عرض / عبد الرحمن الشهري

مع التطورات والمراجعات الفكرية التي أعقبت وتزامنت مع أحداث الربيع العربي -ولا تزال- تصدرت مطالب الشعوب الثائرة المطالبة بـ"الديمقراطية"، ورغم ذلك فإن هذا المطلب الأبرز ما زال غائم الرؤية وعصيا على الفهم لدى البعض.

- الكتاب: الديمقراطية.. الجذور وإشكالية التطبيق
- المؤلف: محمد الأحمري
- عدد الصفحات: 287
- الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر
- الطبعة: الأولى/ 2012

ويأتي كتاب "الديمقراطية.. الجذور وإشكالية التطبيق" للدكتور محمد الأحمري ليناقش أبرز وأهم القضايا حول مفهوم الديمقراطية ونشأتها وبعض تطبيقاتها. والكتاب يحوي تفاصيل وموضوعات كثيرة، منها التعريف بالديمقراطية والديمقراطيين, وأنماط الديمقراطية ونشأتها، والديمقراطية في التاريخ الإسلامي, ثم مناقشات للمتخوفين من الديمقراطية وأعدائها, والديمقراطية والقبيلة, ودواعي البحث عن الديمقراطية ومعوقاتها، ثم الرد على أسلمة الاستبداد, ثم العلمانية والدين والديمقراطية.

وينقب المؤلف في الثقافة العربية بشكل عام والتراث الإسلامي بشكل أخص وأعمق، فيسبر أغواره بين أقوال المتقدمين والمتأخرين من فقهاء الصحابة إلى الجويني وابن حزم وابن تيمية وابن رشد ثم الطاهر بن عشور ومحمد عبده والأفغاني وابن عثيمين والقرضاوي، وتارة يطرح أقوال فلاسفة الغرب ومفكريهم كأفلاطون وراسل وجونز ثم توكفيل وغيرهم.

الدكتور الأحمري من أبرز مفكري الخليج العربي الذين نظّروا للديمقراطية والحرية, وكان من أشد خصومه التيار السلفي السعودي المعروف بحدته مع مخالفيه, الأحمري -وهو ابن الحركة الإسلامية- يعد من قلائل الإسلاميين الذين استقلوا بآرائهم المخالفة للسائد في الخليج العربي، ودافعوا عنها بجرأة في سبيل الإصلاح السياسي والمجتمعي والديني.

يقول الأحمري "للأسف نجد أنفسنا مأسورين في الكتابة الفكرية بثقافة المتلقي وطريقته, وما تعوّده ليس فقط بالحقيقة التي نكتب عنها, ولأنه لابد من تقديم الحقيقة وتقدير ثقافة المتلقي, فقد حاولت أن أجمع عبر هذه الصفحات بين ما أعتقده حقا تتجه إليه الضرورة وتأمر به العقول والأفهام, والممارسات التي هي حصاد مسيرة بشرية, وحصاد عقل الإنسان عبر العصور, فإني قضيت وقتاً لإقناع المتلقّي بجعل ثقافته تتجاوب عبر مفاصل مهمة في تاريخه وفكره مع هذه المكاسب البشرية العظمى, وأهم من ذلك إعادة اكتشاف حقيقة ما عنده وما غطّته عصور من الاستبداد من ثقافة أصيلة فطرة وممارسةً.

ولأننا –نحن المسلمين– نحمل على ظهورنا تراثاً عظيماً نقدس منه ما لا يُقدَّس, ونستسلم له في مسيرة غير واعية بسبب الخوف عليه, والخوف من الانحراف عنه, والخوف من خصوم لنا أغوَونا عنه, فقد أصبحت وثيقة الدخول لنقاش قضايانا الخوف على التراث, وأيضاً الخوف من مستخدمي شعار التراث ضده, وبجانبهم: الخوف من الاستسلام للتراث.

والخلاصة.. خذ معك سلاح الخوف على التراث, والخوف من التراث, لأنك ستدخل ميداناً ملغماً بالمهاجمين والمدافعين, فإما أن تختار جبهتك قبل الدخول, لتكون آمنا في فسطاط من فسطاطيْ المتحاربين, وإلا فإنك موضع تهمة من سكان الميدان ووجودك فيه خطأ, ومعالجتك دائماً خطأ لأنك بلا مشجع ولا معين, ولا صفّ ينصف ولا يصطفّ".

الديمقراطية والفطرة السوية
في نحو عشرة فصول يطرح الأحمري أفكاره حول الديمقراطية، بداية من تاريخ نشأتها، حيث يؤكد أن نشأة الديمقراطية ليست يونانية ولا رومانية ولا أميركية، بل هي تراث إنساني يتشكل في أي مجتمع قد يطورها ويُحسنها فيُجيد أو يُسيء بحسب ثقافته, فهي -أي الديمقراطية- ذات ارتباط وثيق بالفطرة الإنسانية في المجتمعات السوية, فالمطالبة بها للحصول على حق المشاركة وإبداء الرأي في حقيقتها هي عودة إلى الفطرة السليمة, والقبول بالاستبداد نكوص عن الفطرة السوية، وهو نتيجة لما طرأ على هذه المجتمعات وطغى عليها من شوائب الفساد ومطارق الحروب فضعفت وانتكست فطرها".

ويقول المؤلف إن "المجتمعات الفطرية ذات العدالة والحرية والتقارب الاقتصادي مجتمعات ديمقراطية جداً, ويستوي فيها مجتمع المهاجرين المؤمنين ومجتمع العرب البسيط الذي لا يقبل بالتعالي, وما يسميه ابن رشد "سياسة الكرامة", لذا يندر أن يوجد (الاستبداد) في أمة بسيطة, فهناك مجتمع بغاة وطغاة مالاً وبحثاً عن المجد والكرامة الفردية ويستغلون تعقيد المجتمع, وهذه مرحلة نسميها مرحلة فساد بين مجتمعين: مجتمع على فطرته, ومجتمع يستعيد فطرته ومساواته وحريته, الاستبداد خلل بين صوابين.. ثم يضيف: أحرار الناس لا يستطيعون التسليم المطلق لأي حكومة, فهم يرون في التسليم لها خرقاً من خوارق المروءة, نعم يستجيبون للسلطة وللقوة كتنظيم أو كضرورة, ويتعاملون معها بما يناسب اللحظة, ولكن كرامتهم تأبى توغُّل السُّلطة إلى القلب, فضلا عن أن يبحثوا لها عن مبرّر عقلي".

للديمقراطية أثر كبير في التطور المعرفي والعقلي, فالحرية والاختيار للقيادات وامتحان ذوي المسؤوليات، وتماثل دور الأفراد وقربهم من المجتمع، يسمح للفرد وللجماعة بالرقي نحو المعرفة ونضوج الفكرة واللغة

الديمقراطية مناقب ومثالب
المؤلف يقدم الديمقراطية على أنها النظام الأمثل لكل المجتمعات ويورد عيوبها ومناقبها، ومما قاله أن "من عيوبها أنها تمرر رأي الأغلبية ضد الأقلية, وقد تكون الأقلية على صواب, فتكون بمثابة دكتاتورية الأغلبية ضد الأقلية, حتى رآها بعضهم مصدر تهديد.. إلا أن الديمقراطية تضمن للأقلية أن توصل صوتها.. لذا كان وصفها بأنها عملية مستمرة وصفاً أدق, وهي عملية مستمرة في التصحيح الذاتي, وتتخلى في طريقها عن العيوب التي يلصقها الإنسان الطامح بالمثاليات, فإنه وبعد الخلاص من عيوب إنسان تبدأ عيوب إنسان آخر, وبعد عيوب ظرف تبدأ عيوب ظرف آخر, ولهذا فالرائع فيها كونها إنسانية تضعف وتقوى بحسب إنسانها, وتتخلى عن عيوبها بقدر شجاعة رجالها, وعدم قطعيتها هو ذخرها الكبير".

يُشير الأحمري إلى أن للديمقراطية أثرا كبيرا في التطور المعرفي والعقلي، فالحرية والاختيار للقيادات، وامتحان ذوي المسؤوليات، وتماثل دور الأفراد وقربهم من المجتمع، يسمح للفرد وللجماعة بالرقي نحو المعرفة ونضوج الفكرة واللغة, ويصنع المجتمع الراقي بوعيه لقضاياه وسلوكياته, فيرتفع في مدارج الوعي والعقل, حيث لا يمكن لقدرات الإنسان الذهنية أن تنمو في أجواء الاستبداد, ولا يتمتع المجتمع بنتاج وعيه ومعرفته إلا حيث يجد الجميع كرامة المشاركة في صنع مستقبلهم المشترك.

الحكم الرشيد والديمقراطية
يرى الأحمري أن الحُكم الرشيد أو الخلافة الراشدة كانت في طريقها إلى الديمقراطية أو إلى أفضل ما يمكن للفرد والمجتمع، قبل تحولها إلى نظام وراثي، إذ يقول إن "أهم ما يمكن لعالِم أو دارس لمرحلة الراشدين أن يلحظه هو أنها مرحلة بحث دائم عن الرشد, وأن إيقاف سنتهم في البحث عن الرشد مخالفة للرشد الذي سنّوه, فالبحث في طرق جديدة هو هديهم, والجمود على فعلهم مخالفة لطريقتهم..، ليس هناك من مبرر لعاقل أن يحتج بأن الخلافة كانت نظاما قطعياً ونهائيا لا خلاف عليه ولا عيب فيه, بل كلنا يعلم أن الراشدين الأربعة قتل منهم ثلاثة, وأن النظام لم يستمرّ, وهو في الحقيقة كان محاولة لإقرار نظام وللبحث عنه, وليس خطوة نهائية، فإن كان هناك من إجماع للصحابة في مسألة الخلافة فهو إجماع على البحث عن أسلم الطرق لانتخاب الحاكم وتداول السلطة والمال, من دون أن يُبتز أو يتميز أحد, وجهود الصحابة ممن نعرف أنهم كانوا من النقّاد للنظام الراشدي أو انتقدوه يدل نقدهم لنظامهم على أنهم يبحثون عن خير طريق, ولم يروا في ما تم نهاية الطريق ولا نهاية الخير".

مبدأ الحرية قبل تطبيق الشريعة
يتساءل المؤلف قائلاً: "من كان غارقاً في الظلم منهوباً ومستبَداً برأيه وبقراره كيف نطالبه ونطلب منه تطبيق الأحكام الشرعية وهو معدوم الحرية؟ ويغوى عن حقيقتها؟ تقام الحدود هنا وهناك, أو مظاهر إسلامية وحقيقة طاغوتية, يرافق ذلك تأليه الحاكم لنفسه واستعباد العباد! لذا كان مبدأ الحرية قبل تطبيق الشريعة مبدأً شرعيا جوهريا..، حين تُقدم لهم الشريعة بأنها طاعة وعبودية للحاكم, واحتقار وانتهاك للأمة, وهنا أقصي أساس التشريع وهو تحرير الإنسان من الوثنيات المستبدة به قبل مطالبته بالحدود, لأن الحدود استُغلت وسيلة لجعله عبدا مطيعاً للحاكم، ولانتهاك كرامة الأمة وأعيانها بحجة أنهم يطبقون الشريعة".

التدين الفاسد يتمسك بالسلطة الفاسدة وتتمسك هي به, ولهذا كان لابد من الفصل بين الدين والحكومة, كما نفصل جميع السلطات

هل يحمي الحاكم الفرد الشريعة؟
ويضيف المؤلف أنه "بسبب البعد الطويل وعدم الاطلاع الكافي على تجارب الأمم، يتوقع بعض الناس أن الحاكم المستبد يمكنه أن يحمي ديناً أو شريعة, وهذه من الأوهام, نعم إنه يحفظ من الدين ما يحميه هو ويديم جوره، ويؤكد ممارسة الجوانب القانونية التي توطد سلطته, فتصبح الشريعة أحد الخدم في قصره, وسرعان ما يغدر بأي شريعة تعوق فساده وهواه..، إن الذين يحرمون الأمة من حقها السيادي في اختيار حاكمها وتقرير مصيرها إنما يصنعون مجتمعاً قابلاً للاغتصاب, وقابلاً لأن تصادر حقوقه, ومصادرة حقوقه بإخراجه منها وإعطائها لكل متربِّص من أي مكان, إذ يكفي أن يكون قادراً على الغيلة".

ويختتم الأحمري كتابه بقوله إن "التدين الفاسد يتمسك بالسلطة الفاسدة وتتمسك هي به، ولهذا كان لابد من الفصل بين الدين والحكومة, كما نفصل جميع السلطات, فمن كانت له مكانة روحية فلا يعني هذا أن تفتح له أبواب السلطة المالية والعسكرية والقضائية والإدارية, فإذا قبل أن يكون سلطة من أي نوع فليس له أن يملك معها غيرها, كالمال والقضاء والإدارة اليومية لحياة الناس, ولا إيجاد شخص يجمع بين هذه السلطات لأنه لن يجد للعدل طريقة, ولو حدث ووُجد شخص نزيه فمن يضمن لنا وجود نزيه بعده أو يرثه؟، ويكفي فساداً لكل سلطة أن توحّد في يد واحدة, فما يجعل من الإنسان الصالح فاسداً هو جمع السلطات في يده, لأنه في النهاية فوق طاقة البشر, وإمكاناتهم في توفير العدل والرقابة على الذات".

هذا عرض مختصر جدا لبعض فصول الكتاب وموضوعاته حاولت فيه تقديم فكرة وتصور عام للمهتم والقارئ, وأعتقد أنه لا يكفي للحكم على كتاب يحوي كمّا هائلا من الأفكار والتفصيلات التي لا يمكن استيعابها في عرض كهذا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك