الجزيرة نت-خاص
حتى في الموت رسائل!.. هكذا يرى البعض في قرار الترجل عن الحياة، سبيلاً للخلاص والانعتاق. وبينما يبدو هذا العنف الموجه نحو النفس قرارا ذاتيا للتخلص من بؤس البقاء على قيد الحياة، فإنه يكون في كثير من الأحيان رسالة إنذار أو غضب حيال المحيطين بالشخص المنتحر.

- الكتاب: شهقة اليائسين.. تاريخ الانتحار في العالم العربي
- المؤلف: د. ياسر ثابت
- الناشر: دار التنوير، القاهرة/ بيروت
- الطبعة: الأولى 2012

من هنا تأتي أهمية كتاب "شهقة اليائسين" لمؤلفة الدكتور ياسر ثابت الذي يتناول ظاهرة موجعة هي الانتحار في العالم العربي، ويكشف بالحقائق والأرقام مدى تفشي هذا الفعل الذي يعكس أزمة مجتمعاتنا في أوضح صورها.

يحلل المؤلف أولا الأسباب النفسية والاجتماعية والسياسية التي تقف وراء انتشار الانتحار في العالم العربي، وينتقل منها إلى تحليل أبرز أسماء المنتحرين في ثقافتنا وغيرها من الثقافات، والذين تنوعوا بين علماء ومفكرين وفنانين لم يجدوا بيننا متسعا لهم فقرروا الانسحاب إلى العالم الآخر، طارحين وراءهم عالمنا بما فيه من قسوة وتسلط.

كما يسرد تفاصيل ثرية عن قرارات الانتحار لدى عدد من المبدعين في العالم، ويقول إن بعض المنتحرين من المشاهير، من الكاتب الياباني يوكيو ميشيما (1970) إلى المغنية الإيطالية داليدا (1987)، ومن الروائي الأميركي إرنست همنغواي (1961) إلى الشاعرة الأميركية آن سيكستون (1974)، ومن الشاعر الروسي فلاديمير ماياكوفسكي (1930) إلى المؤلفة والقاصة الإنجليزية فرجينيا وولف (1941) ، وجدوا أنها رسالتهم الأخيرة وردهم على حياة لم تعد محتملة.. لكنها الحياة، والبقاء فيها رغم كل شيء، فعل إرادة وليس ترفا يمكن الاستغناء عنه في لحظة يأس.

ولعل ما يزيد صعوبة الأمر، أن تلك الظاهرة تمتد على امتداد خارطة العالم.. إنها ظاهرة ليست بعيدة عن العولمة، فوفقا لمنظمة الصحة العالمية ثمة خلال العقد الأخير نحو مليون حالة انتحار مسجلة سنويا في العالم، أي أكثر من عدد ضحايا جرائم قتل النفس وضحايا الحروب مجتمعين. بل إن ما بين عشرة إلى عشرين ضعفا للرقم السابق حاولوا الانتحار.

لقد شهدت معدلات الانتحار زيادة قدرها 60% خلال السنوات الـ45 الأخيرة، علما بأن نحو 40% من حالات الانتحار في العالم تحصل في الصين والهند واليابان نظرًا لتعدادها السكاني الكبير.

أسباب الانتحار
يرى المؤلف أنه في ظل أزماتٍ اقتصادية خانقة، وتضييق سياسي على المشاركة في الممارسة الديمقراطية، وغياب ملامح العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص في العالم العربي، يلوح الانتحار في الأفق بالنسبة إلى من يشعرون بالقلق والجزع، وينشدون الخلاص أو يريدون التعبير عن رفضهم لواقعهم الأليم.

معظم الدراسات تدل على وجود علاقة ترابط تام بين أغلب حالات المنتحرين في العالم العربي، وبين بعض المتغيرات التي تنحصر في الفقر والبطالة والفشل العاطفي، يليه الدراسي ثم الوظيفي

وفي مدنٍ عربية دخلتْ نفق التخلي، وقرى وبلدات ذاقت طعم التجاهل والنسيان، نجد أجيالاً بأكملها نُحرت قبل أن تنتحر، وشعوبا أُهملت قبل أن تنحدر إلى قاعها الدامي، وأفقرت إلى حد الاغتيال.

ويقدم المؤلف صورة عميقة وتاريخية لحالات ومعدلات الانتحار في الدول العربية، ويتتبعها دولة بدولة، مع استعراض نماذج لحالات الانتحار التي هزت تلك المجتمعات العربية في الماضي والحاضر. 

ومما يرد في الكتاب نطالع أن معظم الدراسات تدل على وجود علاقة ترابط تام بين أغلب حالات المنتحرين في العالم العربي وبين بعض المتغيرات التي تنحصر في الفقر والبطالة والفشل العاطفي، يليه الدراسي ثم الوظيفي، بينما لم تغفل هذه الدراسات المتغيرات الخطيرة التي طرأت على المنطقة من كثرة الحروب ومناطق الصراع المشتعل في كثير من البلدان. وظهرت نسبة من الحالات أقدمت على الانتحار بسبب المرض العقلي أو الجسدي.

وتشير الأرقام إلى أن أكثر من 69% من أعداد المنتحرين في العالم العربي عانوا ضغوطا اقتصادية قاسية من فقر وبطالة. ولعل أخطر دلالات الإحصاءات التي تهتم برصد ظاهرة الانتحار في المجتمعات العربية، أنها تشير إلى أن أكثر من 78% ممن يقدمون على الانتحار تنحصر أعمارهم بين 17 و40 عاما، وأن أغلب دوافع التخلص من الحياة يدخل فيها التدهور الاجتماعي الاقتصادي والفشل في إيجاد فرصة عمل، وهو ما يعني توجيه ضربة قاضية لعصب هذه المجتمعات ومن يقع على عاتقهم عبء النهضة والتقدم.

وتشير الأرقام إلى أن ما بين 11 و14 ألف شاب وفتاة ينتمون إلى بلدان عربية، يحاولون الانتحار كل عام. وتتركز أعلى المعدلات في الدول التي تعاني مشكلتي الفقر والبطالة اللتين تهددان سلامة واستقرار هذه المجتمعات. كما تزيد معدلات الانتحار في المجتمعات التي تعاني حروبا أهلية أو ترزح تحت احتلال أو اقتتال طائفي، فيندفع الشاب أو الفتاة للتخلص من حياته إذا ما فشل في تحقيق سعادته.

الانتحار في مصر
ويغوص المؤلف في تاريخ مصر المعاصر، ويرصد حالات انتحار في عصر محمد علي باشا نتيجة سلسلة التحولات الاقتصادية والاجتماعية خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر. وكان لنقص مياه الفيضان أعوام 1824 و1825 و1833 أثرٌ في خراب بعض القرى بسبب الجدب الذي أصابها، الأمر الذي أدى إلى تكرار حالات انتحار المزارعين.

وفي فترة الكساد العالمي التي كانت لها تداعياتها على مصر، انتشرت حوادث الانتحار، فمثلاً رب البيت الذي لا يجد ما يكفيه وعائلته ولم يستطع فعل شيء، كان يستسلم وينتحر. ولهذا ارتفعت نسبة حوادث الانتحار، وعلى الأخص بين الطبقة الفقيرة الأكثر تعرضا من غيرها لآثار الأزمة، فقد شنق شخص يدعى الشيخ أحمد حسن من كفر علي آغا بطنطا، نفسه بحبل لضيق ذات يده.

ومن أرقام حوادث الانتحار نتبين أن حدة الأزمة كانت في عامي 1931 و1932، إذ وصلت حوادث الانتحار في تلك الفترة إلى أعلى نسبة بالمقارنة مع إجمالي حوادث الانتحار بين عامي 1929 و1933.

في عام 1929 وحده، سجلت في المدن المصرية الكبرى 105 حوادث انتحار، ذهبت أكثرها بأرواح شبان بين العشرين والأربعين من العمر. من ناحية النوع، كان ضحايا تلك الحوادث 76 رجلاً و29 امرأة.. والفرق في الأرقام واضح!

الأرقام تقول إن حالات الانتحار في مصر زادت بنسبة 12% عام 2011 عن العام الذي سبقه، وإن نحو 18 ألف حالة انتحار وصلت إلى مركز السموم خلال عام 2011، أغلبهم من الرجال. وتشهد مصر سنويا نحو ثلاثة آلاف حالة انتحار لمن هم أقل من 40 عاما، في حين تقول تقارير أخرى إن خمسة من بين كل ألف شخص، يحاولون الانتحار بهدف التخلص من مشكلاتهم.

تشهد مصر سنويا نحو ثلاثة آلاف حالة انتحار لمن هم أقل من 40 عاما، بينما تقول تقارير أخرى إن خمسة من بين كل ألف شخص يحاولون الانتحار

في عام 2009 وحده شهد محاولات للانتحار في مصر بلغت 104 آلاف حالة، تمكن خمسة آلاف منهم من التخلص من حياتهم. وتقول الإحصائيات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، إن جريمة الانتحار في مصر أصبحت ظاهرة خطيرة تتصاعد يوما بعد يوم.

ثم ينتقل المؤلف إلى نموذج لافتٍ هو التونسي محمد البوعزيزي، ذلك المنتحر الذي ألهم الملايين بسحر الحياة الحقيقية فخرجوا ضد الطغيان حتى أزاحوا رؤوسه جزاءً وفاقا. 

وينهي كتابه بفصل عن "أسبوع الانتحار" في مصر والذي تلا الثورة التونسية وسبق الثورة المصرية، وكيف وظّف النظام المصري السابق كل طاقاته لمواجهة من هدّدوا وجوده بإزهاق أرواحهم، وكيف أن ذلك النظام الذي كان قد تحلّل بفعل أخطائه وحماقاته، لم يزد الطين إلا بلة أودت به.

ويمضي متتبعا حالات الانتحار المستمرة بعد يناير/كانون الثاني 2011 والتي تمثل أكبر دليل على أن هذه الثورة ما زالت مستمرة، وأن أسباب اليأس لم تنضب بعد.

ويصف الدكتور ياسر ثابت كتابه بأنه باقة ورد يضعها مؤلفه وناشره على قبر كل من ضحّى بعمره، من أجل أن نحيا وأجيالنا القادمة حياة "الكرامة الإنسانية".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك