من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي. أنا باكورة اليمن، وأحدوثة الزمن. أنا أدعية الرجال، وأحجية ربات الحجال. سلوا عني البلاد وحصونها، والجبال وحزونها، والأودية وبطونها، والبحار وعيونها، والخيل ومتونها. من الذي ملك أسوارها، وعرف أسرارها، ونهج سمتها، وولج حرتها.

سلوا الملوك وخزائنها، والأغلاق ومعادنها، والعلوم ومواطنها، والخطوب ومغالقها، والحروب ومضايقها. من الذي أخذ مختزنها، ولم يؤد ثمنها. ومن الذي ملك مفاتحها، وعرف مصالحها.

أنا والله فعلت ذلك. أنا والله شهدت حتى مصارع العشاق.

صاحب المقامات ومبتكرها هو أبو الفضل أحمد بن حسين بن يحيى، ولقبه بديع الزمان. ولد في همذان، عام 358 هجرية.

عاني بديع الزمان الهمذاني كثيراً في حياته حتى قال لنفسه متألماً: يا أبا الفضل، ليس هذا بزمانك، وليست هذه بدارك، ولا السوق سوقك. بئست الكتب وما وسقت، والأقلام وما نسقت، والمحابر وما سقت، والأسجاع إذا اتسقت، واللوم ولا هذي العلوم.

والمقامة هي قصة تدور أحداثها في مجلس واحد، لها راوي هو عيسى بن هشام، ولها بطل، هو أبو الفتح السكندري وأبرز میزاته أنه واسع الحيلة ذو مقدرة في العلم والدين والأدب، وهو شاعر وخطيب، يتظاهر بالتقوى ويضمر المجون، ويتظاهر بالجد ویضمر الهزل، وهو يبدو غالباً في ثوب التاعس البائس إلا أنه في الحقیقة طالب منفعة.

يتنكر البطل أبو الفتح السكندري في كل مرة من أجل أن يحتال وينصب ويغدر، يرتدي أقنعة عديدة تخدع أقرب الناس إليه
فهو ناقد أديب كما في المقامة القريضية.

ولو شئت للفظت وأفضت. ولو قلت لأصدرت وأوردت. ولجلوت الحق في معرض بيان يسمع الصم وينزل العصم.

وأحياناً نراه بائع دواء كذاب كما في  المقامة السجستانية

ولابد لي أن أخلع ربقة هذه الأمانة من عنقي إلى أعناقكم. وأعرض دوائي هذا في أسواقكم. فليشتر مني من لا يتقزز من موقف العبيد .

أو هارب بدينه من بلاد الكفر كما في المقامة القزوينية.

وقد تركت وراء ظهري حدائق وأعناباً. وكواعب أتراباً. وخيلاً مسومة. وقناطير مقنطرة. وعدة وعديداً. ومراكب وعبيداً. وخرجت خروج الحية من جحره. وبرزت بروز الطائر من وكره. مؤثراً ديني على دنياي. جامعاً يمناي إلى يسراي.

أو محترف شتائم كما في المقامة الدينارية.

"يا وطأ الكابوس. يا تخمة الرؤوس. يا ثقل الدين. يا سمة الشين. يا منع الماعون. يا سنة الطاعون. يا بغي العبيد. يا آية الوعيد.

أو مجنون متنبيء كما في المقامة المارستانية

أنا ينبوع العجائب .. في احتيالي ذو مراتب .. أنا في الحق سنام .. أنا في الباطل غارب .. أنا إسكندر داري .. في بلاد الله سارب .. أغتدي في الدير قسيساً.. وفي المسجد راهب"

قال الإمام محمد عبده عنه "فقد عرف الناظرون في كلام العرب. وشهد السالكون في مناهج الأدب. أن الشيخ أبا الفضل أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد الهمذاني قد طبّق الأفاق ذكره. وسار مثلاً بين الناس نظمه ونثره. فله الرسائل الرائقة. والمقامات الفائقة. والقصائد المؤنقة. وله المعاني العالية. في العبارات الحالية. والأساليب الساحرة. للألفاظ الباهرة".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك