عرض/إبراهيم غرايبة
يحرق العالم يوميا نحو ثمانين مليون برميل من النفط، ومن أجل نقل هذه الكمية بواسطة سكة الحديد ينبغي أن ينطلق يوميا قطار طوله 2500 كيلومتر، وما زال ظمأ العالم للنفط الخام يزداد.

وسترتفع احتياجات العالم النفطية من ثمانين مليون برميل يوميا عام 2005 إلى 90.4 مليون برميل يوميا عام 2010، و106.7 ملايين برميل يوميا عام 2020، و120.3 مليون برميل يوميا عام 2030.

وبتزايد أهمية النفط في الحياة والاقتصاد ارتبطت به صراعات وحروب دولية وأخرى أهلية وداخلية جعلته نقمة مثل ما هو نعمة، وهذا ما يدعو إلى التفكير في بدائل للطاقة ملائمة لاحتياجات الناس وتطور الحياة والمعرفة، وهذا هو موضوع الكتاب الذي بين أيدينا.

- الكتاب: السجل الأسود للنفط
- المؤلف: توماس زايفيرت/كلاوس فيرنر
- المترجم: إبراهيم أبو هشهش
- عدد الصفحات: 464
- الناشر: المكتبة الشرقية, بيروت
- الطبعة الأولى/ 2007

حروب النفط
ترتبط أزمات منطقة الخليج والحروب والصراعات التي دارت فيها بالنفط، فلم تكن هذه الحروب الكثيرة لتقع لو لم يكن هنالك نفط.

منذ نهاية الحرب العالمية الأولى بدأت أنظار المنتصرين تتجه إلى حقول النفط الواعدة، وشرعت شركة نفط كاليفورنيا بشكل حثيث في البحث عن النفط في المملكة العربية السعودية، وفي 1938 عُثر على النفط في الدمام، وبهذا بدأت حقبة النفط الجديدة في تلك البلاد التي تعرف اليوم بأنها تملك أهم الاحتياطيات النفطية في العالم.

وقد أدرك الأميركيون منذ ذلك الوقت أهمية السعودية ولكن الحرب العالمية الثانية أدت إلى توقف غالبية الأنشطة النفطية في المنطقة، وتم إغلاق المنشآت النفطية حتى لا تقع في أيدي ألمانيا.

ثم عاد العمل في مجال النفط عندما استقبل رئيس الولايات المتحدة الأميركية روزفلت الملك عبد العزيز آل سعود في نهاية الحرب العالمية الثانية 1945 في قناة السويس على متن طراد أميركي، وكان هذا اللقاء بداية لعهد العلاقات المميزة بين السعودية وبين الولايات المتحدة الأميركية.

وبدأ النفوذ البريطاني في التراجع والانحسار النهائي بعد الحرب العالمية الثانية، وبخاصة عندما أمم رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق عام 1951 الشركة الأنجلو فارسية للنفط، فشعرت بريطانيا بالغيظ حتى إنها حاولت إرسال السفن البحرية إلى الخليج وإعلان الحظر على النفط الإيراني، وصدرت الأوامر لرئيس الأركان بالتخطيط لعمل عسكري ضد معامل التكرير في عبدان، وغزو حقول النفط في جبال زاغروس.

ولكن الرئيس الأميركي هاري تورمان أرسل إشارات رافضة، فانصرف البريطانيون عن فكرة الغزو ولم يبق أمامهم سوى المغامرة بتدبير انقلاب على محمد مصدق، وعندما فشل الانقلاب توجه البريطانيون إلى الأميركان طالبين العون ولكنهم رفضوا، فقد رأوا أن تقوية إيران اقتصاديا واجتماعيا هي الطريق الأفضل لمقاومة نفوذ موسكو في البلاد.

وكانت بريطانيا قد عقدت اتفاقا مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر على الانسحاب من منطقة قناة السويس في موعد أقصاه عام 1956، وتلقت بريطانيا درسا مفاده أنه يجب عليها من الآن فصاعدا أن تكون جزءا من السياسة الأميركية.

ونقلت إسرائيل اصطفافها الإستراتيجي من أوروبا إلى الولايات المتحدة، وأعلن الرئيس أيزنهاور أن الولايات المتحدة الأميركية قوة حماية فعلية للدول المنتجة للنفط في منطقة الخليج.

وكانت حرب عام 1967 عندما أغلقت مصر مضائق تيران، ولكن تلك الحرب أدت إلى حرب 1973 التي كانت بامتياز حرب النفط، إذ دخل النفط في الصراع العربي الإسرائيلي، وصار جزءا من الضغط على الولايات المتحدة الأميركية لتعديل سياساتها تجاه إسرائيل والقضية الفلسطينية.

وأصيب العالم الأول بالهلع حين وقف الناس في طوابير أمام محطات الوقود، وفي ألمانيا وسويسرا والدانمارك قررت الحكومات حظر قيادة السيارات يوم الأحد، وفي هولندا حثت السلطات على استخدام الدراجات الهوائية وزيادة السرعة على الطرق الخارجية إلى مائة كيلومتر في الساعة لتوفير البنزين.

وكان الأمر صعبا على اليابان التي تعرضت لضغوط عربية نفطية من أجل قطع علاقاتها مع إسرائيل.

"
لم تكن الولايات المتحدة الأميركية حريصة على إنهاء الحرب العراقية الإيرانية بل العكس، فقد كان أسوأ ما في الحرب بالنسبة إليها أنها ستنتهي، ولكنها انتهت وكان الرابح الأول والحقيقي فيها هو شركات النفط والسلاح
"
وكانت الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980–1988 جزءا من سياق الصراع على الموارد النفطية في المنطقة العراقية الإيرانية التي تستحوذ على خمس الإنتاج النفطي العالمي، وكانت فرنسا والاتحاد السوفياتي تزود العراق بالطائرات المجهزة بقنابل موجهة بالليزر.

وتوسعت الحرب وقصفت إيران ميناء البكر العراقي وقصفت منشآت نفطية عراقية على شط العرب، حتى اضطرت العراق إلى تصدير النفط عن طريق خطوط عبر سوريا وتركيا.

وحينما أغلقت سوريا خط الأنابيب المار من أراضيها هبطت صادرات النفط العراقية من 2.5 مليون برميل إلى 600 ألف برميل يوميا، ثم أعلنت سوريا وقوفها إلى جانب إيران.

وباتت الدول العربية المجاورة للعراق أكثر عصبية وقدمت المساعدة السخية لصدام، ليتمكن من الخروج من ورطته ومن أجل الدفاع عن البوابة الشرقية للعالم العربي.

لم تكن الولايات المتحدة الأميركية حريصة على إنهاء الحرب العراقية الإيرانية بل العكس، فقد كان أسوأ ما في الحرب بالنسبة إليها أنها ستنتهي، ولكنها انتهت وكان الرابح الأول والحقيقي فيها هي شركات النفط والسلاح.

ولم تكد الحرب العراقية الإيرانية تنتهي حتى بدأت حرب الخليج الثانية بغزو العراق للكويت عام 1990، ودخلت المنطقة في حروب وصراعات وأزمات لم تتوقف حتى اليوم، فقد أعلنت الولايات المتحدة الأميركية مدعومة بتحالف دولي الحرب على العراق، وفرضت عليه حصارا استمر أكثر من ثلاثة عشر عاما، ثم احتلت العراق عام 2003 ومازالت المنطقة في حالة من الفوضى والإرهاب والتطرف بسبب هذه التداعيات والتفاعلات.

لقد قتل في هذه الحرب نحو مليون عراقي، وتعرض العراقيون للحصار والجوع والمرض، وانهارت الخدمات والمرافق الأساسية في العراق، وأصبح ثاني أكبر منتج للنفط في العالم عاجزا عن توفير الوقود والطاقة لمواطنيه ولو لتلبية الحد الأدنى من احتياجات المعيشة مثل الكهرباء والطهو في المنازل.

والغريب أن الولايات المتحدة لم تستثمر مكاسبها في تحسين حياة مواطنيها وتسهيل حصولهم على النفط، بل أنفقت مئات المليارات على السلاح والجيش.

النفط والصراعات
كان النفط أيضا سببا في الحروب والصراعات الأهلية والداخلية في كثير من الدول، فقد حدثت فجوة كبيرة في المجتمعات والدول النفطية بين الذين يتحكمون في الإنتاج والتسويق والمجتمعات والأفراد الذين لا يصلهم إلا القليل من الإيرادات النفطية، وأدارت حكومات وشخصيات متنفذة حول العالم عمليات تهريب واسعة للنفط.

وكان الاختلاف على توزيع النفط وإيراداته والامتيازات التي منحت للشركات سببا لثورات وصراعات كبيرة، كما حدث في السودان وأنغولا واليمن وكولومبيا ونيجيريا والجزائر وفي دول آسيا الوسطى، إلى درجة أنه تكون اعتقاد راسخ بأنه حيث يوجد النفط يوجد الصراع والحروب الأهلية، وكانت الإيرادات النفطية مصدرا لتمويل هذه الصراعات.

"
الاختلاف على توزيع النفط وإيراداته والامتيازات التي منحت للشركات كانت سببا لثورات وصراعات كبيرة، إلى درجة أنه تكون اعتقاد راسخ بأنه حيث يوجد النفط يوجد الصراع والحروب الأهلية
"
في السودان على سبيل المثال منذ استقلالها والحياة فيها مصبوغة بالحرب واللجوء والجوع والخطر وقتل الملايين، ثم حصل هذا النزاع على وقود جديد في التسعينيات، عندما اكتشفت كميات كبيرة من البترول تقدر بنحو 570 مليار برميل، فتحولت الأراضي السودانية إلى حقول من الدماء، وبدأت الصراعات تزيد مع بدء إنتاج النفط.

والغريب أن هذه المناطق التي يشرد أهلها ويقتلون بالجملة هي في الوقت نفسه مناطق آمنة بالنسبة لشركات التنقيب عن النفط وإنتاجه وتكريره!

ولم تحقق الإيرادات النفطية النمو الاقتصادي المفترض والمطلوب لمعظم الدول المنتجة للنفط، إذ أهدرت الإيرادات على الإنفاق العسكري والتسليح والصراعات والفساد والاستغلال، وارتفعت تكاليف المعيشة.

وتعرضت الثقافة وأنماط الحياة لصدمة كبيرة أفقدت المجتمعات تماسكها وثراءها الداخلي، وتراجعت مستويات الدخل الفعلية للمواطنين، وتعقدت متطلبات الحياة الأساسية، وتغيرت البنية الاجتماعية لكثير من الدول، وتعرضت دول الخليج لموجة هجرة واسعة من طالبي العمل جعلت الوافدين فيها أغلبية سكانية.

ووقع كثير من الدول المنتجة للنفط في فخ المديونية، فقد وطنت نفسها على أن أسعار النفط المرتفعة سوف تجلب لها تدفقا مستمرا من رأس المال، فتجدها استلفت قروضا مرتفعة بضمانة عوائد مستقبلية من أعمال النفط، وهذا ما يسميه الخبراء بـ"فخ المصادر" أو "لعنة ميداس".

وميداس هذا كان ضحية استجابة دعوته بتحول كل الأشياء التي يمسها إلى ذهب، حتى إن طعامه وشرابه تحولا إلى ذهب، فندم على استجابة الآلهة لأمنيته، ويبدو أنه يجري اليوم لقادة كثير من الدول النفطية ما جرى لميداس.

وكانت خطوط النفط سببا في تدمير مساحات واسعة من الغابات وتدمير أجمل المناطق السياحية والزراعية، كما حدث في دول أميركا اللاتينية، كما شرد السكان الأصليون في هذه المناطق وحرموا من مصادر رزقهم وأنماط معيشتهم.

وعندما يتعرض أحد خطوط النفط لكسر أو تلف وهذا يحدث كثيرا يتدفق النفط على الأراضي والمصادر المائية والمساكن مسببا التلوث والتسمم والتصحر.

ما بعد النفط
تنظر النرويج بارتياب وعدم ثقة إلى ثروتها النفطية، فحاجة البلاد من الكهرباء يتم توليد 99% منها بقوة الماء، وتخطط الحكومة لتحويل قسم من توليد التيار الكهربائي إلى قوة الريح، فبالقرب من ترومسو أُقيم ثمانون توربينا هوائيا يبلغ ارتفاع كل منها 120 مترا في واحد من أكبر حقول الطاقة الهوائية في العالم.

إن النرويج التي هي إحدى الدول الكبرى المصدرة للنفط في أوروبا تستعد منذ زمن طويل لحقبة ما بعد النفط.

وتسعى الشركات النفطية الكبرى الآن -للبحث عن مخرج من شرك الطاقة الحالي- إلى ما يسمى عملية تحويل الغاز إلى سائل، فتتعاون شركة فولكسفاغن مع شركة شل النفطية في ربط جزيئات الغاز القصيرة بسلاسل هيدروجينية طويلة، والنتيجة المتحصلة هي كيروسين أو بنزين أو ديزل، وجميعها نظيفة جدا، كما أنها تحقق الحصول على تنوع في مصادر الطاقة.

ويوجد في أنحاء العالم نحو 850  شركة تستخدم الهيدروجين لتوليد الطاقة، وتعد شركة BMW أول صانع سيارات ينتج سيارة تعمل باحتراق الهيدروجين، وتقدم محطة آرال للوقود في منطقة ميسدام في برلين هيدروجينا بحالتيه الغازية والسائلة، وهي المحطة العامة الوحيدة من هذا النوع.

"
القرنان الثامن عشر والتاسع عشر كانا عهد الفحم والنفوذ الإنجليزي والألماني، وكان القرن العشرون قرن النفط والنفوذ الأميركي، وفي عصر الطاقة الهيدروجينية ستكون الدول القائدة في هذا المجال هي صاحبة النفوذ العالمي
"
ويوجد في آيسلندا برنامج الطاقة الأكثر طموحا في أوروبا: فالطاقة المائية متوفرة بكثرة، وهناك تخطيط لإنشاء حقول لطاقة الريح داخل البحر.

وتأمل منظمة WWF لحماية الطبيعة الآيسلندية أن تتمكن من تسيير 40% من جميع السيارات وقوارب الصيد بالهيدروجين، وتنتج الجزيرة اليوم كمية من التيار الكهربائي من مصادر متجددة للطاقة تكفي للاستغناء عن 22% من النفط والمصادر المشابهة له.

ويعتبر الهيدروجين وقودا مثاليا، لأنه عند احتراقه ينتج الماء لا غاز ثاني أكسيد الكربون الضار بالبيئة والصحة، ولو عملت جميع السيارات في المدن بالهيدروجين فسوف يصبح هواء المدن في نقاء هواء الريف، لأنه لا يخرج من العادم سوى الماء.

والهيدروجين ليس مثل النفط والغاز اللذين يعثر عليهما في أماكن محددة بل هو موجود في كل مكان يتوفر فيه الماء والتيار الكهربائي.

وسوف يخصص الاتحاد الأوروبي نحو 2.8 مليار دولار في عشر سنوات من أجل إفساح المجال أمام الطاقة الهيدروجينية.

ويرى علماء في الثورة الهيدروجينية تحولا ديمقراطيا لاقتصاد الكهرباء، إذ سوف تغدو شبكات الكهرباء في المستقبل خطا إلكترونيا باتجاه واحد من محطة القوى إلى مستهلك التيار، وسيكون بمقدور المستهلكين أن يكونوا منتجين أيضا للكهرباء وأن يستفيدوا من بيعها.

وسيكون ذلك بواسطة خلية للوقود في المرآب أو على سطح البيت أو طواحين هوائية في الضواحي تمد الشبكة بالتيار الكهربائي، وستكون شبكة التيار المستقبلية بناء على ذلك أكثر تداخلا مما هي عليه اليوم.

بالتأكيد فإن هذا التحول سيكلف المليارات، إذ يجب تحديث خطوط شبكة التيار، ويجب توحيد أنماط الأجهزة المخصصة والمقاييس.

وبالطبع فإن الشركات الكبرى العملاقة ستقاوم الطاقة الجديدة، وسوف تبذل ما في وسعها لمنع حدوث ثورة الهيدروجين.

وربما يتغير ميزان القوى العالمي السياسي والإستراتيجي، فقد كان القرنان الثامن عشر والتاسع عشر قرني الفحم والنفوذ الإنجليزي والألماني، وكان القرن العشرون قرن النفط والنفوذ الأميركي، وفي عصر الطاقة الهيدروجينية ستكون الدول القائدة في هذا المجال هي صاحبة النفوذ العالمي.

المصدر : الجزيرة