عرض/ سيدي محمود الهلال
كتاب "فن علم الحرب" يبحث في تعريف الحرب ويشرح الإستراتيجيات والتكتيكات الحربية، كما يؤرخ لتطور علم الحرب، وهو كتاب يهدف إلى إعطاء صورة للمقاومات والإستراتيجيين والسياسيين العرب عن الطريقة التي يفكر بها مخططو الحروب في الجيوش الاستعمارية التي يواجهونها.

كما يحاول تصحيح مفهوم وظلم تاريخي لحق بالفتوحات الإسلامية التي تجاهلتها الدراسات العسكرية الغربية رغم التطويرات التي أحدثتها في علم الحرب.

يأتي هذا الكتاب في خمسة فصول يتحدث الأول والثاني منها في الإستراتيجية، والثالث في التكتيك، في حين يؤرخ الرابع للحرب الباردة وما بعدها. أما الخامس فيبدو غير لصيق بالفصول التي سبقته -بل هو أقرب إلى الملحق- ويقارن بين حروب نابليون والفتوحات الإسلامية.

-الكتاب: فن علم الحرب
- المؤلف: منير شفيق
- الصفحات: 309
- الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون، لبنان
- الطبعة: الأولى 2008
الإستراتيجية
يبدأ كتاب المفكر العربي منير شفيق بمدخل عن الحرب يعالج تعريفها وطبيعة ماهيتها ومكانة دراستها بين العلوم، منتهيا إلى أنها علم له قواعده، ولكنها عند الممارسة أقرب إلى الفن لحاجتها إلى شجاعة الإنسان وإبداعه، ولخضوعها لحالة المتحاربين وشعورهم بعدالة قضاياهم.

غير أن الذي يعطيه المؤلف عناية كبيرة ويخصص له مساحة واسعة في بداية الكتاب هو الإستراتيجية التي عرض كثيرا من تعريفاتها واستعرض تاريخها وتطور مفهومها.

ويرى أن مسألة تحديد الإستراتيجية لا ترتبط بتفضيل إستراتيجية على أخرى لأن "اختيار إستراتيجيتك يرتبط بمجموعة من العوامل هي التي تقرر طراز الإستراتيجية المثلى بالنسبة إليك".

ويضرب لذلك أمثلة بتغير الإستراتيجية حسب نوع السلاح وطبيعة العدو، إذ إن كل نوع من الحروب يخدم نوعا من المتحاربين.

ويعرض المؤلف عينات من الإستراتيجيات الشهيرة التي استخدمت في بعض الحروب كإستراتيجية الحربين العالميتين الأولى والثانية موضحا الفروق بينهما، وكالإستراتيجيات التي استعملت في الحروب الشعبية أيام الحرب الصينية والفيتنامية.

وينبه إلى أن الحرب الشعبية تحتاج إلى إستراتيجية تقوم على سرعة الحركة في الجبهة وطول الأمد والحملات السريعة، عكس ما وقع في حروب متوازنة كالحرب العالمية الأولى.

ويميز بين أنواع مختلفة من الإستراتيجيات العسكرية يمكن استعمال كل منها في مكانه المناسب، كما تمكن المزاوجة بينها خلال الحرب، فيشرح الهجوم الإستراتيجي والإستراتيجية الهجومية الدفاعية، مختتما بإستراتيجية الثورة المسلحة والانتفاضة الشعبية.

"
التخطيط الإستراتيجي لا يكون ناجعا إلا إذا اكتملت عناصره، من المرونة في الخطة إلى بعد النظر والاستمرار في التخطيط والتنفيذ، إلى إعداد خطة الإمكانات المتوافرة وحساب الاحتمالات وحرية الحركة
"
التخطيط الإستراتيجي
يذهب المؤلف إلى أن التخطيط الإستراتيجي ترجمة لإستراتيجية محددة، إذ هو الذي يصوغ تفصيلات عملية تحويلها إلى تطبيق عملي، ويوضح أن هدف هذا التخطيط هو "التخطيط للمهمة الموكلة إلى الإستراتيجية العسكرية، أي وضع القوات المسلحة في أقصى وضع ملائم متفوق على العدو قبل بدء العمليات لأنه يتناول كيف يتم ذلك".

ولكن التخطيط الإستراتيجي لا يكون ناجعا إلا إذا اكتملت عناصره، من المرونة في الخطة إلى بعد النظر والاستمرار في التخطيط والتنفيذ إلى إعداد خطة الإمكانات المتوافرة، وحساب الاحتمالات وحرية الحركة.. وغيرها من العناصر الضرورية لإعداد خطة محكمة.

وبناء على كل هذه المعلومات ينتهي المؤلف إلى أن الإستراتيجية "هي العملية التي تمتد من لحظة تحديد الهدف من الحرب إلى تحقيقه مرورا بالتطبيق"، ولذلك فإن أي إستراتيجية لا بد من أن تنطلق من تحديد الهدف الذي تعمل من أجل تحقيقه.

الإستراتيجية النووية
رغم أن السلاح النووي أحدث اختلالا كبيرا في موازين الحرب فإن المؤلف يرى أنه لم يغير كثيرا في طبيعة الحرب، خاصة أن هذا السلاح لا يجد تميزه إلا في حالة تفرد أحد الأطراف به.

ومع ذلك يرى أن السلاح النووي يختلف اختلافا كبيرا عن السلاح التقليدي من حيث إنه هجومي فقط كما أنه مدمر، مما يعني أنه سلاح غير مرن ولا يترك للدفاع أي فاعلية.

وعلى هذه المعطيات بنى أن الإستراتيجية النووية تقوم على تصعيد القدرة الهجومية وجعل القوة الضاربة هي الأولية، إلا أن التوازن النووي الناشئ عن وجود رد فعل قادر على رد الضربة النووية هو الذي يشكل الدفاع في هذا السياق.

وقد عرج المؤلف على السباق في مجال التسلح النووي بين أميركا وروسيا، وتطوير وسائل حمل هذا السلاح وسرد مراحل هذا السباق، وكيف انتهى إلى نوع من التوازن الردعي يجعل كل طرف غير قادر على استعمال سلاحه مخافة رد فعل الطرف الآخر.

"
الإستراتيجية النووية تقوم على تصعيد القدرة الهجومية وجعل القوة الضاربة هي الأولية، إلا أن التوازن النووي الناشئ عن وجود رد فعل قادر على رد الضربة النووية هو الذي يشكل الدفاع في هذا السياق
"
ونبه في هذا السياق إلى أن الولايات المتحدة التي كسبت الحرب الباردة لم تبق تركيزها على نزع السلاح النووي الروسي، ولا على كبح تطور السلاح النووي الصيني، بل ذهبت إلى جبهات ثانوية في حربها على الإرهاب، وتبنت سلسلة حروب خاسرة.

وأوضح أن الخلل في هذا التوجه ناتج عن عدم تخطيط إستراتيجي لما بعد الحرب الباردة جعل الولايات المتحدة تذهب في حروب ثانوية وتغفل المنافسين الذين التقطوا أنفاسهم.

وقبل أن يطوي المؤلف ملف الإستراتيجية النووية، عرج على سباق جديد ظهر للعالم عندما دمرت الصين أحد أقمارها الصناعية بصاروخ أطلقته عليه، في رسالة لم تخطئها عين الولايات المتحدة التي احتجت وكررت الفعل نفسه في إشارة إلى أنها فهمت الرسالة.

وقد كشف الاحتجاج الأميركي على هذه التجربة أن نمطا جديدا من السباق في مجال صيد الأقمار الصناعية وحمايتها قد انطلق في عالم أصبح القمر الصناعي عينه التي يبصر بها ويده التي يبطش بها.

ويختم المؤلف هذا الفصل من كتابه بمبادئ "فن علم الحرب" التي عدها عشرة، من مبدأ تركيز القوات إلى الاقتصاد في الجهد، إلى الأمن فالحركة فالهجوم فالمفاجأة، ثم وحدة القيادة والخطة والتنفيذ، ثم المحافظة على المبدأ، ليختم بمبدأي المبادرة وتقدير الحلقة الحاسمة.

وانتهى الفصل بأن تطبيق هذه المبادئ تطبيقا صحيحا يساعد القائد على خلق وضع متفوق على العدو، إلا أن "نجاح تطبيق هذه المبادئ لا ينفصل عن مجموعة العناصر الإنسانية الأخرى، مثل الوعي والشجاعة والتضحية والمعنويات والتنظيم والتدريب والانضباط وطبيعة القضية التي يتم القتال من أجلها.

التكتيك
يعتبر المؤلف أن التكتيك هو الخيار الذي تقره الإستراتيجية للتعامل مع العدو على الأرض، وهو لذلك يتناول السلاح والتشكيلات والأرض وعمليات الاشتباك وأساليب القتال من أجل القضاء على الخصم.

ومع أن التكتيك قائم منذ بدء الحروب ويتطور حسب تطور وسائلها وآلاتها، فإن المؤلف يرى أنه لم يكن دائما يتطور بالسرعة المناسبة لتطور تلك الوسائل، وإنما قد يتخلف في بعض العصور ويبقى أسيرا للتقاليد، إلا انه في النهاية يلحق بالركب.

وفي هذا السياق يستعرض مجموعة من التكتيكات استخدمت في حروب مختلفة، مقارنا بينها ومنبها إلى أن كل عصر يتميز بالتكتيكات التي تناسب وسائله وأسلحته، ومشيدا بالتطور الذي وقع في عصر الفتوحات الإسلامية والحروب النابليونية.

ويلاحظ في خلاصة هذا الفصل أن البعد الثالث للحركة والذي ولده تطور الطيران "جعل السرعة تزيد عشرة أضعاف أو أكثر عن أي سرعة آلية على الأرض، مما أعطى الهجوم مزايا كثيرة على الدفاع".

ولا يخرج المؤلف من هذا الموضوع حتى يسجل أن من أهم التطورات في العالم العسكري الحديث -إلى جانب الأسلحة الصاروخية النووية- كان حرب الشعب الثورية والمقاومة الشعبية التي استطاعت تحقيق انتصارات باهرة على المستويات الإستراتيجية والتكتيكية ضد التفوق المادي والتقني.

"
اتسمت الحرب الباردة بانقسام العالم إلى معسكرين متعاديين ومتوافقين رغم ذلك، مما جعل كل الحروب في هذه الفترة حروبا محدودة يغذيها هذا الانقسام ويمنعها من الحسم إلا في حالات محدودة كفيتنام وأفغانستان
"
الحرب الباردة
يفرد المؤلف للحرب الباردة فصلا كاملا باعتبارها حالة فريدة من التوازن بين قوتين عظميين استطاعتا تسيير العالم عبر نظام عالمي يسمح لهما بحل مشاكلهما دون صدام مباشر، رغم وجود لاعبين كثر بعضهم يريد الخروج على هذا النظام.

وقد اتسمت هذه الفترة بانقسام العالم إلى معسكرين متعاديين ومتوافقين رغم ذلك، مما جعل كل الحروب في هذه الفترة حروبا محدودة يغذيها هذا الانقسام ويمنعها من الحسم إلا في حالات محدودة، كفيتنام وأفغانستان.

وفي هذا الفصل يستعرض المؤلف مجموعة من الحروب التي وقعت أثناء الحرب الباردة لتوضيح بعض ملامح الإستراتيجيات والتكتيكات التي استخدمت فيها، وهي في أغلب الأحيان مشابهة لما كان في الحربين العالميتين، وإن كان للواقع الدولي تأثير بالغ فيها.

وينوه بالنتائج التي حققتها تكتيكات حرب أكتوبر/تشرين الثاني التي شنتها مصر على إسرائيل عام 1973، واعتبرها تجديدا في التكتيك حيث استطاعت أدوات بسيطة كالصواريخ المحمولة على الكتف مواجهة قوة عسكرية ضاربة كالدبابة. كما أثبتت تلك الحرب أن المباغتة تلعب دورا بارزا في بداية الهجوم.

غير أن التطور الكبير في عالم التكتيك والعمليات هو ما جاء بعد الحرب الباردة، إذ ساهم التطور التقني الكبير فيما اعتبره البعض انقلابا في قوانين الحرب، إذ حلت التقنية مكان الإنسان.

وقد اعتبر من سماهم المؤلف "عبدة التكنولوجيا" أن الصواريخ والقنابل الذكية والطائرات بدون طيار وعوالم الاتصال والأقمار الصناعية والشاشات البلازمية، يمكن أن تغني عن الجيوش والجنود على الأرض، مما أدى إلى أغلاط عسكرية فادحة حسب رأيه.

وقد ضرب مثالا على ذلك بحرب العراق التي ما زالت الولايات المتحدة عالقة في وحلها، وبحرب إسرائيل على لبنان عام 2006 والتي هزت ثقة الإسرائيليين بجيشهم بسبب ما وقع فيها من أخطاء إستراتيجية كبيرة.

وقد أثبتت هذه الحرب -حسب المؤلف- أن قوانين علم الحرب لم تختل رغم التطور التقني الهائل، وإن كان هذا التطور يخدم تطور التكتيك والعمليات.

وانتهى إلى أن "الذي يقرر النصر في النهاية أو الهزيمة هو الوضع بمختلف جوانبه، من أصغر قرية أو مصنع إلى أصغر حركة تكتيكية في ساحة المعركة، حيث تتداخل العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بالعوامل التنظيمية العسكرية إستراتيجيا وتكتيكيا، مرورا بعوامل الزمان والمكان والعناصر الإنسانية والذاتية والوضع المحلي والمدني لدى كل من الطرفين، إلى جانب الوضع الإقليمي والعالمي وما يسوده من موازين قوى ومعادلات دولية".

"
المؤلف قدم مقارنة وافية بين إستراتيجيات الجيوش الإسلامية أيام الفتح وبين إستراتيجيات نابليون أيام حروبه، ولاحظ أن التشابه بين الإستراتيجيتين مدهش وأن التكتيكات كانت تبدو متطابقة في أحيان كثيرة
"
حروب نابليون والفتوحات
هذا الفصل من الكتاب يبدو منقطعا عن الفصول السابقة وغير مرتبط بها، إلا أن للمؤلف في ذلك رأيا حدده بأنه محاولة لرفع ظلم تاريخي لحق بالفتوحات الإسلامية في باب علم الحرب، إذ أعمى المسلمين عن جانبها العسكري تركيزهم على أهمية البعد الإيماني في الحروب، كما أعمى التعصب الدارسين الغربيين عن إعطائها مكانتها الصحيحة.

وقد حدد المؤلف المهمة التي ألزم نفسه بها في هذا الفصل، بأنها تبدأ من إثبات أن الانتصارات التي حققها المسلمون أيام الفتوحات لم تكن نتاج الحماسة الدينية فحسب، بل كانت نتيجة وجود فن عسكري متطور جدا ووجود قيادات إستراتيجية وتكتيكية على أعلى مستوى.

وانتقد المؤلف بعض الدارسين الغربيين الذين درسوا حروب الفتوحات دراسة مفصلة بالخرائط والخطط، دون أن يصلوا إلى النتائج الطبيعية التي وصلوا إليها من خلال دراسة حروب نابليون التي لا تختلف عنها كثيرا.

وقد قام المؤلف بمقارنة وافية بين إستراتيجيات الجيوش الإسلامية أيام الفتح وبين إستراتيجيات نابليون أيام حروبه، ولاحظ أن التشابه بين الإستراتيجيتين مدهش وأن التكتيكات كانت تبدو متطابقة في أحيان كثيرة.

وضرب الكاتب على ذلك أمثلة من معارك نابليون ومعارك الفاتحين المسلمين، واستخلص أن المسلمين في مراحل الفتح الأولى استعملوا تكتيكات متطورة يمكن اعتبارها أحد العوامل الحاسمة في تفوقهم على أعدائهم المتفوقين عليهم عددا وعدة.

ولم ينف المؤلف التفوق المعنوي الذي فسر به الدارسون تفوق المسلمين على أعدائهم، ولكنه اعتبره أحد العوامل فقط لا سر التفوق الوحيد.

وخلص إلى أن نابليون استفاد من الثورة الفرنسية التي أطلقت القوى الاجتماعية الجديدة من عقالها وحطمت الإقطاعية والملكية، تماما كما استفاد المسلمون من ثورة الإسلام التي أطلقت القوى الاجتماعية النامية وكرست التجنيد الجماهيري لأول مرة.

ونبه المؤلف في ختام هذا الفصل إلى أن هذه الدراسة لا تبخس ما قام به نابليون حقه، بل تضعه في سياقه التاريخي المختلف، دون أن تتجاهل ما قام به المسلمون وما استحدثوه من تكتيكات استفاد منها نابليون وطورها في سياق عرف نوعا من الأسلحة مختلفا بظهور السلاح الناري.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك