عرض/إبراهيم غرايبة

يدرس الكتاب موضوع القبيلة في التاريخ الاجتماعي الأردني في فترة تأسيس الدولة الحديثة بين عامي 1921 و1926، وكيف نظرت القبائل إلى مشروع تأسيس السلطة المركزية في عمان، وكيف استقبلت المشروع، وكيف أثر الكيان السياسي الناشئ في نمط حياتها وتركيبها الاقتصادي والاجتماعي
ودورها السياسي، وكيف استطاع إدماجها في منظومته السياسية والقانونية، ويرصد تقهقر السلطة التقليدية للقبائل أمام السلطة المركزية التي استندت إلى نظم مدنية حديثة وجيش منظم ونظام ضرائبي جديد، كما سيطرت على وسائل الإنتاج ونظمتها وفق معايير جديدة، ووظفت جماهير الناس في مؤسساتها العسكرية والمدنية.

 

التكوينات القبلية مطلع القرن

- العنوان: القبيلة والدولة في شرق الأردن

- المؤلف: جهاد المحيسن
- عدد الصفحات: 258

- الناشر: البنك الأهلي الأردني، عمان

- الطبعة: الأولى، 2005

كان السكان في الأردن عشية قيام الدولة الحديثة أوائل القرن العشرين ينقسمون إلى فئتين أساسيتين، الأولى تشمل سكان القرى ويندرج ضمنها المهاجرون من شعوب القفقاس مثل: الشركس والشيشان, والثانية القبائل البدوية ومن أبرزها: الصخور، والعدوان، وعرب عباد، وعشائر البلقاوية، وبني حميدة، وبني حسن، والحويطات.

 

وكان اهتمام السلطة العثمانية بمنطقة شرق الأردن مستمدا من وقوعها على طريق الحج الشامي، حيث كانت تدفع مبالغ نقدية للقبائل البدوية المقيمة على مقربة من طريق الحج الشامي، وبسبب هجمات البدو المتكررة على قافلة الحجاج أجرت السلطة تعديلا يهدف إلى ترسيخ السلطة المركزية والحد من سلطة القبائل البدوية.

 

وقد انتهجت السلطة العثمانية في تعاملها مع القبائل البدوية سياستين؛ ترتكز الأولى على استخدام القوة، أما الثانية فهي استمالة القبائل البدوية إلى السلطة بدفع "الصرة" التي هي عبارة عن مبالغ نقدية أو عينية لضمان ولاء البدو، كما كانت تكسب ودهم بمنح الأوسمة والرتب والمناصب الإدارية.

 

وقد اتسمت العلاقات بين القبائل البدوية المختلفة أو بين بطون القبيلة الواحدة بالطابع غير الودي، وغالبا ما كان سبب النزاع هو التزاحم على المراعي أو مصادر المياه أو عداوات قديمة، والعشائر المستقرة لم تكن بمنأى عن الحالة الصراعية بين القبائل، وكان سكان القرى يدخلون في تحالفات مع القبائل البدوية لحمايتهم من اعتداءات القبائل الأخرى التي تشكل خطرا عليها.

 

"
انتهج العثمانيون في تعاملهم مع القبائل البدوية سياستين، ترتكز الأولى على استخدام القوة، أما الثانية فهي استمالتهم  إلى السلطة بدفع ما يعرف بـ"الصرة"
"
وأدى غياب السلطة المركزية عن منطقة شرق الأردن وتحرك القبائل البدوية نحو المناطق الزراعية إلى حدوث احتكاك بين البدو والفلاحين؛ فعانى أهل القرى من اعتداءات القبائل على مواشيهم وأراضيهم الزراعية، وتمكنوا من التوصل إلى صيغ للتفاهم مع القبائل البدوية من خلال دفع مبالغ من المال والحبوب سنويا، وهو ما سمى "الخوة" مقابل حماية مزروعاتهم ومواشيهم، حيث نشأت علاقات تجارية نشطة بين الفلاحين والقبائل البدوية.

 

وقد ساهمت سكة الحديد في الحد من حركة بعض القبائل وإجبارها على الاستقرار، مما أسهم في تخفيف حدة الصراع بين البدو الفلاحين الذين تطورت العلاقة بينهم وبين سكان شرق الأردن والسلطة المركزية، مما ساعد على نقل الإنتاج الزراعي والحيواني خصوصا في قضاء عجلون إلى مركز التسويق بسهولة، وهو ما جعل لعسكر السلطنة وموظفيها حضورا سهلا أدى إلى تغيير حقيقي في العلاقة بين السكان.

 

ولم يجر أي تغيير حقيقي على البنية الاجتماعية أو الاقتصادية للسكان شرق الأردن بعد قيام الدولة الأردنية المستقلة، بل بقي النظام الاجتماعي القبلي هو السائد، سواء في القرى أو عند القبائل البدوية نتيجة الهجرة والنزاعات المسلحة، وانعدام الشروط الملائمة للزراعة، مما أدى إلى تدهور اقتصادي حيث كانت كل الفئات الاجتماعية تعيش اقتصاد الكفاف، ولم تنتج المنطقة فائضا ماديا كافيا لدعم استقلالها السياسي، ولم تنشأ فئة اجتماعية مسيطرة على مستوى الوحدة الجغرافية التي تعمل فيها.

 

وعندما أقيمت مملكة سوريا في عهد الأمير فيصل قسمت إلى ثمانية ألوية، ثلاثة منها شرق الأردن هي الكرك والبلقاء وحوران، ولم تشكل التغييرات الإدارية سلطة سياسية مركزية؛ فبقيت القبائل البدوية تمارس سلوكها العدائي، كما بقيت الزعامات المحلية تمارس دورها في حل المشكلات، وامتنع الأهالي عن دفع الضرائب.

 

وبدأت الإدارة البريطانية التي احتلت فلسطين عام 1917 تهتم بترتيب شؤون المنطقة، فقد أشار المندوب السامي لبريطانيا في القدس صموئيل هربرت إلى أنه يمكن إدارة شرق الأردن من خلال تنظيم عشائري بإشراف اثنين من الضباط البريطانيين, فهي منطقة غنية زراعيا، وسيكون التأثير السياسي على اليهود مناسبا، وسيحول الاحتلال البريطاني لشرقي الأردن دون غارات العشائر الأردنية على الوجود اليهودي في فلسطين مثل العمليات التي قام بها سكان لواء عجلون مع حشود القرى الأخرى احتجاجا على المشاريع الصهيونية.
 

"
لم يجر أي تغيير حقيقي على البنية الاجتماعية أو الاقتصادية للسكان شرق الأردن بعد قيام الدولة المستقلة، بل بقي النظام الاجتماعي القبلي هو السائد
"

ودعا صموئيل شيوخ البلاد من عجلون إلى الطفيلة للاجتماع في السلط يوم 20/8/1920وطرح فيه تشكيل حكومات محلية شرق الأردن، واجتمع شيوخ عجلون مع الميجر سمرست في قرية أم قيس، وقامت إثر هذين الاجتماعين ثلاث حكومات هي حكومات عجلون والسلط ومؤاب الكرك، دون أن يكون بينها اتصال.


وعلى الرغم من ذلك جرت محاولات من قبل حكومة عجلون لتوحيد المناطق الثلاث، ثم تشكلت حكومة إربد برئاسة علي خلقي الشرايري، ولكنها انقسمت إلى عدة مشيخات بعد مرور 15 يوما، مما يعني أنه لم يجر أي تغيير سياسي وبقيت حالة اللادولة هي السائدة، وقانون العشيرة هو الذي يحكم العلاقات فيما بينها، وهذا ما دفع الاستعمار البريطاني إلى إجراء آخر لحماية مصالحه في المنطقة.


صراع القبيلة والدولة

وصل الأمير عبد الله بن الحسين إلى معان واستقبله شيوخها ومشايخ الحويطات، ومنهم عودة أبوتايه، ولم يكن موقف الأهالي موحدا، ولكن الأمير سعى لضمان الولاء والتأييد من الشيوخ والوطنيين ثم انتقل إلى عمان، وتوجه لتنظيم شؤون الإدارة باعتباره نائبا لوالده الشريف حسين.

 

ويوم 24/3/1921 انتهى عقد اجتماع القاهرة، وأنيط بالأمير عبد الله إدارة حكومة عربية شرق الأردن، وبعد مؤتمر القدس اتفق عبد الله وتشرشل على إقامة حكومة وطنية شرق الأردن مستقلة عن حكومة فلسطين, غايتها توطيد الأمن ويتعهد الأمير بالمحافظة على حدود فلسطين وسوريا، وتنشئ بريطانيا مطارين في عمان وزيزيا، ولم يحضر الاجتماعين أي شرق أردني.

 

وقد لعب وجود المطارين دورا في قمع الانتفاضات المحلية التي قامت عشية تأسيس الإمارة، وساهمت في ترويض القبائل وتوطينها ضمن الحدود التي رسمت للدولة الأردنية.

 

"
اتفق الأمير عبد الله وتشرشل على إقامة حكومة وطنية شرق الأردن مستقلة عن حكومة فلسطين غايتها توطيد الأمن
"

وقد نشبت بعد تأسيس أول حكومة في الأردن أربع انتفاضات: في الكورة بزعامة كليب الشريدة، وفي الكرك والطفيلة، وفي وادي موسى، وانتفاضة العدوان والتي تميزت بالتفاف عدد من المثقفين حولها، وتعتبر حدا فاصلا بين مرحلة التحالفات القبلية وعهد الدولة الحديثة التي تعتمد سلطتها المدعومة استعماريا على سلطة العشائر المعتمدة في وجودها على العلاقات التقليدية والأسلحة التي لا يمكنها مواجهة التقنية العسكرية الجديدة.


العشائر بين الممانعة والاندماج

اعتمد الأمير عبد الله على القوة العربية التي جاءت معه من الحجاز والقوة السيارة التي شكلها الضابط برنتون في توطيد حكمه، ثم شكل الجيش العربي الذي أصبح أداة السلطة وقوتها القانونية، ويتكون من قوة الحدود، والجيش العربي الأردني، ودائرة استخبارات العشائر وقوة البادية.

 

وتمكن الإنجليز من تشكيل جيش من البدو قائم على الانضباط والطاعة دون المساس بالمجتمع البدوي وتقاليده، وذلك بتأمين مورد مالي دائم للذين يخدمون في الجيش، فتحول البدو من طرف معاد للسلطة المركزية إلى دعامة أساسية من دعاماتها.

 

وعام 1929 تشكلت لجنة للإشراف على البدو، كما شكلت نيابة للعشائر في أول حكومة أردنية، ثم صدر قانون يقضي بتأليف محكمة استئناف عشائرية للنظر والبت في الدعاوى التي تعرض من محاكم العشائر.

 

وبدأت المعارضة لقانون الانتخاب فور صدوره بزعامة حزب الشعب، وهذا ما يعكس مدى الوعي السياسي الذي وصلت إليه الزعامات المحلية، وقد أرغمت السلطة المخاتير على الاشتراك في الانتخابات وحثت عشائرهم على التسجيل، وفرضت رقابة على حزب الشعب، وغيرت عمر الناخب من 19 الى 18 سنة بهدف الوصول إلى أعداد كافية لتشكيل مجلس تشريعي ليصدق على المعاهدة البريطانية رسميا.

 

"
تمكن الإنجليز من تشكيل جيش من البدو قائم على الانضباط والطاعة دون المساس بالمجتمع البدوي وتقاليده، وذلك بتأمين مورد مالي دائم للذين يخدمون فيه
"
 

كما باشر المجلس التشريعي الأول أعماله يوم 2/4/1929م إلا أنه حل لعدم مصادقته على موازنة قوة البادية، أما المجلس التشريعي الثاني فقد طالب بتعديل المعاهدة البريطانية وإشراك أبناء البلاد الأصليين في الإدارة، ومناقشة الوجود الصهيوني  شرق الأردن, في حين شكل المجلس الثالث بداية لحلقة طويلة من المجالس التي كانت تسير وفق رغبة السلطة وتبرر أعمالها بخلاف المجلسين السابقين، ومن أهم القضايا التي صادق عليها: قانون الدفاع الذي وضعت بنوده من قبل سلطات الانتداب البريطاني، مما أثار حفيظة المعارضة على الحكومة والمجلس.

 

وعارضت الحركة الوطنية شرق الأردن المشاريع الصهيونية، ومن ذلك معارضة أهالي الكرك وعجلون مشروع روتنبرغ، وقامت إثر ذلك مظاهرات في أربد، كما نظمت أخرى في كل أنحاء شرق الأردن وخصوصا السلط إثر توجه أنظار الحركة الصهيونية لاستئجار غور كبد، مما دعا الأمير عبد الله إلى نفي ذلك مرتين وتأكيد رفض الوجود الصهيوني شرق الأردن.

  

ولم يكن الموقف الشعبي بعيدا عن التطورات التي كانت تحصل في فلسطين، فعبر الأهالي عن ذلك بالمقاومة المسلحة مثل إغارة أبناء الكفارات والوسطية في قضاء عجلون على المستعمرات في سمخ وبيسان، وعلى خلفية أحداث البراق في القدس وهجوم اليهود على الحرم، قامت التظاهرات في مختلف أنحاء الأردن وكان أكبرها في عمان، وفتح باب التطوع مع الثوار الفلسطينيين، وشكل الأهالي في الشرق الرديف الأساسي للثورة الفلسطينية في إقامة التظاهرات والإضرابات، وكان شرق الأردن معبرا أساسيا للثوار والأسلحة باتجاه فلسطين.

 

كما كان ملجأ أساسيا للثوار السوريين الذين أخذوا منه مركزا لعملياتهم العسكرية ضد الفرنسيين، وبعد تأسيس الإمارة كانت أبرز الأعمال التي قام بها الثوار السوريون بدعم من الوطنيين الأردنيين محاولة اغتيال الجنرال غورو، وكذا التظاهرة الكبيرة في سبتمبر/أيلول 1921 إثر اعتقال إبراهيم هنانو.

 

الأحزاب السياسية

"
لم يكن الموقف الشعبي بعيدا عن التطورات التي كانت تحصل في فلسطين، فعبر الأهالي عن ذلك بالمقاومة المسلحة، كما فتح باب التطوع مع الثوار الفلسطينيين 
"
تعود جذور الحياة الحزبية شرقي الأردن إلى فترة تأسيس الإمارة، وكان أول حزب سياسي في الأردن هو حزب الاستقلال, ثم شكلت جمعية الشرق العربي في أربد 1923 للسعي وراء الوحدة العربية والعمل من أجل استقلال منطقة الشرق العربي استقلالا تاما، وحزب الشعب الأردني لتأييد الحكم الدستوري والحفاظ على استقلال البلاد ونشر مبادئ المساواة والإخاء.

 

وقد كانت هناك أحزاب أخرى مثل الحزب الحر المعتدل، وعصبة الشباب الأردني المثقف، وحزب العمال الأردني، وجمعية مساعدة العمال الأردنية، وحزب التضامن الأردني، والحزب الوطني الأردني، واللجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني، والإخاء الأردني.

 

ومن أهم سمات الأحزاب السياسية التي تشكلت شرقي الأردن في الفترة من 1927-1940 أنها تشكل انعكاسا للبنية الاجتماعية السائدة ذات الطابع العشائري وأنها لم تكن تعمر طويلا, حيث كان أطولها عمرا هو حزب اللجنة التنفيذية, وكان لتعددها وقصرها وعدم استنادها إلى حركة اجتماعية محددة المطالب وغياب البرامج اقتصادية وسياسية واضحة المعالم عنها، أنها بقيت تجمعات شخصية محددة وأصبحت عرضة للانهيار السريع، وظل الضامن الوحيد لاستمرارها يتوقف على شكل العلاقة بين أفرادها.

المصدر : الجزيرة