عرض/ حسين عبد العزيز
يعرف التصدع الاجتماعي بأنه عملية تشكل لخطوط انقسام اجتماعية ذات أساس بنيوي عميق، بين مختلف المجموعات الاجتماعية، وتعبر عن نفسها على مستويات الهوية والتنظيم الاجتماعي والسياسي.

يتخذ الكتاب إسرائيل حالة للدراسة، حيث يكشف عن بنية تراتبية في نظام التصدع الاجتماعي، إذ يحتل التصدع بين العرب واليهود موقع الصدارة، يليه التصدع الديني بين المتدينين والعلمانيين، ثم التصدع الإثني الناشئ عن الطبيعة الاستيطانية والمهاجرية لإسرائيل، وأخيرا التصدع الطبقي, وهذه التصدعات هي محاور الكتاب الرئيسية.

مفهوم التصدع الاجتماعي
يبدأ مؤلف الكتاب بالتأكيد على نقطة ضرورية، وهي أن التصدع الاجتماعي لا يعني بالضرورة تفكك وتحلل النظام الاجتماعي، أو حالة من التقسيم والشرذمة تؤدي إلى تقويض النظام السياسي، رغم أن ذلك قد يكون احتمالا قائما في بعض الحالات.

-الكتاب: التصدعات الاجتماعية وتأثيرها في النظام الحزبي الإسرائيلي
-المؤلف: د. عبد القادر عبد العالي
-عدد الصفحات: 415
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
-الطبعة: الأولى/ 2010

إن التصدع يشير إلى الدور الذي تؤديه الانقسامات الاجتماعية في تحديد التوجهات السياسية لدى الأفراد ولدى الأحزاب السياسية في المحصلة، وهو نمط الانقسام الاجتماعي الذي يحدد الخطوط الأساسية للصراع في المجتمع، ويولد قيما ثقافية لدى المجموعات الاجتماعية على أساس الوعي الذاتي بهوية جماعية خاصة، تعمل على تعبئة الوعي بها على أساس مجموعة من الفواعل التنظيمية والمؤسسية، مثل الحركات الاجتماعية والأحزاب السياسية التي تعمل على التمثيل والتعبير عن المطالب الاجتماعية المتعلقة بهوية مجموعات معينة.

ويؤكد المؤلف أنه كلما كانت البنية الاجتماعية لبلد ما أكثر تنوعا وانقساما من الناحية اللغوية والعرقية وحتى الطبقية وغيرها من محاور الانقسام، وجد نظام حزبي يعكس هذه الطائفية.

ويشير المؤلف في هذا الصدد إلى نقطة مهمة، وهي العلاقة بين التصدع الاجتماعي والتصدع السياسي، ويتساءل هل يعبر المصطلحان عن مفهوم واحد، أو عن مفهومين متمايزين في انتقال التصدع الاجتماعي من الفضاء الاجتماعي إلى الحلبة السياسية؟ وبحسب مجموعة من علماء الاجتماع يشمل التصدع الأبعاد الاجتماعية والسياسية على السواء، فالصفتان الاجتماعية والسياسية بحسب هؤلاء هما جزآن من عملية تطور التصدع من الكمون الاجتماعي إلى الظهور السياسي، في حين يرى اتجاه آخر أن هناك فرقا بين التصدع السياسي الناشئ عن الاستقطاب في النظام الحزبي، والتصدع الاجتماعي الناشئ عن الانقسام والصراع بين المجموعات في المجتمع، وأن التصدع الاجتماعي قد لا يرتبط بالتصدع السياسي وليس مولدا ومنتجا له.

التصدعات الاجتماعية في إسرائيل
توجد في إسرائيل شروط وسياقات اجتماعية تسمح للانقسامات الاجتماعية بالتطور إلى مستوى التصدع الاجتماعي، منها:

- أن إسرائيل مجتمع تشكل عبر الهجرات اليهودية التي أسست لمجتمع استيطاني (يشوف)، ظل مغلقا في وجه السكان الأصليين الفلسطينيين.

ويرى المؤلف أن المجتمع المشكل من الهجرة يتسم بالحراك الاجتماعي وتنامي الصراع بين مجموعات الهجرة المختلفة، والصراع بين المهاجرين والسكان المحليين.

- أنه مجتمع استيطاني تطور عبر عملية استعمارية شملت سياسة منهجية لاقتلاع وتهجير قطاع كبير من الفلسطينيين من أراضيهم، وقد أدت السياسة الاستيطانية إلى تشكل معالم الإثنوقراطية الحالية والتمييز المؤسسي القائم بين المهاجرين والمستوطنين اليهود من جهة، والسكان العرب المحليين من جهة أخرى، كما كرست هذه السياسة الفوارق بين اليهود الشرقيين الذين أسكنوا في مدن التطوير، واليهود الغربيين الذين اختاروا الأماكن الأكثر تطورا.

ـ أنه مجتمع منقسم، فهو من المجتمعات التي تتشكل من ثقافات فرعية وانقسامات دينية طائفية وإثنية، فالانقسام الأساسي هو الانقسام القائم بين العرب واليهود، وهذا هو التصدع الأول، وهو تصدع بين مجتمعين وقوميتين على الأرض نفسها، وعلى الموروث التاريخي الثقافي الرمزي نفسه، ومن عناصر مأسسة هذا التصدع الاجتماعي حضور ذاكرة صراعية/تاريخية تؤسس لخليقة "إيتوس" صراعية مستمرة عبر الأجيال في مجتمع أهلي تعرض للتصفية، وهو المجتمع العربي وما تبقى منه، حتى أصبح أفراده يمثلون أقلية في بلدهم الأصلي.

"
التصدع الاجتماعي يعاد إنتاج صراعاته ليتحول إلى تصدع دائم نظرا للاختلافات العميقة في السمات الأيديولوجية والثقافية واللغوية والدينية والمكانية، من خلال التمركز الجغرافي والسكني المنفصل بين المجتمعين العربي واليهودي
"
ويؤكد المؤلف أن هذا التصدع يعاد إنتاج صراعاته ليتحول إلى تصدع دائم نظرا للاختلافات العميقة في السمات الأيديولوجية والثقافية واللغوية والدينية والمكانية، من خلال التمركز الجغرافي والسكني المنفصل بين المجتمعين العربي واليهودي.

التصدع الثاني، هو الإثني بين المجموعات اليهودية، وكان مقتصرا على الإثنيتين الأشكنازية والسفاردية، لكن مع هجرة اليهود الروس واليهود الإثيوبيين إلى إسرائيلي بداية التسعينيات أصبح الحديث يدور عن أربع مجموعات إثنية (الأشكنازية، والسفاردية، والروسية، والإثيوبية).

وبالنسبة إلى الإثنيتين الأشكنازية والسفاردية، هناك اختلاف مذهبي بينهما ثم لغوي وثقافي، فالأشكناز من الناحية التاريخية اشتهروا باستعمال لغة اليديش، بينما استعمل السفارديم لغة اللادينو التي أوشكت على الانقراض، ومن الناحية الدينية، هناك اختلاف مذهبي تمثل في صيغ الصلاة والأدعية الدينية، وبعض التشريعات المتعلقة بالأحوال الشخصية، وتقاليد اللباس والأكل، وفي اعتماد تفاسير تلمودية مختلفة.

وفيما يتعلق بالإثنية الروسية، فعلى الرغم من أن اليهود الروس المهاجرين جاؤوا من خلفيات أشكنازية وسفاردية، فإن السلطات الإسرائيلية لم تعترف بيهوديتهم، وكرد فعل على ذلك لجأ قسم كبير منهم إلى تشكيل هويات خاصة، وأظهر الكثير منهم عدم الاهتمام بالغة العبرية، وأصدروا صحفا ومجلات ومسارح خاصة بهم ناطقة بالروسية، وإضافة إلى ذلك حدث توتر بين اليهود الروس والسفارديم على سوق العمل، حيث واجه كثير من اليهود الروس البطالة والعمل في وظائف لا تتماشى مع مؤهلاتهم العلمية.

أما يهود الإثنية الإثيوبية، فهم بخلاف الروس أتوا من بلد فقير، ويهود الفلاشا من الناحيتين المذهبية والثقافية لا ينتمون إلى أي من المجموعات السفاردية ولا الأشكنازية، حيث تقتصر تقاليدهم الدينية على التوراة أو الأسفار الخمسة، ولا يحتوي تراثهم الديني على التلمود، مما يعكس عزلتهم عن بقية التجمعات اليهودية.

ونظرا إلى الخصائص العرقية لهم المتمثلة في البشرة السوداء، فقد واجهوا التفرقة العنصرية، سواء من المهاجرين الجدد أو من بقية المجتمع الإسرائيلي، وقد لقوا نفس مصير اليهود الروس في عدم الاعتراف بيهوديتهم.

أما التصدع الثالث، فهو التصدع الديني في الوسط اليهودي، وهو بين المتدينين والعلمانيين، ويقسم كثير من الدارسين مستويات التدين في إسرائيل إلى ثلاث فئات:

- المتدينون الذين يلتزمون بالتعاليم الدينية للشريعة بصفة منتظمة في كل جوانب حياتهم، مثل مراعاة أحكام السبت وقواعد الأكل والالتزام بالصلاة.

- التقليديون (الماسورتيم) وهم يلتزمون بالتعاليم الدينية جزئيا، وهي تلك التعاليم التي لها جانب اجتماعي، كالأعياد الدينية وتقاليد الزواج... إلخ.

- غير الملتزمين بالدين، وهم مجموعتان: الأولى تضم فئتين، هما المتدينون الصهيونيون وهم أكثر انفتاحا وتقبلا للمجتمع اليهودي، والمتدينون الحراديم، وهم أكثر انعزالا عن بقية المجتمع، والمجموعة الثانية، هي بقية المجتمع اليهودي وهم العلمانيون.

لكن التصدع الحقيقي هو بين الفئة الأولى (المتدينون) والفئة الثالثة (العلمانيون)، وهذا التصدع ينبع من طبيعة الدين اليهودي ومن مكانته في إطار الدولة، التي وظفت العقيدة الدينية في جانبها المسيحاني في دعم حجج الأيديولوجيا الصهيونية.

كما أن هناك قضايا كثيرة تختلف عليها الفئتان، وتشكل توترا بينهم، مثل قضية العلاقة بين الدين والدولة، ومن هو اليهودي، ومسألة الإعفاءات والامتيازات.

"
التصدع الديني الحقيقي هو بين المتدينين والعلمانيين، ويقسم كثير من الدارسين مستويات التدين في إسرائيل إلى ثلاث فئات, أما التصدع الطبقي فله صلة بالمؤسسات التي بنيت في عهد الاستيطان
"
التصدع الرابع، هو التصدع الطبقي، الذي يعمل على تقوية التصدعات الاجتماعية السابقة، فالانقسام الطبقي له صلة بالمؤسسات التي بنيت في عهد الاستيطان (اليشوف)، والتي أسست لبنية غير متكافئة الفرص أمام المهاجرين والسكان المحليين، فالتراتبية الطبقية لا تتبع منطق الاستحقاق والإنجاز الفردي، لأن مجال الحراك الاجتماعي له حدود وقيود أمام العرب، وأمام قطاع كبير من اليهود الشرقيين.

ويرى المؤلف أن هذه البنية غير المتكافئة للفرص ساهمت فيها عوامل عدة، منها:

ـ التزايد الملحوظ في الفجوة الطبقية على أساس تزايد الفجوة بين الأجور، وعلى أساس إعادة إنتاج تقسيم العمل.

ـ ارتباط الفوارق الطبقية وبنية الفرص بالمجال المكاني، الذي يتوزع على المدن الكبرى، ومدن التطوير، والمدن العربية.

ـ ارتباط التصدع الطبقي بالتصدعات الاجتماعية الأخرى، ولاسيما التصدع الإثني والقومي، إذ إن هناك تقسيما طبقيا ثلاثي الفئات بين ثلاث مجموعات، هي على الترتيب: الأشكناز والسفارديم والعرب.

العائلات الحزبية والتغير في النظام الحزبي
يعود تشكل العائلات الحزبية إلى الانقسام التاريخي/الأيديولوجي الذي ارتبط بكيفية تنفيذ المشروع الصهيوني، بين الصهيونية العمالية والصهيونية التنقيحية التي تحالفت مع الصهيونية العمومية بعد تأسيس الدولة، من خلال اتحاد حركة حيروت مع الحزب الليبرالي، الذي تحول عام 1973 إلى الليكود.

وهناك عائلة الأحزاب الدينية التي بدورها هي نتاج الصراع بين المتدينين الذين عارضوا الصهيونية (أغودات إسرائيل) والمتدينين الذين أيدوا الصهيونية (حزب مزراحي) و(حزب عمال المزراحي) اللذين اتحدا في الحزب الديني القومي (المفدال)، وهناك عائلة الأحزاب التي تمثل القطاع العربي.

لكن نظام التصدع الاجتماعي في إسرائيل أدى إلى إعادة تشكيل العائلات السياسية، من خلال بروز عائلات حزبية فرعية جديدة تمثل هويات فرعية مختلفة للمجموعات الإثنية في المجتمع الإسرائيلي، حيث يوجد على مستوى البعد القومي بروز واضح لعائلتين: الأحزاب اليهودية التي تمثل اصطفافا قوميا دينيا وصهيونيا، في مقابل الأحزاب العربية التي تتجه نحو "الفلسطنة" على حساب "الأسرلة".

وفي داخل العائلة الحزبية اليهودية أصبح هناك ميل إلى تشكل عائلات حزبية فرعية على أساس الثقافات والانتماءات الفرعية الإثنية والطائفية التي بدأت تظهر بوضوح منذ انتخابات 1996، وهي تمثل تصاعدا لليمين القومي المعارض لاندماج المواطنين العرب، وتصاعدا للأصولية اليهودية بعد خروجها من العزلة الدينية التي كان يفرضها زعماء "أغودات إسرائيل" والمجموعات الدينية الحسيدية على أتباعها، من خلال بروز حزبي "شاس" و"راية التوراة" من انشقاقهما عن حزب أغوادت.

ويبين المؤلف أنه بناء على التصدعات يوجد في إسرائيل سبع مجموعات اجتماعية (أشكناز علمانيون، ومتدينون أشكناز صهيونيون، ومتدينون أشكناز حراديم، وسفارديم متدينون تقليديون، ويهود روس، ويهود إثيوبيون، وعرب).

ويتابع المؤلف أنه يمكن إعطاء تقسيم حزبي مماثل لهذه المجموعات السبع، مما يؤكد حضور التصدعات الاجتماعية في تشكل العائلات الحزبية وفق التقسيم التالي:

- اليسار العلماني الأشكنازي، ذو القاعدة الاجتماعية الأشكنازية والتوجه العلماني (حزب العمل، وميريتس، وشينوي).

- اليمين القومي، ذو القاعدة الانتخابية المشكلة من اليهود الشرقيين (الليكود).

"
يعود تشكل العائلات الحزبية إلى الانقسام التاريخي/الأيديولوجي الذي ارتبط بكيفية تنفيذ المشروع الصهيوني، بين الصهيونية العمالية والصهيونية التنقيحية التي تحالفت مع الصهيونية العمومية بعد تأسيس الدولة
"
- اليمين المتطرف، ويمثل قاعدة اجتماعية ذات أغلبية أشكنازية، وهو مشكل اجتماعيا من أوساط المجموعات الاستيطانية والحركات الاستيطانية، مثل غوش أمونيم، وتشمل هذه العائلة الحركات اليمينية القومية المتشددة (حركة كاخ، وتحيا، موليديت سابقا، وحاليا الاتحاد الوطني، وإسرائيل بيتنا).

- الأحزاب الإثنية القومية: وهي أحزاب تتفاوت وتتداخل مع اليمين المتطرف، (المهاجرون الروس، وإسرائيل بالهجرة، وإسرائيل بيتنا، ومستقبل واحد).

- الأحزاب الدينية الإثنية: وهي التي نشأت مع قيام اليهود الشرقيين بتشكيل أحزاب وتنظيمات خاصة بهم (شاس، وراية التوراة).

- الأحزاب الدينية القومية: وأبرز ممثليها (الحزب الديني القومي الذي تغيرت تسميته إلى حزب البيت اليهودي عام 2008، وحركة غوش أمونيم، وتكوما، وحزب الأمل المنضوية ضمن تحالف الاتحاد الوطني، وحركة ميماد).

- أحزاب الأقلية القومية: وتمثل الأحزاب العربية (حزب التجمع الوطني الديمقراطي، والحركة العربية للتغيير، والقائمة العربية الموحدة، والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة "حداش").

ويؤكد المؤلف أن هذه التصدعات هي من العوامل الأساسية التي عملت على تغيير النظام الحزبي عبر مراحل:

ـ المرحلة الأولى، تمثلت في مرحلة الحزب المهيمن من عام 1948-1977، ففي البداية كان هناك تغير في الاصطفاف الانتخابي على أساس إثني، خصوصا في أوساط اليهود الشرقيين، بتحولهم من اليسار إلى اليمين.

ـ المرحلة الثانية، امتدت ما بين عام 1977 و2006، حيث يمكن إدراك تزايد أهمية الانقسامات الاجتماعية في الساحة السياسية الحزبية، وأثرها في المزيد من التجزئة في النظام الحزبي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك