عرض/ هيثم أبوزيد

لمؤلف هذا الكتاب خبرة أكاديمية امتدت نحو ستة عقود، فإضافة لكونه واحدا من أبرز أساتذة الاقتصاد في جامعات فرنسا، فقد عمل أستاذا ثم مديرا لمعهد التخطيط والتنمية التابع للأمم المتحدة في دكار، وهو في الوقت ذاته رئيس مجلس إدارة مركز البحوث العربية والأفريقية في القاهرة، ورئيس المنتدى العالمي للبدائل، ورئيس منتدى العالم الثالث بدكار.

وفي هذا الكتاب، يرصد المؤلف حالة التدافع والمواجهة بين جيل الثورة المصرية الناهض، الذي يسعى لاستعادة مكانة مصر، وتكريس استقلالها على الصعيد الدولي، وترسيخ قوتها على المستوى الإقليمي، وبين جبهة الثورة المضادة، التي تسعى لفرض نمط رجعي لإدارة الدولة المصرية، من أجل ضمان استمرار عجز مصر عن مواجهة تحديات العصر على جميع المستويات، بما في ذلك قدرتها الدفاعية، وحماية ذاتها.
 
 
عناصر القوى الثورية
يرى المؤلف أن التكتلات التي أثرت في حركة الثورة المصرية تكونت من ثلاثة عناصر رئيسة، يذكرها المؤلف بترتيب التحاقها بالحراك الثوري الذي بدأ في 25 يناير/ كانون الثاني 2011، فيتحدث ابتداء عن (الجيل الجديد) المتمثل في شباب الشبكات الاجتماعية الإلكترونية، والذي يقدره المؤلف بما يقترب من مليون شاب، من المهتمين بالسياسة والمتفاعلين معها خارج الأطر الحزبية، وفي ظل نظام ألغى الحياة السياسية لعقود طويلة.
 
-الكتاب: ثورة مصر
-المؤلـف: د. سمير أمين
-عدد الصفحات: 230
-الناشر:  دار العين, الإسكندرية, مصر
-الطبعة الأولى: 2011 
وهم في الوقت ذاته شباب معاصرون، وحداثيون، ومطلعون على ما يحدث في العالم، ومدركون جيدا لأحوال الشعوب في البلدان الأخرى، كما أن أهدافهم تتجاوز حدود المطالب الديمقراطية إلى فكرة الاستقلال الوطني الكامل، ويرفضون أي شكل من أشكال التبعية للسياسة الأميركية، وخاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وسياسات إسرائيل التوسعية، أي أنهم معادون للاستعمار على أرضية وطنية.
ومن الناحية الاجتماعية، يرى المؤلف أن لدى هؤلاء الشباب ميولا يسارية، فبدون أن يكونوا بالضرورة معادين للرأسمالية واقتصاد السوق، وبدون أن يكونوا بالضرورة مدركين لشروط التغيير الاجتماعي، فإنهم يرفضون المجتمع بحالته الراهنة من التفاوت المتزايد، كما أن لديهم ميلا عاما وواضحا لفكرة "العدالة الاجتماعية" دون أن يكون لديهم بالضرورة وصف لها. وقد كان هؤلاء الشباب هم مفجرو الحركة بدعوتهم الناس إلى النزول يوم 25 من يناير/كانون الثاني.
ويرى المؤلف أن اليسار المصري الراديكالي مثّل الكتلة الثانية من كتل الثورة المصرية، وأنه أول من لبى دعوة الشباب، لأنه بطبيعته لديه الاستعداد الثوري، إلا أنه كان معزولا بسبب إلغاء الحياة السياسية منذ العهد الناصري، ونتيجة تكونه بشكل رئيس من عناصر مثقفة ذات طابع نخبوي، من خلال بعض النقابات العمالية ومنظمات المجتمع المدني، مما انعكس بدوره على تنظيماته التي جاءت دائما في شكل مجموعات ومنظمات صغيرة.

أما ثالث هذه التكتلات، فيتمثل حسب رأي المؤلف في الفئات الوسطى من الليبراليين والإسلاميين، وهم يمثلون عددا كبيرا من المحامين، والمهندسين، والأطباء، والمحاسبين، والموظفين في القطاع الحكومي والشركات الخاصة، كما أن منهم الغني والمتوسط والفقير.
 
ويرى المؤلف أن المستنيرين من هذه الفئات هم حلفاء حقيقيون لليسار في هذه المرحلة، كما أنهم يشاركون الشباب في مطالب الديمقراطية الصحيحة، تلك الديمقراطية التي تتجاوز الممارسة الانتخابية إلى الممارسة الاجتماعية، وتجعل من فكرة الاستقلال الوطني هدفا جوهريا.
                                                                             
 
إستراتيجية الثورة المضادة
يستخدم المؤلف مصطلح "الرجعية" لوصف القوى المضادة للثورة، والتي يراها متمثلة في قوتين: أولاهما الطبقة الحاكمة، فالنظام لم يكن نظام "مبارك" ولا الثلة الملتفة حوله فقط، بل يتسع وعاءه ليضم النواب المنتخبين من الحزب الحاكم، ومعظمهم مدنيون أثروا من خلال منظومة الفساد التي ترسخت عبر سنوات طويلة، كما يضم في رأي المؤلف كل الطبقة البرجوازية المصرية، بمن ينتمي منهم إلى أغنياء الفلاحين الذين استفادوا من الانقلاب على قوانين الإصلاح الزراعي الناصرية.
"
موقف المؤسسة العسكرية يلفه قدر كبير من الغموض المتعمد، فبرغم امتناعه عن المساهمة في ضرب الثورة، فإن الأهداف البعيدة للمؤسسة العسكرية تظل مجهولة إلى حد كبير
"
أما القوة الثانية من قوى الثورة المضادة فتتمثل في التيارات الإسلامية التي يرى المؤلف أن بنيتها الفكرية والتنظيمية تجعلها غير قابلة لفكرة الديمقراطية بمعناها الحقيقي والعميق، وبالرغم من أننا لا نجد من هذه التيارات عداءً ظاهرا تجاه الثورة،  وبالرغم من التحاق بعضها كالإخوان المسلمين بركب الفعل الثوري ميدانيا، فإن المؤلف يؤكد أن قوى الاستعمار الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية ومعها حليفتها الدائمة إسرائيل يدركون تماما أن "أسلمة" السياسة والمجتمع، والإغراق في التأويل المتجمد والسلفي للإسلام، ما هو إلا ضمانة لعجز المجتمع عن مواجهة فعالة لتحديات العصر، وهو ما يمثل في النهاية هدفا محوريا للولايات المتحدة وإسرائيل، وبعض الأنظمة العربية الوراثية.
كما يرى المؤلف أن موقف المؤسسة العسكرية يلفه قدر كبير من الغموض المتعمد، فبرغم تمكن الجيش من الحفاظ على سمعته بالامتناع عن المساهمة في ضرب الثورة، ثم مبادرته التي اتخذتها قيادته العليا باستبعاد "مبارك"، فإن الأهداف البعيدة للمؤسسة العسكرية تظل مجهولة إلى حد كبير، كما لا يمكن غض الطرف عن اتخاذ قيادة الجيش عددا من القرارات والإجراءات التي تشير إلى انحيازها للقوى المحافظة المكونة لكتلة الثورة المضادة، كتعيين شخصيات من النظام لتقود حكومة المرحلة الانتقالية، وتأكيد عدد من القوانين التي سنتها الحكومة في مارس/ آذار الماضي، مثل قانون الأحزاب، ومنع الإضرابات.
 
ويشير المؤلف إلى أن استشراء الفساد في صفوف الجيش، والامتيازات الكبيرة التي يحصل عليها، والكوادر الخاصة للرتب العسكرية العليا، والبدلات الباهظة التي كانوا يحصلونها في عهد مبارك، تجعلهم مرشحين لأن يكونوا جزءًا من التكتل الرجعي الذي يهدف إلى إجهاض المد الثوري، والحفاظ على جوهر النظام كما هو.
                                                                              
 
النموذج الباكستاني لا التركي
ويرى المؤلف أن الولايات المتحدة الأميركية في محاولاتها لاحتواء الثورة المصرية تسعى لإنجاز نمط يستلهم النموذج الباكستاني، لا التركي، وإذا كانت المؤسسة العسكرية في النموذج التركي تقف من وراء ستار لضمان "علمانية المجتمع" –وحالة مصر مختلفة تماما- فإن النموذج الباكستاني يتمثل في هيمنة برجوازية طفيلية تابعة، ونظام حكم يعلن نفسه إسلاميا، وتقف وراءه من خلف الستار المؤسسة العسكرية التي تتدخل إلى مقدمة المسرح من وقت لآخر وحسب الحاجة، وهذا هو النمط الذي تريده الولايات المتحدة لمصر، وكل ما يقال عن استلهام النموذج التركي هو –في رأي المؤلف- كلام للتضليل وصرف الأبصار عن تلك الخطة الأميركية، التي تسعى إلى تعزيز سلطة الكتلة الرجعية المكونة من تحالف البرجوازية التابعة، وأغنياء الفلاحين، وقيادة الإسلام السياسي.

"
النموذج الباكستاني هو النمط الذي تريده الولايات المتحدة لمصر، وكل ما يقال عن استلهام النموذج التركي هو كلام للتضليل وصرف الأبصار عن الخطة الأميركية
"
ويبين المؤلف مدى خطورة هذه الكتلة الرجعية باعتبارها تكره الديمقراطية، وتخشاها، مدركة تماما أن الديمقراطية الصحيحة والمتجذرة في مصر لابد أن تتحول إلى حركة اجتماعية تقدمية في المجال الاجتماعي، بالإضافة إلى كونها معادية للاستعمار، وهو ما تخشاه الولايات المتحدة، التي ترغب في استمرار تبعية مصر سياسيا، بما يضمن احترام مصر لشروط "السلام" مع إسرائيل، وهو في المفهوم الأميركي يعني الامتناع عن التضامن مع الشعب الفلسطيني في مواجهة مشروع التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، وفي المجال الاقتصادي فإن النموذج المرغوب فيه أميركيا يعني استمرار التبعية "للعولمة".
                                                                                     
 
تجارب السابقين
ويولي المؤلف أهمية كبيرة للنظر في مسارات الثورات والانتفاضات الشعبية التي وقعت خلال السنوات الأخيرة في أماكن مختلفة من العالم، وضرورة التأمل الواعي لنتائجها وما حققته على أرض الواقع.
 
ويقسم المؤلف هذه الثورات الشعبية إلى ثلاثة أقسام: ثورات بلدان الجنوب في آسيا وأفريقيا، وثورات بلدان شرق أوروبا، وثورات بلدان أميركا اللاتينية.

وفي نوع من المقارنة بين الثورة المصرية وغيرها، يرى المؤلف أن البلدان الآسيوية مثل الفلبين وإندونيسيا كانت تعاني من دكتاتورية شبيهة تماما بدكتاتورية حسني مبارك، حيث الرئيس الفاسد، والدكتاتور المحاط بالأتوقراط وثلة المقربين، مع استشراء التعذيب، وكل السياسات المعروفة لهذا النوع من الأنظمة، كما أن الانتفاضة هناك –ورغم اختلاف الظروف من بلد لآخر- كانت شبيهة إلى حد ما بانتفاضة يناير/كانون الثاني في مصر، حيث كانت الفئات الوسطى والتقدمية والشباب هي طليعة الثورة والمتحملة للدور الأكبر في حركتها، ثم التحقت بها الجماهير الشعبية.
وفي مالي، أدت الموجة الأولى من الانتفاضة الشعبية ضد دكتاتورية موسى تراوري إلى سقوط الدكتاتور وليس النظام، لكن مع استمرار المد الثوري، وسقوط ما يقرب من عشرة آلاف قتيل، واستمرار جذوة الانتفاضة حوالي عام –وليس أسبوعين أو ثلاثة كما حدث في مصر- فقد حدث في النهاية أن تمتع الشعب بقدر كبير من الحرية، فأصبح تكوين الأحزاب مكفولا، مع حرية التنظيم والمشاركة.. إلا أن النظام استخدم الضغط الخارجي بخصوص وجود تنظيم القاعدة، لعدم القيام بأي تغيير، وإجهاض أي استثمار تقدمي لفرض الديمقراطية في السياسة وفي الممارسة اليومية.

ولا يختلف الأمر كثيرا في إندونيسيا والفلبين، فقد تم التخلص من الرئيس، إلا أن الطبقة الحاكمة ظلت في الحكم، وهو أمر في رأي المؤلف يجعل الديمقراطية غير ذات جدوى، فبالرغم من أن إندونيسيا فتحت الأبواب لتكوين الأحزاب الاشتراكية، فإن الطبقة الحاكمة استخدمت الإسلام السياسي وإثارة النزعات الطائفية بين الأغلبية المسلمة والأقليات المكونة من المسيحيين والهندوس لجعل المشكلة الطائفية سببا في شل الحركة الاحتجاجية تماما.
 
"
لا بد من الحذر والانتباه لمحاولات قوى الثورة المضادة لتفريغ المد الثوري في مصر من مضمونه، وتشتيت الانتباه إلى أهداف ثانوية، وتحويل الرأي العام عن جوهر الثورة وأهدافها العليا
"
ويعتبر المؤلف أن ثورات أميركا اللاتينية تعد هي النموذج الأمثل بالنسبة للثورة المصرية، ففي البرازيل تقدم المد الثوري من نجاح إلى نجاح إلى أن أدى إلى نظام الرئيس "لولا"، كما أن الحركة الشعبية في بوليفيا التي استمرت خمس سنوات، وقدمت عشرين ألف شهيد أدت في نهاية الأمر إلى تغيير جذري للأوضاع السياسية، وإلى وضع دستور جديد، وإصلاحات اجتماعية عميقة، وتبني سياسة معادية للاستعمار تماما.
 
ويخلص المؤلف إلى ضرورة الحذر والانتباه لمحاولات قوى الثورة المضادة لتفريغ المد الثوري في مصر من مضمونه، وتشتيت الانتباه إلى أهداف ثانوية، وتحويل الرأي العام عن جوهر الثورة وأهدافها العليا، من أجل الحفاظ على تماسك الكتلة الرجعية، واستمرار التبعية السياسية، ولو كان ذلك بإجراء تغييرات شكلية، دون المساس بجوهر النظام وسياساته الإستراتيجية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك