عرض/ حسين عبد العزيز
 
فاجأت الثورات العربية المعرفة السائدة في مناخات عربية مارست القطيعة مع الديمقراطية، فبفعل هذه الثورات أصبحنا نعلم أن من سمّوا فاعلين في التحول الديمقراطي ليسوا هم من فعلوا هذا التحول، فمن فعل هذا التحول هم شخصيات كانت في بحوث الباحثين مجرد كائنات هلامية.
 
ثورة أم صناعة لفرصة سياسية؟
ينظر المراقبون إلى الاحتجاجات التي اجتاحت بعض الدول العربية بنوع من المفاجأة، لكن هذه النظرة بحسب المؤلف ليست صحيحة، فالاحتجاجات جاءت نتيجة لتحقق شرط كان غائبا، ثم جاء بفعل تفاعل متغيرات عدة:
- متغير التعليم، الذي أفرز نتيجتين هما: الوعي، والقدرة على توظيفه في إدراك قيمة الحرية كمدخل لإحداث التغيير.
- متغير اقتصادي اجتماعي، وقد أفرز كذلك نتيجتين: نمو طبقة متوحشة تتغذى على انعدام عدالة توزيع الدخل، واستشراء البطالة بسبب تخلف الهياكل الاقتصادية.
- متغير تواصلي، وقد أفرز نتيجتين: إطلاع الناس على ما يجري في بلدانهم وفي العالم، والقدرة على التواصل بينهم بدون حدود وقيود.
 
-الكتاب: الربيع العربي.. إلى أين؟
-المؤلف: مجموعة باحثين
-الصفحات: 351
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
-الطبعة: الأولى 2011
هنا يطرح المؤلف سؤالا مركزيا: هل كان هنالك وعي بالأهداف واستحضار للمخاطر في الاحتجاجات العربية؟ يجيب المؤلف بأن حضور هذين المتغيرين يختلف باختلاف المجتمعات، كما سيظهر ذلك من خلال مقارنة النموذجين التونسي المصري، والليبي اليمني.
 
لقد بدأت الاحتجاجات في تونس ردة فعل عفوية على واقع متقن، ومن اللافت أن المطالب كانت في بدايتها متواضعة، حيث لم تتجاوز المطالبة بالمزيد من الحريات ومحاربة الفساد، لكن ما لبث سقفها أن ارتفع في مواجهة القمع الشديد، وهذا يعني -بحسب المؤلف- أن الحراك الجماهيري بدأ متواضعا من حيث وعي أهدافه، لكنه ما لبث أن أنضج وعيا ذاتيا من داخل الحراك، تمثل في الالتفاف حول هدف ملح هو إسقاط النظام.
 
ولكن -وعلى الرغم من ذلك- لم يتم تحديد هذا الهدف (إسقاط النظام) بشكل يجعله غير قابل للاختلاف حول تأويله، فالكل يريد إسقاط النظام، بدون أن يكون هناك تحديد لماهية النظام، هل هو مجرد شخص بن علي، أم هو مجموعة المصالح التي يمثلها؟ وكان لهذا تأثير كبير في نتائج الحراك.
 
ووفق المؤلف، لم يأتِ الحراك الجماهيري التونسي كفعل إرادة ناتج من تحديد دقيق للغايات، ويمكن أن يجعل منها مرجعية للحكم عند الاختلاف، بل جاء كاستجابة لحادث عرضي غذته عوامل موضوعية، ووجود لحظة تاريخية اتسمت بانفتاح كبير على مستوى وسائل الاتصال.
 
وعلى المنوال ذاته، مع فارق في الشرارة، انتقلت آلية الاحتجاج من تونس إلى مصر التي جاء فيها الحراك الجماهيري مطابقا لما حدث في تونس من حيث سعي المتظاهرين إلى استهداف استبداد النظام طلبا لإسقاطه، ومن حيث حضور متغير الوعي بالأهداف التي هي إسقاط النظام. لكن في المقابل طابق الحراك المصري الحراك التونسي في عدم التحديد الدقيق للغايات، وهذا ما جعل آلية الاحتجاج في الحالتين تمثل ردة فعل عفوية، ولم تأت نتيجة تخطيط مسبق.
 
"
يرى المؤلف أن مستوى العفوية في الحراك التونسي المصري يظهر أن ما جرى هو أقرب إلى صناعة الفرصة السياسية منه إلى الثورة
"
ويرى المؤلف أن مستوى العفوية في الحراك التونسي المصري يظهر أن ما جرى هو أقرب إلى صناعة الفرصة السياسية منه إلى الثورة، ومما يؤكد ذلك -بحسب المؤلف- أن ما حدث فيهما، رغم خروجه عن التسلسل العادي لمعطيات الواقع، لم يصل إلى نقطة استبداله بواقع مغاير، بل بقيت هناك جيوب وأركان من الواقع السابق.
 
كان هذا على مستوى وحدة التحليل الأولى (تونس، مصر)، أما على مستوى وحدة التحليل الثانية (ليبيا، اليمن) فالأمر مختلف بعض الشيء، وذلك لاختلاف المتغيرات. فلو فتشنا في ليبيا عن طبقة متوسطة واعية وذات تجربة في الممارسة العامة، لجاءت النتيجة مخيبة، فخلافا لتونس ومصر اللتين راكمت الجماهير فيهما تجربة كبيرة وعميقة على مستوى العمل العام، من خلال العمل النقابي والحزبي، لم تعرف الجماهير الليبية أية تجربة في العمل العام. وفي اليمن أدى تجذر القبيلة إلى إفراغ هذا العمل من محتواه، وحال دون تكريس تجربة ذات بعد نضالي.
 
العامل الموضوعي للاحتجاجات كان حاضرا في ليبيا واليمن، لكن العامل الذاتي ما زال في طور التبلور، ولم تصل الجماهير بعد إلى مرحلة الوعي التي تكون فيها جاهزة لتقدير المواقف وترتيب الأولويات، مع تباين بسيط في ذلك لصالح اليمن، والنتيجة وعي بهدف إسقاط النظام متفاوت وضوحه بالنسبة إلى الحالتين: فعدم استحضار خطورة العنف أدى في الحالة الليبية إلى درجة الاستقواء بالخارج، وهو ما أفرغ الحراك من قيمته كفعل إرادة طلبا للحرية، بينما أدى في الحالة اليمنية إلى ارتكاب ممارسات عدة لا تبشر بخير على مستقبل الحراك الذي ما زال يراوح مكانه.
 
الدروس المستفادة
*هناك تعميم خاطئ ومبالغ فيه في إطلاق تعبير الثورة على جميع الأحداث التي جرت في بعض البلدان العربية، وغالبا ما يستخدم تعبير الثورة لوصف انقلاب عسكري أو انتفاضة شعبية مؤقتة تقود إلى تغيير محدود في نظام الحكم السائد. بينما المعنى الدقيق للثورة هو أنها مجمل الأفعال والأحداث التي تقود إلى تغييرات جذرية في الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي لشعب بشكل شامل وعميق على المدى الطويل.
 
وإذا كان هذا التعريف ينطبق على الحالتين التونسية والمصرية، فإنه لا ينطبق على الحالتين الليبية واليمنية اللتين هما أقرب إلى الانتفاضة منهما إلى الثورة.
 
* ثبت بالتجربة العلمية أن التغيير من الداخل ممكن وبدون الحاجة إلى الخارج، كما جرى في الحالتين التونسية والمصرية.
 
* إسقاط نظام أسهل من بناء نظام جديد، كما تشير إلى ذلك أيضا تجربتا تونس ومصر.
 
* يشير ما حدث في العالم العربي إلى وجود بوادر نهضة عربية شاملة وإلى تفاعل كبير في الوعي العربي.
 
* تبين من تجربة ما حدث في بعض البلدان أن الانتفاضات تحولت إلى ثورات عندما استطاعت تحييد الجيش.
 
* تبين أيضا خطأ تعميم شعارات الثورتين التونسية والمصرية على باقي الحالات في العالم العربي.
 
"
كل ثورة لا تقوم إلا وقامت لها ثورة مضادة، فالذين يفقدون السلطة لا يتبخرون فجأة، وإنما يتراجعون خلف الستار للتآمر على قلب النظام، وإن عجزوا عن الأمر بذلوا كل ما في وسعهم لعرقلة المسار الثوري
"
الآفاق المرعبة للثورة العربية
يناقش هذا الفصل مآل الثورات العربية في الأمد القصير والمتوسط والبعيد، ويرى كاتب هذا الفصل أن هذه الثورات قد تقود إلى كوارث أو إلى برّ الآمان، مستعينا بتجارب التاريخ التي تؤكد:
* أن كل ثورة لا تقوم إلا وقامت لها ثورة مضادة، فالذين يفقدون السلطة لا يتبخرون فجأة، وإنما يتراجعون خلف الستار للتآمر على قلب النظام، وإن عجزوا عن الأمر بذلوا كل ما في وسعهم لعرقلة المسار الثوري وتشويهه، وهذا بالضبط ما شهدته تونس حيث فلول المافيات التي تركها نظام بن علي تتعاون مع فلول البوليس السياسي والحزب المنحل لبث الفوضى والعنف.
  
* لكل ثورة ثمن، حيث هناك في الثورة نفسها قوى جبارة تدفع إلى الفوضى والعنف وعدم الاستقرار، فلا بد للثوريين من مجابهة الأعداء بالمقاصل والمشانق والسجون، وآنذاك تعود الآلة الجهنمية للقمع السياسي إلى العمل.
 
* الثوار ليسوا من يجنون ثمار الثورة، حيث يأتي بعد الثوريين عهد الانتهازيين، وبعد الملحمة يأتي عهد خيبة الأمل، ففقراء سيدي بوزيد يعودون إلى فقرهم، ويعود سكان المقابر في القاهرة إلى مقابرهم، فلا حلول جذرية لمشكلاتهم. أما الجهة التي تغنم الغنيمة الكبرى فهي البرجوازية التي كانت تنعم تحت الاستبداد بمستوى مادي مقبول.
 
لكن هذه القراءة السوداوية لمستقبل الثورات العربية كما يقول المؤلف، تستتبع منه بقراءة أخرى متفائلة، حيث حققت الثورات العربية ثلاثة إنجازات كبيرة:
 
1- إعادة بناء الإنسان العربي، حيث قطع فيها الإنسان العربي فجأة حقبة كان فيها رعية.
2- إعادة بناء الشعوب العربية، حيث اكتشفت الشعوب أنها قادرة على سحق الطغاة.
3- إعادة بناء الأمة العربية، ولنتذكر أن الديكتاتوريات بغضت العربي إلى العربي باصطناعها خصومات بين الجزائري والمغربي والسوري واللبناني والكويتي والعراقي... إلخ.
  
الربيع العربي
منذ بدء الربيع العربي ادعت دول الخليج العربي أنها غير معنية برياح التغيير، وأنها حالة استثنائية في محيطها العربي، غير أن هذه الرؤية يخالفها كاتب هذا الفصل، فهو يرى أن دول الخليج لا تعيش في فراغ، ولا تستطيع الابتعاد عما يجري في محيطها العربي.
 
لقد طرق الربيع العربي -بحسب المؤلف- أبواب الخليج، وإن كانت التداعيات جاءت بنسب متفاوتة من بلد خليجي إلى آخر. بعض بلدان الخليج سعيدة بالربيع العربي، وبعضها الآخر خائف جدا، ويعود هذا التباين في رؤية الربيع العربي إلى نقاط قوة تتسم بها بعض الدول ونقاط ضعف تتسم بها دول أخرى.
 
* البحرين: هي أكبر نقاط الضعف في الخليج العربي، حيث كانت أكبر الخاسرين من الربيع العربي، بدأت المطالب الشعبية الأولى محقة ومشروعة، ولا خلاف عليها من قبل الحكومة التي قبلت الحوار مع المعارضة لتحقيق الإصلاحات الدستورية. وفي بداية الربيع العربي كانت البحرين قاب قوسين أو أدنى من تحقيق مطلب التحول إلى ملكية دستورية عصرية، لكن المعارضة اندفعت كثيرا وبعيدا في مطالبها، وسرعان ما انحرفت المطالب الإصلاحية المشروعة إلى سلوكيات ثورية، وانزلق المجتمع البحريني إلى اصطفاف وتخندق طائفي غير مسبوق يهدد وحدته الوطنية.
 
* عُمان: هي نقطة الضعف الثانية في الخليج العربي، لكنها بعكس البحرين أدارت المطالب الإصلاحية والاحتجاجات إدارة سلمية.
 
بدأت المسيرات الاحتجاجية في 17 يناير/كانون الثاني وانتهت في 13 مايو/أيار، حيث كانت استجابة السلطات سريعة وحكيمة، وتمكنت الحكومة من امتصاص الغضب الشعبي عبر مجموعة من القرارات، منها تغيير نصف أعضاء مجلس الوزراء، والوعد بحل مشكلات البطالة والفساد، وتشكيل لجنة دستورية لإعطاء صلاحيات تشريعية ورقابية أكثر لمجلس الشورى.
 
* السعودية: هي حالة خاصة بحكم حجمها ومكانتها ومواردها، وهي تنتظر حسم مجموعة من القضايا العالقة.

أهم ما في الأمر أن السعودية تمكنت من تحقيق نصر سياسي في المعركة من أجل البحرين التي كانت في جوهرها معركة من أجل العربية السعودية، لكن على الرغم من ذلك فإن السعودية معرضة لعدوى التغيير بحكم أزماتها الكثيرة، التي تشمل تفاقم الفساد والبطالة والفقر واحتكار السلطة وغياب المشاركة والمرأة، ولذلك، وعلى الرغم من الاستقرار السياسي، فإن الوضع في السعودية على المحك.
 
* قطر: إذا كانت البحرين هي أكبر نقاط ضعف الحالة الخليجية، فإن قطر هي أكبر نقاط قوتها، وإذا كانت البحرين أكثر الخاسرين، فإن قطر أكبر الرابحين من الربيع العربي، فالحضور القطري في الشأن العربي ازداد وأصبحت موجودة في كل مكان.
 
"
برزت الدوحة كعاصمة سياسية للنظام العربي، حيث تم توظيف ثروة البلاد لتحقيق رؤية إقليمية وعالمية طموحة. وتأتي قناة الجزيرة لتجسد حقا عمق تأثير قطر في الربيع العربي
"
هذا البلد الصغير مساحة وسكانا يتصرف كأنه عملاق سياسي وإعلامي ودبلوماسي، ويؤكد أن الدول بأفعالها لا بأحجامها.

لقد برزت الدوحة كعاصمة سياسية للنظام العربي. لقد تم توظيف ثروة البلاد لتحقيق رؤية إقليمية وعالمية طموحة. وتأتي قناة الجزيرة لتجسد حقا عمق تأثير قطر في الربيع العربي، حيث لا يمكن تخيل الربيع العربي من دون قناة الجزيرة.
 
* الكويت: صاحبة أقدم تجربة دستورية وديمقراطية في الخليج العربي، ولم تكن معنية بالربيع العربي فيما عدا محاولات البعض استغلال ذلك لإسقاط الحكومة.
 
* الإمارات: هي نقطة قوة أخرى في الخليج العربي، وتقع ضمن قائمة أكبر الرابحين، لا سيما في شقه الاقتصادي. والمطلب الإصلاحي الوحيد أخذ شكل رسالة مهذبة وموقعة من قبل 133 شخصية وطنية، توجهت إلى رئيس الدولة تناشده تطوير صلاحيات المجلس الوطني الاتحادي الذي لا يملك سوى صلاحية استشارية متواضعة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك