات المتحدة
-الطبعة: الأولى 2011

كما أننا على قناعة بأن البعض يمتعض من استخدام مصطلح "الإمبريالية" ويعده جزءا من لغة خشبية تكسرت مع هزيمة الشيوعية ومعسكرها العالمي، رابطًا بين الجهتين. لكن في الواقع أن مصطلح "إمبريالية" قد استخدم للمرة الأولى في أوروبا في القرن السادس عشر للإشارة إلى عدة دول أوروبية مستعمِرة. وكي لا نقع في فخ الأحكام المسبقة على أي من مصطلحات الكتاب ومفرداته، من الضروري توضيح بعضها ذات العلاقة.

لذا فإن المقصود بمصطلح "إمبريالية": خلق علاقات اقتصادية وثقافية ومحلية "أي: territorial" أو المحافظة على مثل هذه العلاقات القائمة على الهيمنة والتبعية.

الراحل إدوارد سعيد استخدم المصطلح ليغطي أي علاقة هيمنة وتبعية تم تنظيمها بين المركز الإمبراطوري والهامش المحيط الخاضع. لذلك وجب تمييز "الإمبريالية" عن "الاستعمار" أو "الكولونيالية"، التي تعني حكم دولة أراضي وشعب دولة أخرى. مع هذا فإن الراحل إدوارد سعيد يقول إن الإمبريالية تتضمن "ممارسة المتروبول المركز العملية والنظرية والموقف لحكمه أراضِ قصية".

أما مصطلح "ما بعد الحداثة" فقد استخدم للمرة الأولى في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وليس ثمة من اتفاق على المعنى حيث يتغير مع تغير مادته سواء في الفنون أو الآداب أو الهندسة المعمارية، علمًا بأن ثمة حديثا مطولا في الغرب الرأسمالي عن ما بعد الحداثة. لذا من الأفضل تجنب الخوض في متاهات اصطلاحية والالتفات إلى محتوى الكتاب.

"إمبريالية ما بعد الحداثة" تعني، وفق المؤلف، قيام تحالفات مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) برعاية الولايات المتحدة بهدف خلق عالم سلمي متحد خالٍ من الحروب والنزاعات والتنافس بين الدول والتكتلات الكبرى.

وقد بدأ هذا أولاً في أوروبا مع تأسيس "الاتحاد الأوروبي" الذي كان اسمه "السوق الأوروبية المشتركة". وثمة معلومات عن أن إعادة تأسيس الجيش العراقي وقواه الأمنية وتدريبهما تم وفق متطلبات حلف الناتو وبالتالي خطط الولايات المتحدة الأميركية وأهدافها العالمية في المنطقة. رئيس الاتحاد الأوروبي هِرمَن فَن رمبوي أكد هذا الأمر عندما صرح بأن زمن الدول المهيمنة قد ولى، بما يعني، دومًا وفق المؤلف "إمبريالية ما بعد الحداثة".

وثمة رأي غير ناضج بأن إمبريالية ما بعد الحداثة هي اقتصاد عالمي طوعي متعدد الجوانب والأقطاب، مع صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية. لكن هذا التعريف يتجاهل، عمدًا، حلف الناتو كونه أداة تنفيذية ضد "الدول المارقة" التي ترفض الانصهار في النظام العالمي الجديد وتحاول المحافظة على نفسها بصفة دول قومية حديثة.

كما يتجاهل هذا التعريف المجتزَأ حقيقة أن الولايات المتحدة، وبالتالي إسرائيل، هي دول قومية حديثة (modern nation states). وما حماس الغرب لمطالب الدولة الصهيونية بإعلانها دولة يهودية إلا تأكيد لهذه الصفة التي يحاول الغرب نزعها عن الدول الأخرى.

تأسست مجموعة "بركس" بوصفها خطوة على طريق مواجهة "إمبريالية ما بعد الحداثة" وخلق عالم جديد متعدد الأطراف لا تهيمن عليه الولايات المتحدة الأميركية

ضمن إطار هذه المصطلحات، يرى الكاتب أنه على المرء النظر إلى النزاعات والصراعات القائمة بين الغرب (ناتو) من جهة، وبقية دولة العالم "المارقة" وأعمال التخريب التي تقوم في بعضها مثل سوريا وإيران، من دون أن ننسى غزوه يوغسلافيا وتقطيع أوصالها إلى دول قومية حديثة، ومن بعد ذلك غزو أفغانستان وبعد ذلك العراق.. ويضاف إلى ذلك ليبيا لجعل البحر الأبيض المتوسط بحيرة أوروبية.. إلخ.

فقط ضمن هذا المنظور يمكن فهم المشكلات التي تواجهنا وأسبابها، وما تأسيس مجموعة "برك" (البرازيل، وروسيا، والصين، الهند) التي تأسست عام 2008، وأضحت "بركس" (BRICS) بعد انضمام جمهورية جنوب أفريقيا إليها في عام 2010، إلا خطوة على طريق مواجهة "إمبريالية ما بعد الحداثة" وخلق عالم جديد متعدد الأطراف لا تهيمن عليه الولايات المتحدة الأميركية.
 
الكتاب
المؤلَّف المخصص لكشف النظام العالمي الجديد وأهدافه وتفرعاته لتوضيح أسباب الأزمات التي يعيشها العالم، بدأه الكاتب بمقولتين، واحدة لحاكم الهند الأسبق اللورد كرزُن الذي قال في عام 1898: إن تركستان وأفغانستان و"عبر بحر قزوين" وفارس تبدو أسماء تدل على مناطق قصية أو ذكريات تقلبات غريبة ورومنطيقية محتضرة. لكنها النسبة لي قطع على رقعة الشطرنج الذي يتم على سطحه صراع لعبة السيطرة على العالم.

كما أضاف مقولة إلى الجغرافي الإنجليزي الشهير هلْفُرد مَكِندَر، مؤسس "مدرسة لندن للاقتصاد" (LSE) في مطلع القرن الماضي ومستشار القوى المنتصرة في مؤتمر باريس عام 1919 جاء فيها: من يحكم أوروبا الشرقية يسيطر على القلب، ومن يسيطر على القلب يحكم جزر العالم، ومن يسيطر على جزر العالم يحكم العالم.

الكتاب رحلة مطولة في تاريخ تطور العلاقات الدولية بهدف الوصول إلى فهم صحيح للأحوال التي نعيشها، وأسباب أزمات العالم، الحقيقية منها والمصطنعة. ومن أجل الوصول إلى هدفه وتأكيد استنتاجاته التي يحويها عنوان المؤلف، فقد قسمه إلى مقدمة (اللعبة الكبرى: الإمبريالية في وسط آسيا والشرق الأوسط) وخمسة فصول (هي: 1/ اللعبة الكبرى الأولى: إمبراطوريات متنافسة. 2/ اللعبة الكبرى الثانية: إمبراطورية ضد الشيوعية. 3/ اللعبة الكبرى الثالثة: الولايات المتحدة-إسرائيل، إمبريالية ما بعد الحداثة. 4/ اللعبة الكبرى الثالثة، إسرائيل إمبريالية ونصف. 5/ لاعبون كثر، ألعاب كثيرة) واستنتاجات وملاحق مهمة (نقد أدب "اللعبة الكبرى الجديدة"، تحالفات اللعبة الكبرى الثالثة، جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق في اللعبة الكبرى الثالثة)، إضافة إلى عدد من المصورات والخرائط. وقد أبلغني المؤلف أن الترجمة العربية لمؤلفه ستصدر قريبًا في بيروت.

المؤلِّف يعرف ثلاث مراحل من التطور الإمبريالي حيث يطلق عليها اسمًا جامعًا هو "اللعبة الكبرى". اللعبة الكبرى الأولى (GGI) مرتبطة بالإمبريالية الكلاسيكية حيث تصارعت فيما بينها على السيطرة على مختلف بقاع العالم الضعيف وثرواته.

واللعبة الكبرى الثانية (GGII) هي "الحرب الباردة" التي خاضها الغرب بقيادة الولايات المتحدة باردةً في أوروبا، وساخنةً في بقاع العالم "الثالث"، بهدف تثبيت هيمنة الولايات المتحدة الأميركية وإلحاق الهزيمة بالمعسكر الشيوعي.

اللعبة الكبرى الثالثة (GGIII) هي ما نعيشه الآن، وبدأت مع هزيمة المعسكر الشيوعي (مع أن الكاتب يقول عنه "انهيار") ومستمرة إلى الآن. تتميز هذه المرحلة بأنها مرحلة إمبريالية ما بعد الحداثة، ويمكن وصفها بأنها مرحلة الهيمنة الأميركية على العالم عبر قدرة عسكرية مطلقة.

أما المنطقة الواجب الهيمنة عليها، أي وسط آسيا، فهي تسير وفق المقولات التي أوردها المؤلف في مدخل الكتاب، وما سوريا وإيران إلا عقبات في الطريق واجب إما إخضاعها وإما تدميرها ككيانات. وكان احتلال العراق جزءا من الخطة.

فوسط آسيا يحوي الثروات الطبيعية التي يحتاج العالم الصناعي إليها، والهدف يكون بالتالي السيطرة عليه. ولذا وجب عدم الالتفات إلى كل لغو الغرب الاستعماري عن حرية الشعوب وحقوقها في تقرير مصيرها ومواجهة الطغيان وما إلى ذلك من المفردات التي تفقد معانيها السامية عندما يتكلم بها عتاة الإمبرياليين.

هدف الإمبريالية هو الإمساك بوسط آسيا, ومن يقف حجرة عثرة في الطريق أو يحاول تعطيل مشروع "اللعبة الكبرى" الدموي -"لعبة" السيطرة على العالم- ستعمل على إزاحته

العالم، كما يقول المؤلف، رقعة شطرنج، تجري فوقه "اللعبة الكبرى"، أي: السيطرة على العالم وثرواته. ومن لديه شك في صحة استخدام المصطلح فله أن يعود إلى مؤلف مستشار الأمن القومي زبغنيو برجنسكي وعنوانه "رقعة الشطرنج الكبرى"، علمًا بأنه هو ووليم كيسي رئيس وكالة الاستخبارات الأميركية الأسبق عدّا الإسلام السياسي بيادق عليها، ودومًا حسب المؤلف. كما عد برجنسكي أوروبا إحدى ساحات الحرب الاقتصادية الجغرافية.

لذا فإن كل الصراعات التي نشهدها في المنطقة ونظرة إلى الانتفاضات العربية وموقف الولايات المتحدة الأميركية منها، مهم لفهم طبيعة المرحلة والتحديات الحالية والخطط المستقبلية. الهدف هو إمساك الإمبريالية بوسط آسيا وبالتالي كافة الخطوط التي تمتد من الصين شرقًا إلى المحيط الأطلسي وما بينهما. ومن يقف حجرة عثرة في الطريق أو يحاول تعطيل مشروع "اللعبة الكبرى" الدموي -"لعبة" السيطرة على العالم- تعمل على إزاحته تحت مختلف المسميات من حقوق الإنسان والديمقراطية إلى ما شئتم من ذرائع ومسميات معروفة.

ملاحظات أساسية
المؤلف، في ظننا، منح إسرائيل والصهيونية مكانة في "اللعبة الكبرى" أكبر بكثير مما تستحقه حيث عدها "إمبريالية ونصف". في ظننا أن إسرائيل تبقى دولة تابعة وليس لها حرية اتخاذ قرارات تمس أو تؤثر في مصالح الولايات المتحدة الإستراتيجية أو حتى الآنية.

وقد تبين هذا في عدوانها على لبنان عام 2006 عندما حاولت إنهاء الحرب بعدما تبين لها ارتفاع الكلفة وأنها وصلت إلى طريق مسدود فما كان من الولايات المتحدة، عبر كوندوليزا رايس، إلا أن أبلغتها أن قرار إنهاء الحرب ليس بيدها وإنما بيد واشنطن.

ولذا فإن أي لغو إسرائيلي عن مهاجمة إيران هراء وكلام للاستهلاك وجزء من حرب نفسية ونوع من نفخ الذات. قرار مهاجمة إيران ذو أبعاد إستراتيجية خطيرة على المنطقة بأكملها بسبب علم الغرب امتلاكها أسلحة نووية، على ما تفوّه به رئيس وزراء بريطانيا أخيرا، عدا عن الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، ولو كانت ثمة إمكانية لدى الولايات المتحدة لتدمير مقدرات إيران العسكرية والاقتصادية لما انتظرت لحظة. كما أن إسرائيل لا تمتلك القوة العسكرية اللازمة لتوجيه ضربة تضمن عدم تمكن الأخيرة من الرد ردًا عنيفًا، بل من المحتمل أن إيران نفسها ستستبق الحدث بشن هجوم صاروخي كاسح على إسرائيل.

المسألة الثانية التي نرى أن الكاتب بالغ فيها، أنه منح إسرائيل موقعًا أهم من حقيقتها وذلك بإكثار حديثه عن اليهود والصهيونية ودورهم في الولايات المتحدة وسياساتها. الكتاب، الذي يعتمد النظرية الماركسية أساسًا لتحليلاته، يجب أن يذكر بقول ماركس: الرأسمالية هي اليهودية. ويعني بذلك السعي وراء الربح، معتمدًا التعريف الشعبوي لليهودية الذي كان سائدًا علانية في أوروبا في أيامه.

لقد نجح المؤلف في توصيف الأحوال السائدة وأهداف إمبريالية ما بعد الحداثة وتوضيح أنها استمرار للإمبريالية الكلاسيكية، في كتاب يحوي كمًا كبيرًا من المعلومات، وسيكون مرجعًا مهمًا لفهم أحداث تاريخية وحالية، وتوقعات مستقبلية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك