عرض/ إبراهيم غرايبة
يعرض هذا الكتاب التاريخ السياسي الحديث للعراق بدءا من القرن الـ19 عندما كان العراق جزءا من الإمبراطورية العثمانية حتى تطور الدولة وتحولها من الملكية إلى الجمهورية ونشأة حزب البعث وتولي صدام حسين للسلطة.

-اسم الكتاب: صفحات من تاريخ العراق
(بحث موثق في تاريخ العراق المعاصر منذ نشوء الدولة الحديثة حتى أواسط 2002)
-المؤلف: تشارلز تريب
-الترجمة: زينة جابر إدريس
-عدد الصفحات: 424
-الناشر:
الدار العريية للعلوم، بيروت
-
الطبعة: الأولى/ 2006
كما يعرض تنافس الأفكار والفصائل المختلفة التي حاولت إثبات سيطرتها وإخضاع الآخرين لرؤيتها الخاصة للدولة منذ تأسيس الدولة الحديثة عام 1921، شيوخ القبائل في ظل الملكية والجمهورية، والقوميون العرب منذ الثلاثينيات، وعلماء الدين الشيعة، والحزب الشيوعي في ذروة أحداث الخمسينيات ومطلع الستينيات، والأحزاب الكردية في اختلافها فيما بينها ومع السلطات المركزية، ومرحلة حزب البعث وصدام حسين وفريقه الذين تركوا بصماتهم على التاريخ العراقي.

ويعمل المؤلف تشارلز تريب محاضرا في قسم الدراسات السياسية في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن، ومن مؤلفاته بالمشاركة مع س. تشوبين كتاب "العلاقات الإيرانية السعودية والنظام الإقليمي" وكتاب "حرب إيران والعراق".

تشكل العراق
كان العراق في عهد الدولة العثمانية يتكون من ثلاث ولايات مستقلة بعضها عن بعض وترتبط جميعها بالعاصمة إسطنبول، وقد ترك التنافس الشيعي الصفوي مع الدولة العثمانية أثرا كبيرا على الشعب العراقي المكون من السنة والشيعة والعرب والكرد والتركمان وإثنيات وأديان وشعوب عدة، وإن كان أغلبها قوميا من العرب ومذهبيا من السنة.

لم تكن الدولة العثمانية تنظر إلى العراق باعتباره بلدا واحدا، ولم يكن الشعب في الولايات الثلاث ينظر إلى نفسه شعبا واحدا يسعى إلى الوحدة والاستقلال في إطار العراق بخريطته القائمة اليوم، ولكن العراقيين كانت تتوزعهم حركات قومية عربية سرية وحركات سياسية تركية مثل الاتحاد والترقي وتركيا الفتاة.

وعندما احتلت بريطانيا المنطقة في نهاية الحرب العالمية الأولى دمجت الولايات الثلاث في إقليم واحد مركزه بغداد، وبعد سلسلة من الأحداث والثورات والأزمات عقد مؤتمر في القاهرة بإشراف وزارة المستعمرات البريطانية التي كان يديرها تشرشل، ورشح الأمير فيصل بن الحسين ملكا على العراق، وقد وافق فيصل بشرط إجراء استفتاء في العراق، ووافق العراقيون بأغلبية كبيرة جدا على مجيء فيصل ملكا للعراق.

وبدأت تتشكل في العراق قوى سياسية من الضباط العرب الذين خدموا في الجيش التركي والقادة السياسيين والدينيين والمحليين وزعماء القبائل، اتخذ بعضهم سبيل التعاون مع البريطانيين لأجل تكوين العراق واستقلاله، وسلك آخرون المعارضة السياسية وبعضهم شارك في ثورات مسلحة، كان أهمها ثورة العشرين، وبدأت المجتمعات والنخب تتشكل في إطار الدولة العراقية ضمن تحالفات ومعارضات.

"
لم تكن الدولة العثمانية تنظر إلى العراق باعتباره بلدا واحدا، ولم يكن الشعب في الولايات الثلاث المكونة للعراق ينظر إلى نفسه شعبا واحدا ويسعى إلى الوحدة والاستقلال في إطار العراق بخريطته القائمة اليوم
"
ووضع القانون الأساسي للعراق الذي منح الملك سلطة تعليق وحل البرلمان واختيار رئيس الوزراء وسلطات واسعة في قضايا الأمن والمال وتنفيذ بنود المعاهدة، وقد اختير ياسين الهاشمي رئيسا للوزراء، ثم خلفه لفترة طويلة نوري السعيد الشخصية الأكثر شهرة في تاريخ العراق السياسي في مرحلة الملكية.

وفي العام 1931 وافقت هيئة الانتدابات التابعة لعصبة الأمم على قبول العراق دولة مستقلة، وتوفي الملك فيصل في العام 1933، ليخلفه ابنه غازي بن فيصل، وكان شابا قليل الاهتمام بعالم السياسة.

توالت حكومات يقودها شخصيات قوية ونافذة في عهد الملك غازي، ولكنها واجهت صراعات وانقلابات خطيرة، وبعد وفاة الملك غازي عام 1936 هيمن نوري السعيد على الحياة السياسية العراقية حتى العام 1958.

وشارك نوري السعيد باسم العراق في تأسيس الجامعة العربية 1944-1945 كما أسهم في صياغة ميثاق الجامعة الذي نص على استقلالية الدول الأعضاء، وفي سنة 1955 وقع حلف بغداد مع تركيا، وانضمت بريطانيا وإيران وباكستان إليه ولكن المعارضة اتهمت نوري السعيد بتقويض الأمن العربي خاصة بعد انتقاد جمال عبد الناصر للحلف.

ووقع انقلاب عسكري عام 1958 بقيادة عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف، وانتهت الملكية في العراق لتبدأ حقبة جمهورية قائمة على ضباط الجيش والأحزاب القومية واليسارية، وبدأ العراق يسلك باتجاه تأميم النفط، وتوزيع الموارد على العراقيين ونشر التعليم وتوجيه مشروعات التنمية نحو الفئات الفقيرة من المجتمع.

ولكن حزب البعث الذي اخترق المؤسسة العسكرية وأنشا مليشيات خاصة به تحول إلى قوة ضاربة أسقطت عام 1968 عبد الرحمن عارف خليفة أخيه عبد السلام الذي خلف عبد الكريم قاسم، ثم تحول النظام السياسي القائم على حزب البعث إلى نظام عائلي بقيادة صدام حسين وعشيرته وأهل مدينته تكريت.

ودخل العراق في حرب طويلة مع إيران، ثم في حالة من الحصار القاسي بعد احتلاله للكويت عام 1990 وهزيمته على يد قوات الحلفاء بقيادة الولايات المتحدة، وانتهت هذه الحقبة باحتلال عسكري للعراق عام 2003.

المسألتان الكردية والشيعية
ظلت قضيتا الكرد شاغلا رئيسا للدولة العراقية الحديثة، فقد كان الكرد يأملون بالاستقلال في دولة خاصة بهم، ولكن بريطانيا رفضت تلك المطالب، ورغم أن الملكية الهاشمية بذلت جهدا كبيرا في استقطاب تأييد النخب والجماعات الكردية، ظل التيار الاستقلالي قويا ومؤثرا، وكان قادرا دائما على تحريك المظاهرات والثورات، وقيادة المجتمعات الكردية والتأثير فيها.

"
ربما تكون الدولة قد نجحت في دمج الشيعة في الدولة العراقية الحديثة أكثر من نجاحها مع الكرد، ولكن قيام الثورة الإيرانية عام 1979 ثم الحرب العراقية الإيرانية جعل من المسألة الشيعية أكثر خطورة وتحديا
"
وربما تكون الدولة قد نجحت في دمج الشيعة في الدولة العراقية الحديثة أكثر من نجاحها مع الكرد، ولكن قيام الثورة الإيرانية عام 1979 ثم الحرب العراقية الإيرانية جعل من المسألة الشيعية أكثر خطورة وتحديا.

وبعد ضعف النظام السياسي عام 1991 نشبت ثورة شيعية مسلحة بدعم من إيران، وعادت إلى العراق قوات بدر من الشيعة المعارضين الذين تلقوا تدريبا عسكريا واستخباريا في إيران على مدى عقد الثمانينيات.

وانضم إلى الثورة أيضا عدد كبير من جنود الجيش العراقي وضباطه، ولكن قوات الحرس الجمهوري استطاعت هزيمة الثورة واستعادت السيطرة على المناطق الشيعية، ما خلف مرارة دائمة بين النظام السياسي والمعارضة الشيعية ألقت بظلالها على المرحلة التالية لسقوط النظام عام 2003.

وعندما وصل حزب البعث إلى السلطة عام 1968 عين أحمد حسن البكر ثلاثة وزراء كرد، اثنان منهم يمثلان البارزاني والثالث ينتمي إلى حزب الطالباني، ولكن بعد فترة وقعت ثورة كردية عنيفة محاولة الإفادة من الظروف السياسية التي نشأت بفعل التدهور الحاد في العلاقات الإيرانية العراقية، وقد شنت القوات الكردية هجوما على المنشآت النفطية في كركوك، وأوقفت إنتاج النفط في العراق لعدة أيام.

وتصدت الحكومة في بغداد للثورة الكردية بحملة عسكرية، ولكنها في الوقت نفسه فتحت قناة للمفاوضات السرية مع البارزاني الذي كان يمثل السلطة الحقيقية في المنطقة الكردية.

وأدت المفاوضات التي كان يديرها من الجانب البعثي صدام حسين نائب رئيس الجمهورية إلى بيان صدر عام 1970 تعهدت فيه الحكومة بالاعتراف بالحقوق الكردية على نحو فاق التنازلات التي أعطيت للكرد من قبل، مثل الاعتراف بالقومية والثقافة والهوية واللغة الكردية، والمشاركة في الحكومة والوظائف، وتشكيل منطقة كردية إدارية موحدة ومميزة.

"
أدت المفاوضات السرية مع الأكراد والتي كان يديرها من الجانب البعثي صدام حسين نائب رئيس الجمهورية إلى بيان صدر عام 1970 تعهدت فيه الحكومة بالاعتراف بالحقوق الكردية على نحو فاق التنازلات التي أعطيت للكرد من قبل
"
ولكن الحكومة العراقية أصرت على بقاء كركوك والمنتجات النفطية مستقلة عن الإدارة الكردية، وعلى إبقاء وزارات المال والدفاع والنفط مركزية، وظل البارزاني في الوقت نفسه يدير مفاوضات مع إيران بقيادة الشاه، وأبقى قوات البشمركة مستعدة للعمل والعودة إلى المقاومة.

وقد أدى النزاع الإيراني العراقي إلى مواجهة بين النظام السياسي العراقي والشيعة في العراق، خاصة عندما رفض المرجع الشيعي آية الله محسن الحكيم إدانة الحكومة الإيرانية علنا في نزاعها مع إيران على شط العرب، فاعتقلت السلطات العراقية عددا كبيرا من الأساتذة والطلاب الشيعة، وأغلقت جامعة الكوفة المستقلة في النجف وصادرت ممتلكاتها.

وأبعد من العراق حوالي 20 ألف شخص باعتبارهم من أصول إيرانية، ورد الحكيم بمسيرة احتجاجية حاشدة شارك فيها الآلاف من مؤيديه الشيعة، واعتقلت السلطات ابنه مهدي الحكيم بتهمة التجسس لإسرائيل، وأعدم العالم السني عبد العزيز البدري الذي أعلن تأييده وتضامنه مع الحكيم.

وتواصل الاضطهاد الحكومي للشيعة بالاعتقال والتضييق على مدارسهم ومؤسساتهم، وجرت عمليات اعتقال وإعدام واسعة للضباط والموظفين والقادة الدينيين والسياسيين، وامتد القمع والاضطهاد إلى الحركات الإسلامية السنية أيضا، بل وطبقت خطة علمنة شاملة في التعليم والإعلام.

وبعد وفاة آية الله الحكيم عام 1970 خلفه السيد محمد باقر الصدر مؤسس حزب الدعوة، وكان للصدر اجتهادات سياسية ودينية دفعت بالحوزة الشيعية للتصدي للعمل السياسي والاجتماعي أكثر من قبل، وحدث انقسام كبير في المرجعية الشيعية بين الصدر والخوئي، الذي كان أكثر أهمية علمية ومرجعية من الصدر، ولكنه كان يرفض الدور السياسي للعالم بل ويزدريه، وقد اعتقل لفترة قصيرة عام 1972 ثم أطلق سراحه ثم اعتقل وأعدم عام 1980.

واستأنف البارزاني مرة أخرى ثورة مسلحة ضد الدولة المركزية خاصة بعد تصاعد الأزمة الإيرانية العراقية وقيام الدولة العراقية بإبعاد 40 ألفا من الأكراد الشيعة (الفيلية) إلى إيران، وتلقى البارزاني مساعدات إيرانية وأميركية كبيرة.

وبلغت الثورة الكردية ذروتها عام 1974، وقدمت الحكومة العراقية اقتراحا بتشكيل منطقة كردية تتمتع بحكم ذاتي وجمعية تشريعية منتخبة خاصة بها، ولكن رئيس السلطة التنفيذية في الإقليم الكردي يعينه رئيس الجمهورية، كما يملك رئيس الجمهورية صلاحية إقالته وحل الجمعية التشريعية، وتبقى إدارة النفط والدفاع والمال مركزية في بغداد وكذلك الموازنة المحلية الكردية.

واستثني ثلث المناطق الكردية من الإقليم الكردي بما فيها حقول النفط في كركوك، وقد رفض البارزاني الاقتراح، ووجدت الحكومة العراقية نفسها في مواجهة ثورة مسلحة مدعومة من الخارج ومن قوى سياسية واجتماعية شيعية في الداخل.

"
وجدت الحكومة العراقية نفسها عام 1974 في مواجهة ثورة كردية مسلحة, وكان الرد هذه المرة بالتوجه إلى إيران، والسعي لوقف النزاع وتحقيق تفاهم على المسائل الحدودية والسياسية، وهو ما أدى إلى اتفاقية الجزائر عام 1975
"
وكان الرد العراقي هذه المرة بالتوجه إلى إيران، والسعي في وقف النزاع وتحقيق تفاهم على المسائل الحدودية والسياسية، وهو ما أدى إلى اتفاقية الجزائر عام 1975، ووافق العراق على المطالب الإيرانية بالخط الممتد في أعمق نقطة من شط العرب ليشكل الحدود المشتركة بين الدولتين في الممر المائي.

ووافقت إيران في المقابل على وقف دعمها للبارزاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، وسحبت في غضون أيام مساعداتها العسكرية، وأغلقت الحدود في وجه الأكراد.

وتعرضت قوات البارزاني بسرعة إلى هزيمة كبيرة، وقبل آلاف البشمركة بالعفو العام العراقي الذي عرض عليهم، فيما لجأ البارزاني وقادة الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى إيران لينضموا إلى 150 ألف لاجئ كردي مدني.

وانقسم الحزب الديمقراطي الكردستاني انقساما كبيرا بين البارزانيين (الملا مصطفى البارزاني وولديه مسعود وإدريس) وجلال الطالباني الذي استقطب عددا كبيرا من الشباب الكرد ممن وجدوا صعوبة في التوفيق بين القيادة القبلية للبارزاني ومبادئهم الاشتراكية والقومية، ثم توفي الملا مصطفى البارزاني في الولايات المتحدة الأميركية عام 1979.

وعينت السلطة في بغداد جمعية تشريعية كردية برئاسة الكردي طه محيي الدين معروف الذي عين أيضا نائبا لرئيس الجمهورية، وجرت عمليات نقل جماعية للكرد من الحدود التركية والإيرانية إلى مستوطنات جديدة حول المدن الكبرى، ونقل آخرون للعيش والعمل في الجنوب في مجتمعات غالبيتها من الشيعة، وقدر عدد الكرد المهجرين بحوالي نصف مليون، ثم سويت قراهم وبيوتهم بالأرض، ومنعوا من العودة إليها.

وشجعت الحكومة أيضا هجرة أعداد كبيرة من القبائل العربية إلى الجنوب لترجيح كفة الميزان لصالح السكان العرب، كما قدمت إغراءات وظيفية وتجارية للكرد للإقامة والعمل والاستثمار في بغداد، وأقيمت أيضا مشروعات واسعة من الطرق والاستثمارات في المناطق الكردية لدمج السكان في الدولة ولتسهيل وصول القوات العراقية إلى أي مكان بسرعة وسهولة.

المصدر : الجزيرة