عرض/إبراهيم غرايبة
يقدم هذا الكتاب خريطة تاريخية جغرافية سياسية لمذاهب الشيعة وأهلها في العالم المعاصر، ويصلح مرجعا عاما سهلا للمثقف العام، خاصة في هذه المرحلة التي بدأت فيها المسألة الشيعية تأخذ أبعادا سياسية وعقدية، وتختلط فيها المعرفة بالمواقف والصراعات، هذا بالإضافة إلى التحديات السياسية الناشئة عن هذه المسألة في دول عربية وإسلامية عدة.

ويعمل المؤلف فرنسوا تويال مديرا للدروس في المدرسة الحربية العليا للجيوش الفرنسية، ولعل الكتاب وضع لتقديم معرفة عامة ومركزة لطلبة الدراسات الجامعية العسكرية.

- العنوان: الشيعة في العالم
- المؤلف: فرنسوا تويال
- المترجم: نسيب عون
- عدد الصفحات: 191
- الناشر: دار الفارابي، بيروت
- الطبعة الأولى/ 2007

عودة الشيعة
يرى المؤلف أن المسألة الشيعية تشكل اليوم في الفضاء الإسلامي بعامة تحديا كبيرا وتأخذ مسارا مختلفا إلى حد كبير عما استقرت عليه طوال الفترة السابقة.

وعند إلقاء نظرة عامة على الأحداث والأزمات القائمة اليوم في العالم الإسلامي تمكن بسهولة ملاحظة التأثير والحضور الشيعي، في إيران والعراق والخليج العربي وسوريا ولبنان وباكستان وإيران.

ويقدر المؤلف عدد المسلمين في العالم بنحو مليار ومائتي مليون نسمة، وسيبلغ عددهم في عام 2020 نحو مليارين، ويشكل الشيعة من 10 إلى 12% منهم.

ولكن الشيعة ليسوا مذهبا واحدا أو طائفة متماسكة، فهم منقسمون مذهبيا وسياسيا وإثنيا، وقد كان الشيعة في القرون الخمسة الأخيرة أقلية في البلاد العربية، ولكنهم في إيران كانوا يشكلون الثقل السياسي المهم منذ القرن السادس عشر الميلادي.

وكان المذهب الحنفي والشافعي السنيان تاريخيا يشكلان مذهب الأغلبية في إيران قبل ذلك، في حين كانت الشيعة ظاهرة عربية بامتياز، ثم بدأت المسألة الشيعية تأخذ بعدا مركزيا مع بداية القرن الحادي والعشرين.

ولا يمكن حسب رأي المؤلف تقرير أي أمر سواء على صعيد السياسة الداخلية أو على صعيد العلاقات الخارجية من دون أن تؤخذ الوقائع الشيعية بالاعتبار.

وقد أصبحت المسألة الشيعية حسب المؤلف تثير تساؤلات مهمة حول مستقبل الدولة والمجتمع في العالم الإسلامي، وحول علاقة الشيعة بالنفط، خاصة أنهم يتركزون في منطقة الخليج العربي التي تحتوي على 70% من نفط العالم، وحول علاقة الشيعة بإيران والصراع بينها وبين الولايات المتحدة والغرب.

وهناك أيضا حسب تقدير المؤلف صحوة شيعية تستعيد الصراع السني الشيعي على مدى التاريخ، وهي مسألة ليست متكئة أساسا على الخلاف الديني فقط، ولكنها متعلقة بالحقوق السياسية والمظالم وتوزيع الموارد.

ولذلك يقرر المؤلف أنه سيكون في وسع أي إنسان أن يدرك أن المسألة الشيعية القائمة على أيديولوجية وفهم ديني خاص يمكن أن تشكل رافعة لعدم الاستقرار في العالم.

وبما أنها ممتدة في رقعة واسعة من العالم الإسلامي ففي مقدورها أن تحرك صراعا عالميا، وقد أظهرت الأحداث الأخيرة أن الشيعة لا تضعف برغم الحروب والعنف والاضطهاد.

ويلاحظ وزير الدفاع الفرنسي السابق جان بيار شوفنمان أن مركز الثقل في العالم العربي قد انتقل في السنوات الخمس والعشرين الماضية من محيط البحر المتوسط نحو الخليج، أي إلى مناطق يشكل الشيعة فيها أغلبية أو نسبة كبيرة مؤثرة.

ولذلك فإن عملية توسع نفوذ الشيعة أو مقاومته تنطوي على أبعاد تتجاوز العالم الإسلامي لتؤثر على مجمل العلاقات الدولية.

"
الهيئة الدينية الشيعية تحصل على إيرادات كبيرة من الأتباع وتدير تلك الموارد بعيدا عن سلطة الدولة، واستخدمتها في بناء شبكات مؤسسية واجتماعية مستقلة عن الدولة وقادرة على التأثير والمواجهة
"
الشيعة الإيرانية
هل كانت الشيعة تمثل سلطة مضادة في إيران قبل عام 1979؟ يتساءل المؤلف في محاولة لفهم مدى تأثير الثورة الإسلامية في إيران.

الواقع أن الشيعة يمثلون في إيران استثناء، مقارنة بأوضاعهم في مناطق أخرى من الشرق الأوسط، ويعود السبب في ذلك إلى أن إيران تخضع لحكم شيعي منذ أوائل القرن السادس عشر عندما سيطرت العائلة الصفوية على الحكم هناك وفرضت المذهب الشيعي.

ويعتقد البعض أن التشيع كانت مشروعا سياسيا صفويا لمواجهة الدولة العثمانية، إذ كانت أغلبية السكان في إيران سنية، مما يشكل عقبة في الصراع السياسي مع تركيا، فاستقدم إسماعيل شاه الصفوي دعاة شيعة من لبنان والعراق والبحرين لنشر المذهب الشيعي وفرضه على السكان بل وإخلاء المراكز الإيرانية من السنة.

ولذلك ظل المذهب السني سائدا في الأطراف الإيرانية بين التركمان والعرب والكرد والبلوش، ولكن الشاه لم يتقبل وجودا سنيا في المجتمعات الفارسية.

وقد حاول نادر شاه إعادة فرض المذهب السني في إيران في القرن الثامن عشر، ولكنه واجه مقاومة ضارية من قبل رجال الدين الشيعة الذين أثبتوا أنهم قوة مؤثرة ونافذة في المجتمع الإيراني الفارسي.

فقد كانوا ينظمون صفوفهم وينظمون المجتمع أيضا، وكانوا يؤدون دورا مهما على المسرح السياسي، وأنشؤوا تحولا عميقا في بنية المجتمع والسلطة والطبقات واتجاهاتها.

وأنشأت الهيئة الدينية نظاما تراتبيا من طبقات (حجة الإسلام، وآية الله، وآية الله العظمى) لتنظيم المرجعية الدينية ودورها السياسي والاجتماعي.

وكانت الهيئة الدينية تحصل على إيرادات كبيرة من الأتباع وتدير تلك الموارد بعيدا عن سلطة الدولة، واستخدمت هذه الأموال في بناء شبكات مؤسسية واجتماعية مستقلة عن الدولة وقادرة على التأثير والمواجهة.

وعندما استولت أسرة آل بهلوي على الحكم في إيران أدخلت البلاد في مرحلة من العصرنة العلمانية استجابة للتحولات والتأثيرات الغربية التي اجتاحت العالم، وهي تحولات لم يقبلها رجال الدين بسهولة، خاصة في المسائل الاجتماعية.

ولكن التحدي الشيوعي أجبر الشاه على مصالحة الهيئة الدينية أو مهادنتها على الأقل، وساعد النفط في بروز طبقة مهنية وبرجوازية مستقلة عن السلطة الدينية، وتواجه البرجوازية التقليدية التي كانت تربطها علاقات بنيوية مع رجال الدين.

ولكن عمليات التحديث السياسي والتعليمي أنشأت جماعات شيعية جديدة تستند إلى الدين وتقدم خطابا سياسيا معارضا للسلطة، مثل علي شريعتي الذي درس علم الاجتماع في فرنسا، ولكنه كان يقود تيارا إسلاميا واسعا في إيران.

وتحولت الشيعة الإيرانية إلى سلطة حاكمة عام 1979 بعد ثورة شعبية أطاحت بالشاه، وتحول رجال الدين للمرة الأولى إلى قادة للدولة، هذا الانتصار للثورة الشيعية بقيادة آية الله الخميني يعتبره المؤلف الحدث الأكثر أهمية في النصف الثاني من القرن العشرين، وهو أيضا الحدث الأكثر أهمية في تاريخ الشيعة.

"
إيران تجد نفسها في مواجهة وتنافس مع العراق والسعودية وباكستان، وهي دول سنية مما يجعلها تستحضر الأيديولوجية الشيعية لمواجهتها، وتعزز تأثيرها ونفوذها على الشيعة في هذه الدول، ولكن المحرك الحقيقي لهذا التنافس كان الجغرافيا السياسية لا العقيدة الشيعية
"
وبدأت إيران تخوض عملية سياسية معقدة تسعى للتوازن بين الدبلوماسية السياسية وبين محاولة إقامة جامعة شيعية عالمية، إذ قد واصل قادة إيران الجدد سياسات الشاه الإقليمية، وظلت إيران تعتبر نفسها دولة مهددة من قبل القوى العالمية ومنافسة للدول والقوى الإقليمية مثل تركيا.

وظلت إيران تجد نفسها في مواجهة وتنافس مع العراق والسعودية وباكستان، وهي دول سنية تحتاج إيران استحضار الأيديولوجية الشيعية لمواجهتها، وعززت في هذا السياق تأثيرها ونفوذها على الشيعة في هذه الدول، ولكن المحرك الحقيقي لسياستها وإستراتيجيتها كان الجغرافيا السياسية وليس العقيدة الشيعية.

ويدرج المؤلف في موضوع الشيعة الإيرانية شيعة الهزارة في أفغانستان والعلويين الأتراك والشيعة في شبه القارة الهندية والشيعة في آسيا الوسطى والشيعة في أذربيجان التي يشكل فيها الشيعة 75% من السكان.

وقد حاول الاتحاد السوفياتي في عهد ستالين أن يضم إلى أذربيجان التي استولت عليها روسيا عام 1828 المقاطعات الأذرية في شمال إيران بالإضافة إلى دعم الحركات السياسية الكردية المعارضة لإيران.

ينتمي الأذريون إثنيا إلى القومية والثقافة التركية ولكن التشيع يفصلهم عن الأتراك، ورغم الاتحاد المذهبي بين إيران وأذربيجان فإن الجغرافيا السياسية تحرك التنافس والصراع بين البلدين، فقد وقفت إيران إلى جانب أرمينيا في صراعها مع أذربيجان على إقليم كرباغ.

ويمثل الهزارة في أفغانستان قومية مستقلة تتحدث الفارسية وتنتمي إلى المذهب الشيعي في بلد تنتمي أغلبيته إلى المذهب السني، وبعد عام 1992 تحالف الهزارة مع الطاجيك والأوزبك في أفغانستان لمواجهة الهيمنة البشتونية.

وقد استطاع هذا التحالف السيطرة على أفغانستان بمساعدة الولايات المتحدة الأميركية بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، وقد جعل ذلك من الهزارة الشيعة جزءا رئيسيا من اللعبة الإقليمية والدولية، وساعدتهم العلاقة مع إيران على تقوية نفوذهم وتحسين أوضاعهم في أفغانستان.

ويقول المؤلف إن الشيعة يمثلون ربع السكان في تركيا، ولكنهم شيعة علويون يتميزون بالانغلاق، وقد تعرضوا للتهميش والاضطهاد في مراحل تاريخية سابقة، ولكن المرحلة العلمانية الأتاتوركية ساعدت على دمجهم ومشاركتهم في العمليات السياسية والتحديثية التي جرت في تركيا.

وأدى المذهب العلوي المختلف عن الاثناعشرية السائدة في إيران إلى فجوة كبيرة بين الشيعة الأتراك وإيران، هذا بالإضافة إلى العامل الجغرافي السياسي والإثني، مما جعل الشيعة في تركيا مسألة تركية لا تشكل امتدادا سياسيا وأيديولوجياً لإيران كما هي الحال في أفغانستان والعراق على سبيل المثال.

وتنتشر في شبه القارة الهندية مجموعات من الشيعة الاثناعشرية بالإضافة إلى مجموعات تنتمي إلى الإسماعيلية والبهرة الذين يشاركون الإسماعيليين في المذهب، ولكنهم لا يدينون بالولاء للأغا خان قائد الطائفة الإسماعيلية، وهم يشكلون أقلية بالنسبة للسنة ولكنهم يمثلون تحديا للسياسة والديمقراطية والحكم في الهند وباكستان.

وفي آسيا الوسطى تنتشر مجموعات من الشيعة، مثل الإسماعيليين في إقليم واخان وبامير التابع لأفغانستان، بعد أن كان تاريخيا تابعا للصين، وهم يدينون بالولاء للأغا خان.

وهناك أقلية شيعية في جورجيا تتكون من مجموعات اعتنقت الإسلام وانتسبت إلى المذهب الشيعي في القرن الثامن عشر، وقد تعرضوا للتهجير في عهد ستالين، ثم لمجازر بعد استقلال جورجيا عن الاتحاد السوفياتي، ويتعرض الشيعة الذين هاجروا إلى أوزبكستان للاضطهاد والتهميش على أيدي الأوزبك.

"
الشيعة ينتشرون على امتداد الخليج العربي، مما يشكل مع النفط الموجود بكثافة في هذه المنطقة بالإضافة إلى التواصل الجغرافي والمذهبي والإثني مع بعض الشيعة، تحديا سياسيا واجتماعيا كبيرا يتداخل مع العلاقات الدولية والإقليمية
"
الشيعة العربية
ينتشر الشيعة في العراق وسوريا ولبنان واليمن والخليج العربي، وهم في العراق والخليج ولبنان ينتمون إلى المذهب الاثناعشري السائد في إيران، وفي اليمن ينتمي معظمهم إلى الزيدية، وفي سوريا إلى العلوية، ويوجد دروز في سوريا ولبنان، وهناك إسماعيليون في اليمن والسعودية.

يقول المؤلف إن الشيعة يشكلون أغلبية السكان في العراق، ولكنهم تعرضوا للتهميش والاضطهاد في عهد الدولة العثمانية وفي الدولة العراقية الحديثة، وقد انتشرت بينهم الحركات اليسارية المعارضة، ثم الحركات الإسلامية الحديثة مثل حزب الدعوة.

وقد حاول النظام السياسي البعثي في السبعينيات استيعاب الشيعة بمحاولة دمجهم في الحياة السياسية والاقتصادية وتحديث مناطقهم، ولكن انتصار الثورة الإسلامية في إيران ثم اندلاع الحرب الإيرانية العراقية أدى إلى صراع داخلي دموي في العراق بين الشيعة والنظام السياسي.

وينتشر الشيعة على امتداد الخليج العربي، في الكويت والسعودية والبحرين وقطر وعمان، وبالطبع فإن النفط الموجود بكثافة في هذه المنطقة بالإضافة إلى التواصل الجغرافي والمذهبي والإثني بالنسبة لبعض الشيعة يجعل من المسألة الشيعية في هذه المنطقة تحديا سياسيا واجتماعيا كبيرا يتداخل مع العلاقات الدولية والإقليمية.

ويزيد انتشار السلفية الوهابية وتمكنها في السعودية والخليج من الصراع الشيعي/السني حسب رأي المؤلف، ويمثل الشيعة في البحرين تحديا كبيرا بسبب المساعي الإيرانية في عهد الشاه لضم البحرين إليها، ولم تتوقف المخاوف البحرينية بعد الثورة الإيرانية.

في اليمن يمثل الشيعة حالة خاصة فهم ينتمون إلى المذهب الزيدي غير المعادي للسنة، وقد حكم الأئمة الزيديون اليمن أكثر من خمسمائة سنة وإن تخللها كثير من الثورات والصراعات مع الدولة العثمانية.

وتعتبر الإمامة الزيدية الدولة الشيعية الأطول عمرا في التاريخ الإسلامي، ولكن الشيعة الزيدية حرمت من نفوذها منذ قيام الجمهورية الحديثة بسبب عزلة الزيديين الجغرافية والمذهبية.

ويشكل العلويون حسب التقديرات التي أوردها المؤلف 13% من السكان في سوريا، ويمثل كل من الدروز والإسماعيليون 1% من السكان، وهي طوائف شيعية مختلفة عن الاثناعشرية.

وبرغم أنهم يمثلون انشقاقا شيعيا فإن إقامتهم في مناطق ذات سيادة وأغلبية سنية جعلتهم يعيشون في عزلة ساهمت كثيرا في بلورة مذاهب مختلفة كثيرا عن الشيعة وعن السنة.

ولكن مع مجيء الاستعمار وقيام الدولة الحديثة بدأت الطوائف الشيعية تندمج في الحياة السياسية بل وتقودها في سوريا.

ويبلغ عدد الدروز نحو مليون شخص يقيم معظمهم في سوريا ولبنان، وكان أمراء الدروز في لبنان يحكمون الدروز والشيعة والموارنة، ولكن الموازين السياسية تغيرت في القرن العشرين لصالح الموارنة.

وبانتصار الثورة الإسلامية في إيران صعد الشيعة في إيران، وتشكلت حركتا أمل وحزب الله بدعم وتمويل إيراني كبير لتجعلا من الشيعة في لبنان رقما صعبا في العملية السياسية اللبنانية والإقليمية أيضا.

هل سيقع انفجار شيعي؟ هل ستشهد الشيعة تطورا فكريا مع موجة العصرنة والتحديث، يتساءل المؤلف، مستخلصا ومعقبا على الخريطة الشيعية الجديدة التي تشكلت سياسيا واجتماعيا مع نهاية القرن العشرين.

وكان الصعود الشيعي في العراق بعد عام 2003 مناسبة لطرح السؤال على نحو أكثر إلحاحا وأهمية، وبالطبع فثمة شواهد كثيرة تشجع على احتمال تطورات سياسية وفكرية على الصعيد الشيعي.

المصدر : الجزيرة