-عرض/ حسين عبد العزيز

تجسّد العلاقة بين المحكمة الجنائية الدولية والسودان مجمل ذلك الجدل الدائر بشأن طبيعة المحكمة الجنائية الدولية ودورها في تحقيق العدل وعلاقة الأخير بالأمن والاستقرار، خاصة مع إصدار المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني عمر البشير.

وانطلاقاً من قناعته بأن فهم طبيعة الأزمة بين السودان والمحكمة الجنائية الدولية تتطلب فهم الواقع السياسي المحيط بالسودان، يسعى المؤلف في هذا الكتاب إلى الإجابة عن مجموعة من التساؤلات الآتية:

ـ ما مراحل نشأة وتطور الأزمة بين السودان والمحكمة الجنائية الدولية؟

ـ ما الأسانيد القانونية والدوافع السياسية لكلٍّ من مؤيدي قراري الإحالة والتوقيف ومعارضيهما؟

ـ ما الفرص والتحديات التي تطرحها الأزمة، وكيف يمكن التعامل معها؟

ـ وأخيراً، ما المسارات المحتملة للأزمة؟

نشأة الأزمة
يرى المؤلف أن جذور الأزمة بين السودان والمحكمة الجنائية الدولية يمكن تتبعها في تصاعد الاهتمام الدولي خاصة من جانب الولايات المتحدة والأمم المتحدة على السواء.

-الكتاب: المحكمة الجنائية الدولية والسودان (جدل السياسة والقانون)
-
المؤلف: د. محمد عاشور مهدي
-
الصفحات: 208
-
الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
الطبعة: الأولى/ 2010
فتحت ضغط الرأي العام الأميركي، والخوف من خبرة الانتقادات التي تعرضت لها لتأخرها في التعامل مع أزمة رواندا، دأبت الإدارة الأميركية منذ عام 2002 بتسليط الضوء على ما يجري في دارفور، ثم بدأت عام 2004 باتخاذ إجراءات عملية، تمثلت أولا بإعلانها أن الانتهاكات الجارية في دارفور هي إبادة جماعية، ثم إجازة مجلس النواب في نفس العام قرارا يعتبر ما يحدث في دارفور إبادة جماعية، وبعد أيام من ذلك أصدر الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان قرارا بتشكيل لجنة دولية للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في دارفور
.

في مقابل ذلك قامت الحكومة السودانية بتشكيل لجنة تقصي حقائق وطنية، انتهت بتأكيد وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان، لكنها نفت أي ممارسة تطهير عرقي.

وانتهى تقرير اللجنة الدولية أيضا إلى ما انتهي إليه تقرير الحكومة السودانية، بتحميله جميع الأطراف مسؤولية الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، لكن التقرير الدولي أكد من جانب آخر صعوبة القول بارتكاب الحكومة السودانية جريمة الإبادة الجماعية.

وفي نهاية مارس/آذار من عام 2005 أصدر مجلس الأمن القرار رقم 1593 الذي قرر فيه إحالة ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية.

ويرى المؤلف أن هذا القرار يمثل السابقة الأولى من نوعها التي يستخدم فيها المجلس صلاحياته في إحالة المسألة إلى المحكمة الجنائية الدولية، حيث كان مجلس الأمن قبل نفاذ قانون المحكمة يلجأ إلى سلطاته بموجب الباب التاسع بتكوين هيئات ثانوية مساعدة للمجلس في إقرار السلم والأمن الدوليين، وهو ما حدث في يوغسلافيا السابقة.

وبناء على قرار مجلس الأمن، أعلنت المحكمة الجنائية الدولية في يونيو/حزيران عام 2005 فتح تحقيق في الجرائم التي حدثت في دارفور، ومع نهاية عام 2006 أعلن المدعي العام لدى المحكمة الجنائية العثور على أدلة تثبت حدوث عمليات قتل وتعذيب واغتصاب في إقليم دارفور خلال الفترة من 2003 ـ 2004 وتلا ذلك إعلان المحكمة الجنائية الدولية في فبراير/شباط   2007 توجيه الاتهام إلى أحمد هارون وزير دولة للشؤون الإنسانية وعلي كوشيب أحد قادة مليشيات الجنجويد، بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وبسبب رفض الحكومة السودانية التعاون مع المحكمة الجنائية، هددت الأخيرة بتوجيه اتهامات جديدة ضد مسؤولين كبار في السودان، وفي 14/7/2008 وجه أوكامبو اتهاما رسميا للبشير بارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.

"
بررت المحكمة الجنائية إصدارها مذكرة اعتقال بحق البشير لمسؤوليته بصفة مباشرة أو غير مباشرة عن سبع تهم، تتعلق خمس منها بجرائم ضد الإنسانية، وتتعلق التهمتان الأخيرتان بجرائم الحرب
"
وقد بررت المحكمة الجنائية إصدارها مذكرة اعتقال بحق البشير لمسؤوليته بصفة مباشرة أو غير مباشرة عن سبع تهم، تتعلق خمس منها بجرائم ضد الإنسانية (القتل، وإنهاء حياة السكان المدنيين، والنقل القسري للسكان، والتعذيب، والاغتصاب)، وتتعلق التهمتان الأخيرتان بجرائم الحرب (توجيه هجمات متعمدة ضد السكان المدنيين الذين لم يشاركوا في أي أعمال عدائية، ونهب الثروات
).

واعتبرت المحكمة أن البشير كان يهيمن على كافة فروع الأجهزة الأمنية، فإن البشير يعد مسؤولا جنائيا لمساهمته بطريقة غير مباشرة في ارتكاب جرائم بطريقة مقصودة.

الأسانيد القانونية والدوافع السياسية
في ظل تباين مواقف وردود أفعال الأطراف السياسية الداخلية والإقليمية والدولية تجاه قرار إحالة ملف دارفور إلى مجلس الأمن، سارع كل طرف إلى توظيف الأدوات المختلفة لتأييد وجهة نظره تجاه الأزمة الناجمة عن القرار وتداعياته
.

يرى المؤلف أن مؤيدي قرار الإحالة والتوقيف استندوا إلى مجموعة من الحجج القانونية التي تنطلق في جوهرها من التطورات التي لحقت بالقانون الدولي بصفة عامة والقانون الجنائي بصفة خاصة، على نحو جعل منها قواعد شارعة لا يجوز مخالفتها.

ويمكن القول والكلام للمؤلف، إن القوى الغربية بقيادة الولايات المتحدة، ومشايعة دول الاتحاد الأوروبي، والعديد من المنظمات الدولية الغربية، والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان، وحركات التمرد الدارفورية قد مثلت الدعامة الرئيسية في تأييد قرار المحكمة الجنائية الدولية بتوقيف الرئيس عمر البشير، وذلك بهدف الضغط على السودان لتحقيق غايات كل طرف ومصالحه على الساحة السودانية.

وفي مقابل هذه الحجج، قدم معارضو القرارين مجموعة من الحجج والأسانيد القانونية، قامت في جانب كبير على تفنيد حجج الفريق الأول من ناحية، وعلى اعتبارات الموازنة بين مقتضيات الأمن والاستقرار في مقابل مفترضات العدالة والقصاص.

فإذا كانت الحجة الرئيسية لمؤيدي قرار المحكمة الجنائية هي استناد قرار الإحالة إلى قرار مجلس الأمن رقم 1593، فإن الحجة الرئيسية لمعارضي القرار قامت بالأساس على انعدام مقتضى توجيه الاتهام إلى الرئيس البشير بشأن الوضع في دارفور استنادا إلى بطلان إجراءات الاستدلال وأعمال التحريات التي قام بها المدعي العام للمحكمة الجنائية.

ويخلص أنصار هذا الرأي إلى أن المحكمة الجنائية الدولية لا اختصاص لها، ولو بإحالة من مجلس الأمن، إلا بشأن الدول الأطراف في نظامها الأساسي، باعتبار أن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية لا ينشئ سلطانا لمجلس الأمن يخوله إخضاع دولة ليست طرفا في اتفاقية المحكمة لأحكام هذه الاتفاقية.

"
مؤيدو قرار الإحالة إلى المحكمة الجنائية والتوقيف استندوا إلى مجموعة من الحجج القانونية, أما معارضوه فقد اعتبروه عقبة أساسية في سبيل التوصل إلى تسوية سلمية لأزمة دارفور
"
والحقيقة إن الموقف المعارض لقراري إحالة ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية وقرار توقيف البشير، تبنته بالأساس دول ما كان يعرف بالعالم الثالث، وفي مقدمها الدول العربية، ومعظم الدول الأفريقية والإسلامية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي وبعض دول أميركا اللاتينية، وبقدر ما الصين وروسيا
.

ويتمثل موقف هذه المجموعة في رفض قرار المحكمة الجنائية باعتبار أنه يمثل عقبة أساسية في سبيل التوصل إلى تسوية سلمية لأزمة دارفور، كما سيزيد من تعنت حكومة السودان، ولن يحقق الاستقرار المنشود، وبالتالي لن يحقق العدالة المرجوة من إصداره.

قرارا الإحالة والتوقيف
بتفحص الأساس القانوني لقرار مجلس الأمن رقم 1593 وتقدير القيمة القانونية لقرارات المحكمة الجنائية الدولية في ضوء صلاحياتها واختصاصاتها، يمكن القول إن القرار أعاد من جديد الجدل حول معايير العدالة الدولية، والخط الفاصل والرابط بين العدل والاستقرار والأمن، كما مثل ضربة لجهود ومساعي الاتحاد الأفريقي لتحقيق السلام في الإقليم
.

وبتمحيص آراء كلا الفريقين، وبالنظر إلى القيمة القانونية للقرارات الصادرة عن المحكمة، والعلاقة بين المحكمة الجنائية الدولية ومجلس الأمن، وشروط تعاون الدول مع المحكمة الجنائية الدولية، يمكن القول:

إنه حتى مع قبول أن القرار 1593 قد خول المحكمة الجنائية التصدي لملف دارفور، فإنه لا يمنحها الحق في طلب توقيف الرئيس السوداني وتسليمه من قبل الدول الأخرى لتعارض ذلك ومقتضيات المادة 98/1 من الميثاق، وعليه فإنه طالما تمسك السودان بحصانة رئيسه، فإنه لا يمكن لأية دولة أن تخرق التزامها بمراعاة تلك الحصانة.

وإنه يبين بجلاء عدم اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بنظر مشكلة دارفور حال امتناع السودان عن التعاون معها، كما أنها لا تستطيع إخطار مجلس الأمن حتى لو أحال المسألة إلى المحكمة.

والقول بغير ذلك يتعارض واستقلال المحكمة الجنائية المنصوص عليه في نظامها الأساسي، ومقتضيات المادة 2/ 3 من اتفاقية الارتباط بين المحكمة والأمم المتحدة التي تنص على احترام كل طرف لاختصاصات الطرف الآخر ونظامه الأساسي.

وأيا ما كان الأمر، فإن قرار المحكمة الجنائية كان بمثابة لحظة كاشفة في تاريخ الحياة السياسية في السودان، وقد تفاعلت معه كافة القوى السياسية الداخلية والإقليمية والدولية، وجعلت من الأزمة فاعلا أساسيا يتشابك مصيرها ويتداخل مع مسار ومصير الدولة السودانية في تلك اللحظة الحرجة من تاريخ البلاد، وهو المسار الذي يمكن أن يأخذ أحد المسارات التي سيرد ذكرها في الفصل القادم، الأخير.

آفاق التطورات السياسية في السودان
يمكن القول إن مسارات أزمة السودان مع المحكمة الجنائية الدولية يمكن أن تتخذ أحد المسارات التالية
:

ـ الخروج الطوعي أو القسري للرئيس البشير من الساحة السياسية السودانية، مع استمرار نظام حكم الإنقاذ بنخبته السياسية وتحالفاته.

"
إذا كانت جهود الوساطة لتسوية الشراع شاقة ومكلفة في الوقت الراهن، فإنها ستكون أشد وأبهظ تكلفة إذا اختار الجنوبيون الانفصال (وهو ما حدث)
"
ـ يمكن أن ترتبط لحظة حدوثه بتطورات مسار حق تقرير المصير بالجنوب، وما قد يتولد عنه من صراعات مسلحة، وهذه الصراعات المحتملة قد تدفع ناحية حدوث انقلاب عسكري أو ثورة شعبية تطيح بحكم جبهة الإنقاذ
.

وينطوي هذا المسار على مسارات فرعية، مثل أن يقوم النظام الجديد بعقد صفقة مع العالم الغربي بتسليم البشير أو محاكمته دوليا على أرض السودان نظير الاعتراف بالنظام الجديد، أو أن يتولى النظام الجديد محاكمة رموز نظام جبهة الإنقاذ، مع التنصل من كافة التزامات نظام الجبهة تجاه الجنوب.

ـ استمرار الحال على ما هو عليه دون تصعيد للقرار إلى مجلس الأمن، أو تصعيده، والحيلولة دون صدور قرارات جديدة في هذا الشأن، إلى حين إجراء استفتاء حق تقرير المصير.

ـ أن تنجح جهود الدول العربية والإسلامية الدبلوماسية والتنموية في استمالة قوى المعارضة الدارفورية وأهل دارفور إلى خيار السلام بخطة تنموية ومشاركة سياسية لكافة القوى الفاعلة على الساحة، وتحييد قوى الفتنة والإثارة بكافة السبل الممكنة.

ويرى المؤلف أنه إذا كانت جهود الوساطة لتسوية الشراع شاقة ومكلفة في الوقت الراهن، فإنها ستكون أشد وأبهظ تكلفة إذا اختار الجنوبيون الانفصال، بما قد يقدم نموذجا لجماعات المعارضة المسلحة في أنحاء البلاد، إلى حد قد ترفع سقف مطالبها، على نحو يجد النظام معه تكلفة المواجهة العسكرية معها أخف وطأة من الاستجابة إلى تلك المطالب.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك