عرض/ زياد منى

في عام 2007 كنا نشرنا في هذا الموضع مراجعة لسفر داريوس رجالي (الديمقراطية والتعذيب)، الذي يبقى، في مجاله، أوسع عمل مرجعي، بل الموسوعة عن التعذيب وكل ما يتعلق به.

الكتاب الجديد الذي بين أيدينا يتناول الموضوع من منظورات متعددة. وهو في الوقت نفسه مجموعة من المداخلات أو المحاضرات ألقيت في لقاءات علنية بلغ عددها 12، نظمتها جامعة كاليفورنيا –سانتا باربارا، تحت عنوان "التعذيب والمستقبل" امتدت من يناير/كانون الثاني إلى مايو/أيار 2007.

-الكتاب: مقالات في التعذيب
-العنوان الأصلي: Speaking About Torture
-المؤلف: مجموعة من العلماء
-تحرير: جولي كارلسن، إلِيزَبِث فيبر
-عدد الصفحات: 374
-الناشر: دار نشر جامعة فُردهَم
-الطبعة: الأولى/ 2012

تم اختيار المواد لتناسب نقاشات محاضرات ذلك العام التي تركزت في مسائل حرجة في أميركا. الهدف من وراء ذلك الاختيار أن التعذيب أضحى سياسة رسمية معتمدة في الولايات المتحدة الأميركية، وكان من نتائج تلك النقاشات تبيّن حقيقة مفجعة هي أن التعذيب يلقى ترحيبًا واسع النطاق في تلك الدولة، وفي الوسط الأكاديمي على وجه الخصوص.

والهدف من مناقشة الموضوع هو تقصي وفهم واجتراح إجابات من منظور العلوم الإنسانية للولايات المتحدة الأميركية و(نحن). وهذا الكتاب لا يضم كل ما ألقي من مداخلات ونشاطات ضمت محاضرات ومؤتمرات دولية امتدت طوال يوم كامل وأعمال فنية ونقاشات "مائدة مستديرة" بمشاركة من طلاب الجامعة وأكاديميين يعملون فيها.

بجمع المحاضرات ذات العلاقة نجد أمامنا أول كتاب يتعامل مع مسألة التعذيب من عدة مقاربات في مجال العلوم الإنسانية: الفلسفة، والتحليل الأدبي، والتاريخ، والفيلم ووسائل الإعلام، وعلم الموسيقى وتاريخ الفن. فبحسب محررتي الكتاب، لا يمكن التعامل مع مسألة التعذيب بمعزل عن الأخذ في الاعتبار الاعتداء على الحقيقة، والذاكرة، والذاتية، واللغة التي تنظِّر لها العلوم الإنسانية والتجربة التي تخلدها. إضافة إلى ذلك، تضيف محررتا الكتاب: هذه السرديات أساس في صياغة الإسكات والشيطنة التي تصاحب ممارسة التعذيب وتصويره.

والهدف من الكتاب توضيح أهمية أدوار تقصيات العلوم الإنسانية في وضع القوانين ذات العلاقة والدفاع عن سياسة منع ممارسة التعذيب.

الكتاب، دومًا بحسب محررتيه، موجه لأهل الاختصاص والعامة في الوقت ذاته. وتكمن أهميته في إثارة الانتباه والاهتمام بتبعات ممارسة التعذيب على المناهج العلمية والأكاديمية. فسكوت المربين عن ممارسة التعذيب، أو تأييده علنًا، في دولة ما يعني أنهم بذلك يبعثون برسالة مدمرة ليس إلى طلابهم فقط ولكن إلى المجتمع على نحو عام.

والكتّاب، عبر مختلف المقالات، يوضحون أن التعذيب لا يوصل إلى الحقيقة ولا يضمن العدالة أو الأمن. بل إنهم يوضحون في كتاباتهم، تورط أهل الفن وعلماء الإنسانيات في جريمة التعذيب عبر صمتهم، بأشكاله المختلفة.

المنهجية
محررتا الكتاب قسمتاه إلى أربعة أجزء، يضم كل منها مجموعة من المحاضرات أو المقالات. القسم الأول: الولايات المتحدة الأميركية تمارس التعذيب. القسم الثاني: أحاديات الشهود، وشارك فيه كتاب ألمان عن التعذيب في العهد النازي، إضافة إلى إسهام العراقي سنان أنطون، وسنعود إليه لاحقًا. القسم الثالث: تعدّ إحفيري (تصويري)، حسي بحمولة زائدة عن الحاجة، ويتضمن مقالات عن الرسم ضد التعذيب، والتعذيب وتمثله. القسم الرابع: التعذيب بالماء: التعذيب السياسي والقدسي، إفقاد الذاكرة، طقوس الهيمنة الذكورية: السينما والتعذيب في الشرق الأوسط كتبته فيولا شفيق (وسنعود إلى هذا لاحقًا)، الموسيقى والتعذيب آثار الصوت والإحساس، وأخيرًا: تحويل لغة الأحاسيس إلى سلاح. أما القسم الخامس والأخير فهو: إلغاء السرية عن الكتابات.

اختيار قاعدة غوانتانامو ألغى المكان، فهو غير متوافر القوانين المعمول بها، وهي بالتالي لا تسري على من فيه

من غير الممكن كتابة كل ما يحويه الكتاب ضمن الحيز المتوافر لنا هنا، لكن يمكننا ذكر بعض الأمثلة التي أوردها مختلف الكتاب عن المقصود بتأثيرات التعذيب في مختلف مناحي الحياة.
لنأخذ على سبيل المثال اللغة، حيث تحول الآخر، من منظور إدارة بوش "محارب غير قانوني".

هذا التأثير اللغوي سمح بإلغاء الآخر تمامًا حيث أمكن التعامل معه كما يريد المحقق. اللغة نفسها تغيرت لتناسب ممارسة التعذيب (بحسب وزير الدفاع آنذاك دِك تشيني: باستخدام وسائل .. في الظلام .. تتيح لنا الوصول إلى الحقيقة .. وبالتالي إلى الأمن..). هذا سمح أيضًا باختطاف البشر، من دون أي تهمة، ثم نقلهم إلى قواعد سرية في مختلف أنحاء العالم، ومن ثم إلى دول عربية يمارس فيها التعذيب على المعتقلين، المنفي وجودهم أصلاً.

واختيار قاعدة غوانتانامو ألغى المكان، فهو غير تابع للقوانين المعمول بها، وهي بالتالي لا تسري على من فيه.

ما يخص بلادنا العربية ودور الفن في تصوير التعذيب، فقد أشارت فيولا شفيق إلى العديد من الأعمال التصويرية ومنها على سبيل المثال الإنتاجات التونسية (نوري بوزيد: صفائح من ذهب 1989)، و(منصف ديوب: سلطان المدينة 1992)، و(جيلاني سعدي: عرس الذيب 2006)، والسورية (نبيل المالح: الكومبارس 1993) و(محمد ملص: الليل 1991)، و(عبد اللطيف عبد الحميد: خارج التغطية 2007) وغيرها حيث رأت أنها تنقل تجربة التعذيب وتجعل المشاهد يتفاعل، جسديًّا عبر الإحساس بالألم.

فيولا ترى علاقة بين الألم الناتج من التعذيب وطقوس الهيمنة الذكورية/الجنسية، التي كثيرًا ما يشاهدها المرء في كثير من أفلام هوليوود، والتي خصص لها جاك شاهين سِفرين مهمين سرد فيهما صورة العرب في نحو تسعمائة فيلم من إنتاج هوليوود، قبل 11 سبتمبر/أيلول وبعده.

وقد ذكرت فيولا شاهين مجموعة من الأفلام التي ساهمت في قبول المواطن الأميركي لتعذيب العربي/المسلم والقضاء عليه، وعد ذلك أمرا طبيعيا. ومن الأفلام التي خصتها فيولا بالذكر (سأذكر أسماءها الأصلية الإنجليزية)، اعتمادًا على كتابي جاك شاهين، اللذين صدرا في الولايات المتحدة، (Hell Squad 1985, The Delta Force 1986, Killing Streets 1991, Back to the future 1985, True lies 1994). وتشير إلى أفلام أخرى قليلة، لم تصور العربي على أنه إرهابي يستحق كل ما يرتكب بحقه بل نقلت صورة إيجابية إلى حد ما وتخص بالذكر الأفلام (The 13th Worrier 1999, The Siege 1998, The Three Kings 1999, Syriana 2005, Rendition 2007) علمًا بأن الأول عن ابن فضلان.

من الممكن استيعاب التعذيب الجسدي لأن تأثيره ووقعه متوقعان، أما التعذيب النفسي، عبر استخدام الموسيقى، فقد كان مدمرًا، حيث تختط طريقًا مختصرًا لتدمير الذات الإنسانية

أما استخدام الموسيقى في التعذيب فقد أورد الكتاب تجربة بنيام محمد وروحال أحمد اللذين تعرضا لأصناف تعذيب مختلفة، جسدية ونفسية. وقد أكد كلاهما أنهما تمكنا من استيعاب التعذيب الجسدي لأن تأثيره ووقعه متوقعان، أما التعذيب النفسي، عبر استخدام الموسيقى، فقد كان مدمرًا، حيث تختط طريقًا مختصرًا لتدمير الذات الإنسانية.

بالعودة إلى تأثير التعذيب في اللغة والأدب، فقد أورد بعض المساهمين أمثلة إضافية منها على سبيل المثال وصف إدارة الرئيس جورج بوش الابن، على لسان وزير دفاعه دِك تشيني، التعذيب بأنه سيوصل المحقق إلى الحقيقة، وبأن معرفة الحقيقة ستوافر الحماية للأميركيين، متذكرين وصفهم أسرى العدوان الأميركي/الأطلسي على أفغانستان بأنهم "محاربون غير قانونيين"، وبالتالي فلا وجود لهم، وهذا ما يسمح للإدارة بممارسة مختلف أصناف التعذيب، وبرفض التقيد بالمعاهدات الدولية بخصوص الحرب ومناهضة التعذيب، التي أكدت وزارة الخارجية الأميركية وقتها أهمية التقيد بها لضمان دور البلاد الريادي العالمي، وسمعتها.

مرة أخرى، عودة إلى اللغة والأدب: لقد منع القائمون على معتقل غوانتانامو نشر الشعر الذي كتبه بعض المعتقلين باللغة العربية أو بلغة البشتو، من منطلق أنه يشكل تهديدًا لأمن الولايات المتحدة الأميركية، وما رشح من المعتقل لم يكن باللغة الأصلية وإنما بالإنجليزية. وهكذا، تصبح اللغة سلاحًا في التعذيب. ولأن الترجمات مرت عبر الرقيب العسكري، فقد أفقدت صاحبها شخصيته وذاكرته. فعلى سبيل المثال، صادرت سلطات معتقل غوانتانامو 25000 بيت من الشعر كتبها شيخ عبد الرحيم مسلم دوست في المعتقل، ولم تسلمه سوى بضعة أسطر مترجمة إلى الإنجليزية عندما أطلق سراحه.

وفي مجال تأثير التعذيب، الفردي والجماعي، في اللغة، يرى البعض عدم مقدرة الشعب الفلسطيني على التعامل مع النكبة وآثارها ومحاولة الهروب من آثارها النفسية، مع إشارة إلى ديوان محمود درويش "في حضرة الغياب" وتحليل رسالته.

سنان أنطون كتب عن تأثير صور التعذيب في سجن أبوغريب في العراق (2004)، وأشار إلى المقالات الكثيرة التي نشرت في العالم العربي عن المادة، بخلاف ما ظهر في الغرب. كما حلل بعض شعر كل من العراقيين سعدي يوسف وسركون بولس وكيفية محاولتهما التحايل على الألم وجعل الضحية تتكلم.

أما عن تأثير التعذيب في الفن فإن صور أبوغريب تلغي الإنسان، وينعكس ذلك أيضًا في لوحات فرناندو بوتيرو الشهيرة، حيث يتحول البشر إلى جسد بلا روح، تمامًا، كما عُرف عند النازيين، أي: مُسلِم (Muselmann) الذي كانوا يطلقونه على الإنسان المعتقل غير القادر على إنجاز أي عمل بما في ذلك الشرب والأكل والحركة... إلخ، بعد خضوعه للتعذيب على أيدي محققي ذلك النظام المجرم.

الكتاب مهم لأنه الوحيد، كما نظن، الذي يحوي إسهامات عن مادة التعذيب من زوايا مختلفة، مرفقة بأمثلة حية كثيرة، لا تزال تتجلى أمام أعيننا، ويظهر تأثيره المدمر على الفرد والمجتمع

أما حمدي دبشي فقد كتب "إلغاء الذاكرة" عن ممارسة التعذيب في إيران ورسالة مهدي كروبي إلى أكبر هاشمي رفسنجاني عن الموضوع، وتأثير التعذيب في المجتمع والدولة وسمعتها، واعتراف الرئيس أحمدي نجاد بممارسته ومطالبته بوقفه (الجهات التي تمارسه تتآمر على الجمهورية الإسلامية).

وعن علاقة التعذيب بالفن هناك حلل فيلم إيراني غير معروف تقريبًا هو (ك/ K) أخرجه شوجا أزاري عام 2002، ويرتكز على ثلاث قصص لفرانس كافكا.

ملخص هدف الكتاب، إضافة إلى ما ذكرناه آنفًا ضرورة مساءلة نتائج استخدام التعذيب على العمل الأكاديمي والتربوي. فالسكوت المباشر أو الضمني عن ذلك يؤثر في المجتمع وفي الأجيال القادمة، ويؤدي إلى قبول المجتمع بهذه الممارسات اللاإنسانية، وما يترتب على ذلك ويقود إليه.

المؤلف المكتوب بلغة أكاديمية، مهم لأنه الوحيد، كما نظن، الذي يحوي إسهامات عن مادة التعذيب من زوايا مختلفة، مرفقة بأمثلة حية كثيرة، لا تزال تتجلى أمام أعيننا، ويظهر تأثيره المدمر، ليس في الفرد فقط وإنما أيضًا في المجتمع.

كما تكمن أهميته في أنه يوضح علاقة مختلف فروع العلوم الإنسانية بالتعذيب وتأثيرها في القوانين المتعلقة به. كما يوضح تأثير التعذيب، طبعًا السلبي، بل والتدميري، في العلوم الإنسانية بأمثلة كثيرة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك