عرض/ بدر محمد بدر
"هل كان عبد الرحمن الكواكبي أحد رموز الإصلاح في القرن التاسع عشر علمانياً, يؤيد فصل الدين عن الدولة؟!".. هذا هو السؤال الذي أفرد المفكر المعروف الدكتور محمد عمارة مقدمة طويلة -بلغت نحو ربع الكتاب الذي بين أيدينا- للإجابة عنه وتفنيد مزاعم القائلين به.

وهذه المقدمة هي التي أضفت على هذا الإصدار قيمة علمية وثقافية وتاريخية كبيرة, خصوصا أن المؤلف فارس الحلبة في هذا الميدان.. ميدان دراسة أفكار وآراء وكتابات زعماء الإصلاح في العصر الحديث, وتحليلها وتوثيقها وبالتالي الدفاع عنها, وهو صاحب الأعمال الكاملة لزعماء من أمثال: جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا وعبد الرحمن الكواكبي وغيرهم.

في المقدمة يستعرض الدكتور محمد عمارة الكثير من النصوص التي أوردها أحد أبرز من اتهموا المفكر السوري عبد الرحمن الكواكبي بالعلمانية, وهو باحث لبناني مسيحي يدعى جان داية وهو في الوقت ذاته عضو في الحزب السوري القومي الاجتماعي.

يعيد المؤلف قراءة هذه النصوص في سياقها الطبيعي وتحليلها, ليكشف لنا تهافت الاستدلال بها على الزعم بأن الكواكبي كان علمانيا يؤمن بفصل الدين عن الدولة.

- الكتاب: عبد الرحمن الكواكبي.. شهيد الحرية ومجدد الإسلام
- المؤلف: محمد عمارة
- عدد الصفحات: 268
- الناشر: دار الشروق، القاهرة
- الطبعة: الأولى/2007

أول العلمانيين العرب
يقرر المؤلف بأن هناك اتفاقا بين الباحثين على أن الدكتور علي عبد الرازق أول من قال بفصل الدين عن الدولة في العصر الحديث, وأنه لم يثبت أن أحداً سبقه في هذا المجال, وأن قراءة وتحليل كتابات الكواكبي لا يمكن أن تصنفه مؤيداً للعلمانية بحال من الأحوال, بل العكس هو الصحيح.

ويسوق المؤلف بعض استدلالات جان داية ومنها قول الكواكبي "هذه أمم النمسا وأميركا قد هداها العلم إلى طرائق شتى وأصول راسخة للاتحاد الوطني دون الديني, والوفاق الجنسي دون المذهبي, والارتباط السياسي دون الإداري, فما بالنا لا نفكر في أن نتبع إحدى تلك الطرائق أو شبهها؟".

هذه المقولة أخذ منها جان داية تأييد الكواكبي لفصل الدين عن الدولة, لكن الدكتور عمارة وضع النص في سياقه الطبيعي ووجد أن الكواكبي كان يتحدث إلى نصارى العرب وليس إلى عامة المسلمين, وكان يقول لهم بأن وحدة الأوطان لا تشترط وحدة الدين, وأن الوفاق الجنسي بينهم وبين المسلمين -باعتبار الجميع من العرب- أقوى من الوفاق المذهبي بينهم وبين المستعمرين الأوروبيين.

دليل آخر يسوقه جان داية على علمانية الكواكبي, منها نص ورد في كتابه "طبائع الاستبداد" يقول فيه "هل يجمع بين سلطتين أو ثلاثة في شخص واحد, أم تخصص كل وظيفة من السياسة والدين والتعليم وغيرها بمن يقوم بها بإتقان؟ ولا إتقان إلا بالاختصاص وفي الاختصاص كما جاء في الحكمة القرآنية {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} (الأحزاب:4)، ولذلك لا يجوز الجمع منعاً لاستفحال السلطة".

ويرد المؤلف على ذلك بأن الكواكبي هنا يحذر من الاستبداد الذي يؤدي إليه الجمع بين التخصصات المختلفة في شخص واحد, حتى لا تتكرر تجربة الكهانة الكنسية التي احتكرت الدين والدنيا جميعا في "الإكليروس", ولم يكن خوفاً من المرجعية الإسلامية للدولة بحال من الأحوال, فالتخصص ضرورة حياتية وعملية, والمرجعية الإسلامية مرعية في جميع التخصصات.

"
حياة الكواكبي وفكره قطعة من أمته وفكرها, وهذا هو السر في غياب النغمة اليائسة من حياته وفكره على السواء, رغم ما قاساه من آلام الغربة والهجرة ووحشة السجن وعذاب الاضطهاد
"
مصلح إسلامي
ويؤكد المؤلف أن الكواكبي في كثير من صفحات آثاره الفكرية يتحدث عن المنهج الإسلامي في الإصلاح, وعن نظام الحكم الذي يسميه "الإسلامية". وبوصفه مصلحاً إسلامياً يلتمس أصول الإصلاح وفلسفاته وقوانينه من "الإسلامية" ومن التجارب التاريخية لتطبيقات الإسلامية في الاجتماع الإسلامي.

بل إن الكواكبي ذهب إلى نقد الحكماء الغربيين الذين استبعدوا الدين من مناهج الإصلاح والترقي والنهوض, ورأى أن هذا التوجه الغربي -العلماني- مرجعه طبيعة الدين النصراني المخالفة لطبيعة الإسلام.

فإذا كان هناك عذر لهؤلاء الحكماء الغربيين في التوجه إلى العلمانية فإن النصرانية هي السبب, ومن ثم فلا عذر ولا مبرر لاختيار العلمانية التي تستبعد الدين من المرجعية الإصلاحية في ظلال الإسلام.

لا تنتهي المقدمة إلا بعدما ينجح الدكتور عمارة في نسف كل أثر علمي لاتهام الكواكبي بأنه كان علمانيا يدعو إلى فصل الدين عن الدولة, والتأكيد على أنه كان علماً من أعلام تيار الإصلاح في الإسلام الذي لمع فيه الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وغيرهم.

ثم يستعرض المؤلف حياة عبد الرحمن الكواكبي الذي ولد عام 1854 في مدينة حلب السورية لأبوين شريفين يرجع نسبهما إلى البيت النبوي, ثم تعلم في المدرسة الكواكبية التي كان والده مدرساً فيها ومديراً لها, وعندما بلغ الثانية والعشرين من عمره عام 1876 عمل في جريدة "فرات" الرسمية, وسرعان ما تركها ليصدر أول جريدة باسم "الشهباء" في حلب بالاشتراك مع السيد هاشم العطار عام 1877.

لكن الأتراك الذين كانوا يحكمون البلاد في تلك الفترة لم يتركوها أكثر من 16 عددا, بعدما ظهرت فيها مواهب الكواكبي في مقالاته النارية ضد الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت بسبب الأتراك العثمانيين. ولم يستسلم الكواكبي فأسس جريدة الاعتدال عام 1879, وواصل فيها مقالاته النارية حتى أغلقت هي الأخرى.

هذا هو السر
ولكن ما هو السر في نزوع الكواكبي المبكر والعنيد إلى الثورة ضد العثمانيين الأتراك؟ يقول المؤلف إن السبب لا يرجع إلى شعوره بالحرمان الاقتصادي, ولا ثمرة لافتقاده المكان اللائق به في الولاية التي تربى فيها, لأنه نشأ في وضع اقتصادي جيد, وكانت له المناصب الكبيرة طوال الفترة التي كان يكتب فيها.

"
شعور الكواكبي بالظلم ورهافة إحساسه بالحرية وعشقه لها, كان الدافع الأول لمواقفه وآرائه التي جعلته يصارع طغيان العثمانيين, كما كان له إلى جانب ذلك تأييد الناس ومساندتهم لجهوده وجهاده
"
لكن شعور الكواكبي بالظلم ورهافة إحساسه بالحرية وعشقه الذي لا يوصف لها, كان الدافع الأول لمواقفه وآرائه, على أن هذه الشجاعة النادرة التي جعلته يصارع طغيان العثمانيين لم يكن مصدرها فقط تلك السجايا الذاتية التي تحلت بها شخصيته العملاقة, وإنما كان له -إلى جانب ذلك- من تأييد الناس ومساندتهم لجهوده وجهاده زاد متجدد استعان به في نضاله.

لقد كانت حياة الكواكبي وفكره قطعة من أمته وفكرها, وهذا هو السر في غياب النغمة اليائسة من حياته وفكره على السواء, رغم ما قاساه من آلام الغربة والهجرة ووحشة السجن وعذاب الاضطهاد.

وعندما بلغت حدة الصراع بين الكواكبي والسلطة العثمانية بحلب ذروتها وبدأت المكائد ضده، قرر الهجرة إلى مصر ووصلها -حسب أصح التواريخ- عام 1899.

وفي مصر وجد الكواكبي المناخ الحر والجو الصحي الذي يتيح له نشر أفكاره بعيداً عن تسلط العثمانيين, لأن الاحتلال الإنجليزي في مصر كان يتيح قدراً من الحرية لأعداء الأتراك, بالإضافة إلى اجتماع القيادات العربية الثائرة والحرة في أحضان القاهرة.

وفي عام 1901 قام الكواكبي برحلة شهيرة استغرقت ستة أشهر زار فيها شرق أفريقيا وجنوبها، ودخل الحبشة وسلطنة هرر والصومال وشبه الجزيرة العربية.

وزار سواحل آسيا الجنوبية والهند وبلغ جاوة بإندونيسيا وطاف بالسواحل الجنوبية للصين، وكانت دراسته لهذه البلاد تشمل -إلى جانب الناس والثقافات- الاقتصاد والأرض ومعادنها وكل ما يهم المثقف الموسوعي.

وأودع نتائج هذه الرحلة أصول كتاب لم تمهله المنية حتى يخرجه إلى النور, وضاعت هذه الأصول. كما حالت المنية بينه وبين رحلة كان يزمع القيام بها إلى بلاد المغرب ليستكمل عملياً النظرة الفاحصة العميقة للوطن الذي عاش له وناضل في سبيل تحقيق أمانيه.

وفاته المفاجئة
لم يكد عبد الرحمن الكواكبي يستقر في القاهرة حتى استأجر الأتراك العثمانيون أحد عملائهم, فحضر إلى القاهرة ودس السم للكواكبي, فأدركته الوفاة الفجائية مساء الخميس 14 يونيو/ حزيران 1902, فعم الحزن والذهول كل الأحرار المناضلين في مصر والوطن العربي.

وشيعت جنازته في موكب مهيب, ودفن بقرافة باب الوزير بسفح جبل المقطم على نفقة الخديوي عباس, وأقام له الشيخ علي يوسف صاحب جريدة "المؤيد" مأتماً استمر ثلاثة أيام.

"
كان الكواكبي قومياً عربيا لكنه لا يعزل عروبته وقوميته عن دائرة الجامعة الإسلامية, وكان مصلحاً إسلامياً يعمل لتجديد الإسلام كي تتجدد به دنيا المسلمين, لكنه يؤكد على تميز الأمة العربية في إطار المحيط الإسلامي الكبير
"
ويواصل المؤلف عبر صفحات الكتاب آراء ومواقف الكواكبي في العديد من القضايا الكبرى التي كان لها بريقها في عصره, ومنها موقفه من العروبة, فيقول إن الكواكبي كان سباقاً في اكتمال النظرة العربية القومية لديه, وكانت له ملاحظات عميقة وهو يدرس واقع الأمة وحياتها.

لقد كان الكواكبي قومياً عربيا لكنه لا يعزل عروبته وقوميته عن دائرة الجامعة الإسلامية, وكان مصلحاً إسلامياً يعمل لتجديد الإسلام كي تتجدد به دنيا المسلمين, لكنه يؤكد على تميز الأمة العربية في إطار المحيط الإسلامي الكبير.

وكان داعية للتمييز بين الدين والدولة, دونما فصل -كما هو الحال في العلمانية الأوروبية- ودونما وحدة تدخل الإسلام والمسلمين في إطار الكهانة الكنسية الأوروبية.

ثم يتناول الكتاب رؤية الكواكبي للحرية ومشكلات الاستبداد إذ يقرر أن هدف من الديمقراطية والحرية والعدالة خدمة المجموع وسعادته, وهو لا يقصد فقط الحرية السياسية, بل كان يرى للديمقراطية مضمونا اجتماعيا, ويراها التزاما للإنسان إزاء قومه ومجتمعه, بقدر ما هي تحرير لهذا الإنسان.

كلمات مأثورة
فى نهاية الكتاب ينقل المؤلف بعضا من الكلمات المأثورة لعبد الرحمن الكواكبي ومنها:

- "لقد تمحص عندي أن أصل الداء هو الاستبداد السياسي, ودواؤه هو الشورى الدستورية".

- "من أقبح أنواع الاستبداد استبداد الجهل على العلم, واستبداد النفس على العقل".

- "إن أعمال البشر في تحصيل المال ترجع إلى ثلاثة أصول: استحضاره المواد الأولية وتهيئته المواد للانتفاع بها، ثم توزيعها على الناس. وهي الأصول التي تسمى بالزراعة والصناعة والتجارة، وكل وسيلة خارجة عن هذه الأصول وفروعها الأولية, فهي وسيلة ظالمة لا خير فيها..".

- "إن المدارس تقلل الجنايات لا السجون, وإن القصاص والمعاقبة قلما يفيدان في زجر النفس".

- "إن الهرب من الموت موت!.. وطلب الموت حياة!.. والخوف من التعب تعب!.. والإقدام على التعب راحة!.. والحرية هي شجرة الخلد, وسقياها قطرات الدم المسفوح.. والإسارة (العبودية) هي شجرة الزقوم, وسقياها أنهر من الدم الأبيض, أي الدموع!".

المصدر : الجزيرة