عرض/أكرم كساب
صدر للداعية الإسلامي الدكتور يوسف القرضاوي كتاب تحت عنوان "الدين والسياسة"، والكتاب يتكون من مقدمة وخمسة أبواب، كل باب منها يشتمل على أكثر من فصل سوى الباب الأخير.

الباب الأول: يتكون من فصلين ويتعلق بتحديد المفاهيم، عن الدين والسياسة لغة واصطلاحا، ومفهوم السياسة عند الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، وعند المتكلمين والفلاسفة، ثم عند الغربيين.

والباب الثاني: عن العلاقة بين الدين والسياسة بين الإسلاميين والعلمانيين.
والباب الثالث: عن العلاقة بين الدين والدولة، عند الإسلاميين والعلمانيين.
والباب الرابع: عن العلمانية: أهي الحل أم المشكلة؟
والباب الخامس: عن الأقليات الإسلامية والسياسة.

تحديد المفاهيم 

-الكتاب: الدين والسياسة
-المؤلف: يوسف القرضاوي
-الصفحات: 245
-الناشر: دار الشروق, القاهرة
-الطبعة: الأولى/2007
في الفصل الأول يتناول القرضاوي تحديد مفاهيم كل من الدين والسياسة، وقد ذكر تعريفات عدة للدين عند العلماء السابقين لكنه لم يظهر للقارئ رأيه الخاص، رغم أنه اعترض على تلخيص الدكتور دراز لتعريف التهانوي.

لكنه أكد أن كلمة الدين لا تقتصر على الدين الحق -كما يشيع بعض الإسلاميين- واستدل على ذلك بقوله تعالى: "لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ" حيث اعتبر القرآن ما يعتقده الكفار من الشرك دينا. 

كما أكد القرضاوي أن كلمة الإسلام أوسع من كلمة الدين، إذ إن الدين جزء من الإسلام، وهو ضرورة من الضرورات الخمس التي جاء الإسلام لحفظها.

أما بالنسبة لكلمة السياسة فقد ذكر القرضاوي تعريفات عدة للسياسة، وأشار إلى أن كلمة السياسة لم ترد في القرآن مطلقا، لكنه رد على من يتوهم أن عدم ورودها يعني عدم اهتمام الإسلام بالسياسة فقال: ولا ريب أن هذا القول ضَرْب من المغالطة، فقد لا يوجد لفظ ما في القرآن الكريم، ولكن معناه ومضمونه مبثوث في القرآن.

وضرب مثلا لذلك بكلمة "العقيدة"، فهي لا توجد في القرآن ومع هذا مضمون العقيدة موجود في القرآن كله، ومثل ذلك كلمة "الفضيلة" فهي لا توجد في القرآن، ولكن القرآن مملوء من أوله إلى آخره بالحثِّ على الفضيلة، واجتناب الرذيلة.

ولتأكيد رسوخ مفهوم السياسة في الإسلام، دلل القرضاوي على ذلك بوضوح هذا المفهوم عند كل من الفقهاء إمام الحرمين من الشافعية، والقرافي من المالكية، وابن عابدين من الحنفية، وابن القيم وابن تيمية من الحنابلة. كما ذكر القرضاوي وضوح المفهوم عند الحكماء مثل ابن سينا والفارابي وابن مسكويه وابن خلدون.

العلاقة بين الدين والسياسة بين الإسلاميين والعلمانيين
وفي الباب الثاني أوضح القرضاوي العلاقة بين الدين والسياسة عند كل من العلمانيين والإسلاميين، فبينما يرى الإسلاميون ضرورة الارتباط بين الدين والسياسة لأدلة شرعية وتاريخية لديهم، منها: فكرة شمول الإسلام وتعاليمه، حيث إن الإسلام لم يدع جانبا من جوانب الحياة إلا تعهده بالتشريع والتوجيه.

"
للإسلام موقف واضح وحكم صريح في كثير من الأمور التي تُعتبر من صلب السياسة, فالإسلام ليس عقيدة لاهوتية أو شعائر تعبُّدية فحسب، إنه عقيدة وعبادة وخلق وشريعة متكاملة
"
ومنها: أن الإسلام يرفض تجزئة أحكامه وتعاليمه، وأخذ بعضها دون بعض. ومنها: أن الحياة وحدة لا تنقسم. فلا يمكن أن تصلح الحياة إذا تولى الإسلام جزءا منها كالمساجد والزوايا يحكمها ويوجهها، وتُركت جوانب الحياة الأخرى لمذاهب وضعية، وأفكار بشرية، وفلسفات أرضية، توجهها وتقودها.

أما العلمانيون: فيذكر الشيخ أنهم يرون العلاقة بين الدِّين والسياسة علاقة تضاد وتصادم، وأن الدِّين شيء، والسياسة خصم له، وأنهما لا يلتقيان.

فمصدرهما مختلف، وطبيعتهما مختلفة، وغايتهما مختلفة. فالدِّين من الله، والسياسة من الإنسان. والدِّين نقاء واستقامة وطهر، والسياسة خبث والتواء وغدر.

والدين غايته الآخرة، والسياسة غايتها الدنيا. فينبغي أن يترك الدِّين لأهله، وتترك السياسة لأهلها. وإزاء هذه الشبه المثارة وقف القرضاوي موقف المحامي البارع الذي يدافع عن قضيته التي يؤمن بعدالتها، ففند مزاعم العلمانيين، ولا أدل على ذلك من قوله "إن للإسلام موقفًا واضحًا، وحكمًا صريحًا في كثير من الأمور التي تُعتبر من صُلب السياسة. فالإسلام ليس عقيدة لاهوتية، أو شعائر تعبُّدية فحسب، إنه عقيدة، وعبادة، وخلق، وشريعة متكاملة".

وبعبارة أخرى: هو منهاج كامل للحياة، بما سنَّ من تشريعات، تتَّصل بحياة الفرد والأسرة والمجتمع، وأُسس الدولة، وعلاقات العالم. ومن قرأ القرآن الكريم والسنة المطهرة وجد هذا واضحًا كل الوضوح.

حتى إن قسم العبادات من الفقه ليس بعيدًا عن السياسة، فالمسلمون مُجْمِعُون على أن ترك الصلاة، ومنع الزكاة، والمجاهرة بالفطر في رمضان، وإهمال فريضة الحج مما يوجب العقوبة، والتعزير.

الدين والدولة في الإسلام
وفي الباب الثالث تحدث القرضاوي في ستة فصول عن علاقة الدين بالدولة في الإسلام، وأبان:

أولا: أن من حق الإسلام أن تكون له دولة، لأن هذه هي طبيعة الدين، كما أن التاريخ الإسلامي يقر بهذا فلم يعرف التاريخ دينا بلا دولة ولا دولة بلا دين.

وثانيا: أن من حق الإسلاميين أن يكون لهم حزب سياسي، وهذا الحزب في نظر القرضاوي: لا يرخص له بتكوين حزبه إلا بعد أن يقدم برنامجه، ويحدد فيه رؤيته ورسالته، ويبين أهدافه ووسائله، ومناهجه في إصلاح المجتمع من نواحيه المختلفة (اقتصادية واجتماعية وثقافية وتربوية وسياسية وأخلاقية... إلخ).

فإذا كان في هذا البرنامج دعوى الحكم بالحق الإلهي: رفض طلبه. ويرى القرضاوي أنه لا مانع من وجود حزب معارض للدولة الإسلامية مستشهدا بأن عليا سمح لجماعة الخوارج المعارضين لحكمه بأن يكون لهم وجودهم الحزبي والسياسي، مع أفكارهم المعارضة، بشرط أن لا يبدؤوا المسلمين بقتال.

"
حق الإسلام أن تكون له دولة، لأن هذه هي طبيعة الدين، كما أن التاريخ الإسلامي يقر بهذا فلم يعرف التاريخ دينا بلا دولة ولا دولة بلا دين
"
وثالثا: أن دولة الإسلام دولة مدنية مرجعيتها الإسلام، ومعنى "مدنية الدولة" كما يرى القرضاوي: أنها تقوم على أساس اختيار القوي الأمين، المؤهل للقيادة، الجامع لشروطها، يختاره بكل حرية: أهل الحل والعقد، كما تقوم على البيعة العامة من الأمة، وعلى وجوب الشورى بعد ذلك، ونزول الأمير أو الإمام على رأي الأمة، أو مجلس شوراها، كما تقوم كذلك على مسؤولية الحاكم أمام الأمة.

ورابعا: فدولة الإسلام دولة شورية تتوافق مع جوهر الديمقراطية، ويؤكد القرضاوي أن ما يعني الإسلاميين من الديمقراطية هو الجانب السياسي منها، وجوهره أن تختار الشعوب من يحكمها ويقود مسيرتها، ولا يفرض عليها حاكم يقودها رغم أنفها.

وخامسا: فهي دولة تحافظ على حقوق الأقليات الدينية، فاليهود والنصارى أهل ذمة أو أهل دار الإسلام وبمعنى آخر: هم مواطنون. وما يتعلق بهم من شبهات فهي مجرد أوهام لا تقف على قدم ولا ساق.

فالجزية لا مانع من تغيير اسمها، وإن كانت هي ضريبة مقابل الجهاد والدفاع عن الدولة فلا مانع، وتلغى إن اشترك أهل الكتاب في الدفاع عن الوطن كما هو الحال الآن حيث أصبح التجنيد إجباريا.

وسادسا: فهي دولة تهتم بحقوق الإنسان، ويؤكد هنا القرضاوي أنه لا يوجد دين كالإسلام عُني بالإنسان، وقرَّر أن الله كرمه، وأنه جعله في الأرض خليفة، وأنه سخر له ما في السماوات وما في الأرض، وأنه خلقه في أحسن تقويم. كل هذا من كرامته على الله سبحانه.

كما يؤكد الشيخ أن الإسلام جعل حقوق الإنسان في معظم الأحيان فرائض وواجبات، إذ الحق يجوز للإنسان أن يتنازل عنه، أما الفرض والواجب اللازم، فلا يجوز فيه ذلك وخاصة حقوق الضعفاء لدى الأقوياء.

العلمانية: هل هي الحل أو هي المشكلة؟
وفي الباب الرابع يطرح القرضاوي هذا السؤال، ويخلص في الفصل الأول من هذا الباب إلى أن العلمانية ليست حلا في مجتمعاتنا الإسلامية، كما يزعم العلمانيون، لأن العلمانية عندما قامت في الغرب كان ذلك لأسباب تاريخية، تتمثل في تحكُّم الكنيسة الغربية ورجالها في الدولة، وفي حياة الناس، وتسلطها عليهم في الأرض باسم السماء، وليس من حق أحد أن يحاسبهم أو ينتقدهم، فلهم من القداسة ما يحول دون ذلك.

"
العلمانية ليست حلا في مجتمعاتنا الإسلامية كما يزعم العلمانيون، لأن العلمانية عندما قامت في الغرب كان ذلك لأسباب تاريخية تتمثل في تحكُّم الكنيسة الغربية ورجالها في الدولة وفي حياة الناس
"
وللتدليل على ما ذهب إليه الشيخ استشهد بكلام اثنين من كبار المفكرين، الأول: عابد الجابري الذي يقول: إن العلمانية طرحت في بعض المراحل لأسباب لم تعد قائمة اليوم.

والثاني أحمد كمال أبو المجد الذي يقول: والقوميون العرب مطالبون فوق ذلك بإسقاط الدعوة إلى "علمنة القومية". وموضوع "العلمانية" موضوع دقيق ويحتاج إلى دراسة مستقلة. والعلمانية مصطلح نلح بشدة على تغييره والعدول عنه، لشدة غموضه أولا، ولاشتماله على إيحاءات غير صحيحة تتعلَّق بالتقابل والتناقض بين الدِّين والعلم.

وفي الفصل الثاني من هذا الباب وتحت عنوان "ليست هناك علمانية إسلامية" رد القرضاوي على أحد الليبراليين الجدد، الذي يزعم أن هناك علمانية إسلامية، وقال ساخرا من هذا الكاتب: ولا أدري كيف تكون العلمانية إسلامية؟! هل يقبل أن نقول: الشيوعية الإسلامية؟!! أو اللادينية الإسلامية؟!

ثم يعود القرضاوي إلى تعريف العلمانية ليظهر للقارئ أن مصطلح "علمانية إسلامية" ليسا مقبولا أبدا، فيقول: إن العلمانية معناها: فصل الدِّين عن الدولة، بل فصل الدِّين عن حياة المجتمع، بحيث يبقى المجتمع معزولا عن الدِّين وتوجيهاته وتشريعاته، فهذا هو مفهوم العلمانية المعروف عند الناس في الشرق والغرب. فكيف يكون هذا المفهوم إسلاميا؟

الأقليات الإسلامية والسياسية
وفي الباب الخامس والأخير يتحدث الشيخ عن "الأقليات الإسلامية والسياسية في الغرب" بعد أن تحدث عن الأقليات الدينية في بلاد الإسلام، ويرى القرضاوي أن من الخير للمسلمين، ومن الخير للغربيين أن يكون هناك وجود إسلامي في الغرب، يتعامل الغربيون معه مباشرة دون وسيط.

ولا يمانع القرضاوي في الوجود الإسلامي في الغرب بل يراه جائزا ويتفق مع عالمية الرسالة الإسلامية، ويتفق مع تقارب العالم الذي أمسى قرية واحدة، ويتفق مع مسعى العقلاء من الغربيين المسلمين والغربيين إلى التفاهم والتقارب وإزالة الجفوة، والتحرُّر من رواسب التاريخ، والعمل على إقامة تعايش مشترك، يقوم على التسامح لا التعصب، والتعارف لا التناكر، والحوار لا الصدام، والتعاون لا التشاحن.

ويرى الشيخ في نهاية هذا الباب أن الحضور السياسي للأقليات المسلمة لا بد منه، لأن السياسة أصبحت تتدخل في كل شيء، وإذا تركنا السياسة، فإن السياسة لا تتركنا.

"
من الخير أن يدخل الدِين في السياسة فيوجهها إلى الحق ويرشدها إلى الخير ويهديها سواء السبيل، ومن الخير كذلك أن تدخل السياسة في الدِين، لا لتتخذه مطية تركبها أو أداة تستغلها بل لتجعله قوة هادية تضيء لها الطريق
"

خاتمة الكتاب
ويختم الشيخ القرضاوي كتابه هذا بوجوب وخيرية دخول الدين في السياسة، والسياسة في الدين، فيقول: من الخير أن يدخل الدِّين في السياسة فيوجهها إلى الحق، ويرشدها إلى الخير، ويهديها سواء السبيل، ويعصمها من الغرور بالقوة، والانحراف إلى الشهوات، ويمد أصحابها بالخشية من الله، ولا سيما أن السلطة تغري بالفساد، والقوة تغري بالفجور والطغيان.

ومن الخير كذلك أن تدخل السياسة في الدِّين، لا لتتخذه مطية تركبها، أو أداة تستغلها، ولكن لتجعله قوة هادية تضيء لها طريق العدل والشورى والتكافل، وقوة حافزة تبعثها لنصرة الحق، وفعل الخير والدعوة إليه، وقوة ضابطة تمنعها من اقتراف الشرور، والإعانة على الفجور.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك