عرض/سكينة بوشلوح
خمسينية أي حدث، سواء كان ذا طابع تاريخي أو خاص، تشكل دوما وقفة لاستحضار الماضي والتأمل في الدروس التي يجب استخلاصها والالتزامات التي ينبغي تجديدها، حتى لا ننحرف عن جادة الصواب.. وذكرى ثورة التحرير الجزائرية لا تشذ عن هذه القاعدة.

-الكتاب: مذكرات جزائري.. أحلام ومحن
-المؤلف: أحمد طالب الإبراهيمي
-عدد الصفحات: 268 
-الناشر: دار القصبة، الجزائر
-الطبعة: الأولى/2006

هذه المناسبة المهمة معلم تاريخي بارز استوقف العديد من الشخصيات الجزائرية، ودفعها لإعادة النظر بعين النقد في هذه المرحلة من حياتها.

والدكتور أحمد طالب الإبراهيمي -الوزير السابق وابن الشيخ العلامة البشير الإبراهيمي- واحد من هؤلاء الذين اقتنعوا بأن السكوت ضرب من الإثم، وأن الكتابة دين في أعناقهم وواجب لا مناص من تأديته.

لأجل ذلك ولغيره، ينشر المؤلف ذكرياته في كتاب بعنوان "مذكرات جزائري.. أحلام ومحن" يسوق فيه الوقائع كما رآها، تاركا للمؤرخ مهمة تحري الحقيقة في ضوء دراسة الأحداث واستجلاء أسبابها.

اعتمد الإبراهيمي في كتابة مذكراته الأسلوب السردي البعيد عن المنهج التحليلي أو الاستدلالي، مستقرئا في ذلك مراحل حياته ابتداء من طفولته ووصولا إلى نهاية فترة الشباب، تاركا سرد وقائع ما بعد هذه الفترة إلى حين صدور الجزء الثاني من المذكرات.

أحمد الطفل والمراهق والطالب
ولد أحمد طالب الإبراهيمي يوم 5 يناير/كانون الثاني 1932 بمدينة سطيف (شرق الجزائر) لأسرة يقال إنها ترقى بنسبها إلى الصحابي الجليل أبي بكر الصديق.

وقد تعمد استعمال صيغة المجهول "يقال" ليوضح أن هذا قد يكون صحيحا أو أحد تلك الأوهام التي دأب أهل المغرب منذ قرون على نسجها بنسب أنفسهم إلى أصول من شبه الجزيرة العربية.

والده الشيخ البشير الإبراهيمي (1891-1965) أحد مؤسسي جمعية علماء المسلمين الجزائريين، والمشرف الأول على نشاطاتها في الغرب الجزائري، وكانت تلمسان العاصمة التاريخية لمقر عمله.

ولهذا السبب ارتبطت ذكريات طفولة أحمد بمدينة تلمسان حيث عاش فيها بين عامي 1933 و1945 مع انقطاع بسيط بين عامي 1941 و1942.

كان الإبراهيمي الوالد معارضا لالتحاق ابنه بالمدرسة الفرنسية بسبب محتواها الاغترابي، غير أن الشيخ عبد الحميد بن باديس أقنعه بفوائد تعلم الفرنسية وفضلها في الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي، ومن ثم درس أحمد طالب في مدرسة فرنسية وبرع فيها براعة مكنته من الالتحاق بالأقسام الثانوية عن جدارة واستحقاق.

في هذه المرحلة من حياة المؤلف أخذت الظاهرة الاستعمارية تتجلى في ذهنه وتكشف عن أنيابها، إذ اعتقل والده واقتيد بعنف نحو وجهة مجهولة إلى أن استقر به الأمر في الإقامة الجبرية بمدينة تبعد عن تلمسان مئات الكيلومترات، وكان السبب الأول في ذلك رفضه القاطع لتأييد فرنسا في حربها ضد ألمانيا عام 1939.

"
في الفترة من مارس/آذار 1956 وحتى اعتقاله في فبراير/شباط 1957 من قبل السلطات الفرنسية، دخلت السرية التامة حياة الإبراهيمي لما كلف به من مهمات تنسيقية بين أعضاء فدرالية فرنسا وقيادة جبهة التحرير الوطني
"
وفي ظل غياب الوالد الذي كان إما في السجن أو المنفى أو في جولة عمل، بدأ أحمد -الطالب في الأقسام الثانوية- يهتم بالسياسة ويزداد تعلقا بها إلى أن بلغ الأمر أوجه خلال أحداث مجزرة 8 مايو/أيار 1945 التي راح ضحيتها قرابة 45 ألف شخص من المشاركين وغير المشاركين في المظاهرات التي عمت شوارع مدن سطيف وقالمة وخراطة، ولم تعد مفردات "الوطن" و"الاستقلال" ومثيلاتهما مجرد كلمات، وإنما أصبحت تثير في نفسه كثيرا من الانفعال والتأثر.

التحق الإبراهيمي بجامعة الجزائر عام 1949 في السنة التحضيرية للطب وبها انخرط في جمعية الطلبة المسلمين لشمال أفريقيا وشارك في كل التظاهرات التي نظمتها.

وبالجامعة ولأول مرة اتضحت في ذهنه أهداف التعليم الاستعماري المتمثلة في فصل النخبة عن ثقافتها الأصلية وإشباعها بثقافة دخيلة تنهل منها حتى تصبح أداة للهيمنة الاستعمارية.

وأمام هذه المفارقة كان من واجب الإبراهيمي -كما يذكر- أن يخلص إلى رد فعل جذري وطريقة مثلى للدفاع، وكان ذلك من خلال جريدة باللغة الفرنسية باسم "الشاب المسلم"، تكون بالمقابل وسيلة للتأصيل ومن ثم وسيلة للتحرر.

وبعد خمس سنوات في جامعة الجزائر طار الإبراهيمي إلى باريس والتحق بكلية الطب فيها للسنة الخامسة التي توجت في آخرها بامتحان نظري وفق فيه بنجاح مكنه من التردد على المستشفيات الباريسية والالتحاق بها في السنة السادسة له.

 وابتداء من هنا وضع الإبراهيمي النضال فوق أي اعتبار آخر، فكان أولا في الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين ثم بعد ذلك في فدرالية فرنسا لجبهة التحرير الوطني، ومن ثم المشاركة في العديد من الاجتماعات التي كانت تعقد في المدن الجامعية الفرنسية.

وانتهى به المطاف رئيسا للاتحاد الوطني للطلبة المسلمين الجزائريين الذي أوجد له فروعا في العديد من المدن الفرنسية، بالإضافة إلى فرع الجزائر الذي كان ينشط فيه محمد الصديق بن يحيى والأمين خان.

وابتداء من مارس/آذار 1956 وإلى غاية فبراير/شباط 1957 تاريخ اعتقاله من قبل السلطات الفرنسية، دخلت السرية التامة حياة الإبراهيمي لما كلف به من مهمات خاصة تصب في مجملها باتجاه تحقيق التنسيق بين أعضاء فدرالية فرنسا وقيادة الجبهة التي غالبا ما كان يرى في بعض مواقفها الغرابة والازدواجية.

من السجن إلى إعلان الاستقلال
بعد سنتين من النشاط الحثيث تخللتهما تنقلات محفوفة بالأخطار والخوف من الوقوع ضحية التعذيب أو القتل، اعتقلت الشرطة الفرنسية أحمد طالب مع جملة من رفاقه من فدرالية فرنسا وزجت بهم في السجن، وهناك التقى بالزعماء الخمسة: أحمد بن بلة ومحمد بوضياف وحسين آيت أحمد ويوسف خيضر ومصطفى الأشرف، وكانت له معهم نقاشات سياسية واسعة انتهت في مجملها إلى عدم الانحياز لأحد والانصراف إلى التأمل في عالم السجن كملاحظ متحل بما يمليه الضمير وتفرضه الموضوعية.

وهنا يؤكد المؤلف أن بعضا من الخمسة كان يحاول -مثلما فعل داخل مجموعته– اكتساب امتدادات له في جميع هيئات جبهة التحرير، وأن الشقاقات التي كانت تحدث في اجتماعات كل من المجلس الوطني للثورة ولجنة التنسيق والتنفيذ كانت للأسف الشديد قائمة على الولاء والتبعية الشخصية أكثر منها على خيارات أيديولوجية.

وتبعا لذلك يقرر أن وفاة عبان رمضان المأساوية عام 1958 كانت نتيجة حتمية لتلك الازدواجية التي تميز بها المسؤولون على مستوى القيادة الذين لم يكترثوا للحادث رغم دفاعهم عن مبدأ أولوية السياسي على العسكري.

"
الأيام الأخيرة بالسجون الفرنسية يراها الإبراهيمي حافلة بالأحداث، إذ كان يبدو أن إطلاق سراح جميع المساجين الجزائريين قاب قوسين أو أدنى ويعني ذلك قرب الاستقلال
"
وعن تشكيل الحكومة المؤقتة أوائل صيف 1953، رأى الإبراهيمي فيه طريقا لتسهيل عملية التفاوض مع فرنسا، وفي هذا الشأن يصرح بأنه خلال عامي 1960 و1961 وخلال إقامته بالسجن وفي دورية له بالمستشفى المركزي علم من بعض المحبوسين الجزائريين أن بوضياف تلقى رسالة من بومدين في سياق إبرام تحالفات كانت تعقد بين الحكومة والمساجين الخمسة بهدف الاستيلاء على الحكم، فرفض بوضياف العرض ولم يطعن في شرعية الحكومة المؤقتة التي كان عضوا فيها.

وأمام هذا الرفض بدأ بومدين يبحث عن بديل، فأوفد أحد مساعديه وهو عبد العزيز بوتفليقة (الرئيس الحالي للجزائر) في مهمة استطلاعية لدى الخمسة انتهت باستمالة متبادلة بينه وبين بن بلة.

وفي هذا يعتقد المؤلف أن بومدين كان متأثرا بالتجربة الناصرية التي يعرفها جيدا إذ كان يبحث عن "نجيبه"، أي شخصية يستعملها مثلما استعمل عبد الناصر اللواء نجيب في انقلاب الضباط الأحرار بمصر.

الأيام الأخيرة بالسجون الفرنسية يراها الإبراهيمي حافلة بالأحداث، إذ كان يبدو أن إطلاق سراح جميع المساجين الجزائريين قاب قوسين أو أدنى ويعني ذلك قرب الاستقلال.

كان الخمسة محل اهتمام كبير لاسيما بن بلة الذي رأى فيه بعض الفرنسيين الضامن لجزائر اشتراكية، وبعض آخر رآه موحدا بين المؤمنين ضد الماركسيين، في حين رأى فيه عبد الكريم الخطيب (قائد جيش التحرير المغربي) مساعدا أساسيا في إنشاء حركة إسلامية مغاربية.

وهنا يعلق المؤلف بأن عقدة المرآة التي يتحدث عنها علماء النفس موجودة فعلا، فالرجل الذي ما لبث أن أصبح يرى نفسه أول رئيس للجمهورية الجزائرية كان يسعى لإرضاء الجميع مرددا على كل من يخاطبه ما يطيب له سماعه.

غادر الإبراهيمي سجون فرنسا في سبتمبر/أيلول 1961 ومنها اتجه إلى تونس ثم إلى الرباط وبعدها إلى نيويورك حيث خضع لبعض التحاليل والعلاجات الطبية، ومنها إلى القاهرة حيث التقى بأهله المقيمين بها منذ 1952، ومن ثم كان رجوعه إلى الجزائر في يوليو/تموز 1962.

وفي نفس السنة وبغرض تفادي المواجهة المسلحة بين الفرقاء المتناحرين على السلطة تشكلت لجنة مصغرة من ثلاثة أعضاء -كان الإبراهيمي أحدهم- عهد إليها بإجراء الاتصالات الضرورية بالكبار.

وهنا يصرح المؤلف بأن لقاءه مع بن خدة انتهى باقتراح الأخير عليه منصب أول سفير للجمهورية الجزائرية بالرباط، وأن لقاءه مع آيت أحمد انتهى إلى أن الوضع السائد قد حكم بعدم أهلية جيله وأن السلطة اليوم يجب ألا تعتمد على الشخصيات التاريخية، الأمر الذي كان يحثه على الانسحاب من الساحة السياسية.

وبعد استيلاء بن بلة على الحكم في سبتمبر/أيلول 1962 اتفق أعضاء اللجنة المصغرة على أن يخدم كل واحد منهم بلده في المجال الذي يعنيه، مانحين بذلك النظام الجديد الوقت الكافي للعمل في الساحة دون معارضته أو تأييده، ومن ثم التحق الإبراهيمي للعمل في مجال الطب بمستشفى الجزائر العاصمة.

السجن مجددا.. سجن جزائري

"
تحت وطأة تعذيب لم يعشه الإبراهيمي في أي من سجون فرنسا، كان السؤال يتكرر دائما: ما علاقته بحكومة المعارضة في المهجر؟ وكانت الإجابة المتكررة أيضا: أنه لا دراية له بهذه الحكومة
"
"تجري الرياح بما لا تشتهي السفن".. شطر البيت هذا من قصيدة المتنبي ينطبق على أحمد الإبراهيمي تماما، فهو الذي حلم في صباه بأن يكون طبيبا للأمراض النفسية يجد نفسه في نهاية المطاف طبيبا لأمراض الدم بمستشفى مصطفى باشا الجامعي بالعاصمة، بعيدا بعض الشيء عن أجراس السياسة التي كانت تجذبه وتقلص من يوم إلى آخر المسافة بينهما.

يذكر الإبراهيمي أنه خلال السنتين الأخيرتين بعد الاستقلال ظهرت شيئا فشيئا إلى العلن تناقضات داخلية:

فعلى الصعيد السياسي وبما أنه لا توجد أي علاقة أيديولوجية بين أعضاء المجموعة التي استولت على الحكم، كان ينتظر أن تؤول الأمور بعد إقصاءات متتالية إلى تمركز السلطات في يد رجل واحد، وهو ما تم.

فقد أقصي فرحات عباس الذي كان يريد توازنا في السلطات بين رئيس الجمهورية والبرلمان، واستبعد الأمين العام لجبهة التحرير محمد خيضر الذي كان يريد الفصل بين الحزب والجهاز التنفيذي.

وبعدما تحول الحزب إلى أداة في يد الحكومة ماتت الديمقراطية وقتلت روح النقد في مهدها، وعوض تشييد حكيم لهرم الحزب انطلاقا من القاعدة وصولا إلى القمة تمت التعيينات من فوق، مما يفسر الأسلوب الانفرادي في الحكم.

أما على الصعيد الثقافي فقد ظل الاغتراب على حاله وكانت الكلمة العليا لخصوم تعريب التعليم، علما بأن التعريب كان أحد الأهداف الأساسية لثورة التحرير.

في هذا الجو المشحون بالقلق والريبة وفي ظل الاعتقالات وحالات الاختطاف، اعتقل أحمد طالب يوم 12 يوليو/تموز 1964 وهو يهم بالتوجه إلى المستشفى، إذ حضر ثلاثة من أفراد الشرطة بزي مدني وطلبوا منه أن يتبعهم إلى مقر الأمن العسكري حيث ستطرح عليه بعض الأسئلة، على ألا يستغرق الأمر أكثر من ربع ساعة.

غير أن الأمر لم يكن كذلك، فقد أدرك الإبراهيمي فور وصوله أنه محتجز لدى الشرطة القضائية التي أبقته في قبو تحت الأرض لأيام لا يذكر عددها لشدة قسوتها.

وتحت وطأة تعذيب لم يعشه الإبراهيمي في أي من سجون فرنسا، كان السؤال يتكرر دائما: "ما علاقته بحكومة المعارضة في المهجر؟".

وكانت الإجابة المتكررة أيضا: أنه لا دراية له بهذه الحكومة، وأنه سمع صدفة وعن طريق إذاعة "مونتي كارلو" نبأ إنشاء مجلس للمعارضة، مضيفا أنه لو كان فعلا عضوا في هذا المجلس لما أمكنهم اعتقاله بتلك السهولة.

دام الأمر كذلك إلى أن تم ترحيله يوم 13 أغسطس/آب إلى السجن العسكري بوهران (غرب الجزائر) حيث مكث في زنزانه لم ير فيها ضوء النهار مدة شهرين ونصف لحرمانه من اجتياز عتبة الزنزانة الموصدة أبوابها.

وبعد انقضاء هذه المدة خرج من زنزانته ليستنطق على غير العادة من قبل وكيل الجمهورية الذي كان يستفسر عن سبب رفضه الحياة السياسية، من غير إثارة مسألة المشاركة في حكومة المنفى.

وهنا راح الإبراهيمي يشرح موقفه مشيرا إلى أن انسحاب التاريخيين من الساحة وترك المكان لإطارات أفرزتها حرب التحرير حل جذري لكنه مستحيل لأن الإطارات الشابة غير جاهزة لهذا الدور، كما أن الحل المتمثل في الوحدة الوطنية هو الآخر لم يكن ليتأتي دون أن تتحلى الشخصيات التاريخية بالتواضع وبحس عال بالمسؤولية.

"
أولى أصعب مراحل حياة الإبراهيمي انتهت  بعرض الرئيس بومدين عليه حقيبة وزارة التربية التي قبل بها شريطة المنع المطلق للتعذيب في الجزائر
"
لكن مع الأسف الشديد وصل الأمر بكل واحد من هذه الشخصيات إلى الظن بأنه قطب العالم وأن كل شيء يجب أن يقع أو لا يقع بأمره.. وهكذا ظهر جبن المثقفين وضعف القادة وضحالة الفكر لدى هؤلاء وأولئك على حد سواء.

وبعد هذا التحقيق وإدراك المسؤولين قناعة الإبراهيمي أخلي سبيله في فبراير/شباط 1965 ليلتحق بمهنته ويواجه مأساة وفاة والده في مايو/آيار 1965 ويعيش أجواء الإطاحة بنظام بن بلة من قبل مجلس الثورة برئاسة العقيد بومدين يوم 19 يونيو/حزيران، ليتساءل حينها: أين الذين كانوا يهتفون باسم القائد المحبوب؟

وهنا تنتهي أولى أصعب مراحل حياة الإبراهيمي بعرض الرئيس بومدين عليه حقيبة وزارة التربية التي يقبل بها شريطة المنع المطلق للتعذيب في الجزائر، كما ينتهي هنا سرد المؤلف للجزء الأول من مذكراته "أحلام ومحن".

المصدر : الجزيرة