عرض/تامر أبو العينين
يتناول هذا الكتاب العلاقة بين علوم الفيزياء والفلك والدين والفلسفة وتطور الفكر الإنساني في فهم تلك العلاقة والتعامل معها، كما يتعرض للآراء التي تؤيد أو ترفض ربط الدين بالعلم، ليحاول بعد خمسة فصول موزعة على 167 صفحة الإجابة عن سؤال هام طالما راود الكثيرين، وهو هل كل ما في الكون صدفة؟

- الكتاب: هل كل ما في الكون صدفة؟
- المؤلف: هاينتس أوبرهومر
- الصفحات: 167
- الناشر: إيكووين، النمسا
- الطبعة: الأولى 2008

يقول الناشر في تقديم الكتاب "تشكل تفاصيل العلاقة بين أساسيات الفيزياء التي تنظم الكون من حولنا وبين حقائق الوجود والحياة أحد أهم الاكتشافات الحديثة التي توصلت إليها العلوم الطبيعية".

ويرى الناشر أن كثيرين لم يحلموا يوما ما "بأن أحدث الاكتشافات العلمية المتعلقة بعلوم فيزياء الكواكب والفضاء تهم علوما أخرى بعيدة عنها تماما كالفلسفة والدين"، مشيرا إلى أن أقل تغيير في نظام الكون كما هو عليه الآن سيؤدي إلى فناء الحياة ونهاية الإنسانية، فهذه الحقيقة يسميها علماء الفيزياء "المعايير الكونية الدقيقة" ويطلق عليها الفلاسفة "مبدأ أنتروبيش" في حين يصفها علماء الدين بـ"التصميم العبقري".

ويستمد الكتاب أهميته من سيرة مؤلفه البروفيسور هاينتس أوبرهومر العلمية الحافلة بـ160 بحثا تنقلت من الفيزياء النووية إلى فيزياء الفلك والفضاء، وخبرته العملية لدى أكثر من جامعة دولية ومؤسسة بحثية أكاديمية.

من الأرض إلى الكون
تحت هذا العنوان يستعرض الفصل الأول تركيب المجموعة الشمسية وخواص كواكبها وتاريخ اكتشافها وتطور التعرف عليها، ويضع الإنسان حلقة وصل بين مفردات هذا الكون الواسع، فيبدأ من أصغر مكونات أنوية الذرات والخلايا وبقية الكائنات الحية على الأرض التي هي بدورها جزء من المجموعة الشمسية، وصولا إلى المجرات الكونية الهائلة التي تسبح في هذا الفضاء الفسيح.

ثم يصل المؤلف إلى أزمة الكنيسة الكاثوليكية مع العلم، وكيف أمرت بحرق عالم الفلك الإيطالي جيوردانو برونو في عام 1600 ثم الحجر على زميله غاليليو وفرض الإقامة الجبرية عليه حتى وفاته.

ولم تكن جريمة برونو -حسب المؤلف- سوى أنه توصل إلى أن الأرض ليست مركز الكون كما كان شائعا بل إن هذا الفضاء الفسيح المحيط بالأرض لانهائي، مستندا في ذلك إلى نظرة فلسفية معمقة، ركزت على قوة الخالق غير المحدودة في تسيير الكون بما فيه، على عكس غاليليو الذي توصل إلى حقائق فلكية عن طريق المنهج العلمي، لكن كلا المنهجين لم يرق للكنيسة.

ويرى الكتاب أن الصراع بين العلم والدين في تلك الحقبة كان بسبب قناعة فلسفة كل طرف آنذاك في التعامل مع خلق الكون وتطور الإنسان والحياة ومستقبلهما، حيث يعتقد المؤلف أن الرأي السائد قبل ستة قرون في أوروبا كان أن الدين قدم الإجابة عن "كيف" أما العلماء فبحثوا عن إجابة "لماذا".

"
التطور العلمي المذهل الذي توصل إليه الإنسان اليوم يفرض تعاونا وثيقا بين العلم والدين أكثر من أي وقت مضى، لأن هذا الكون الفسيح اللامتناهي لا يمكن أن ينشأ إلا بقوة إلهية خارقة
"

بيد أن هذا الخلاف بين العلم والدين تواصل أيضا إلى القرن العشرين، حيث يشير الكاتب إلى منهج عالم الفيزياء ستيفين فاينبرغ الحائز جائزة نوبل في الفيزياء عام 1979، الداعي إلى إهمال دور الدين في العلوم الطبيعية، وتؤيده في ذلك تيارات أميركية ذات توجهات فكرية مختلفة، بما فيها تيارات أصولية تسعى لفصل العلم عن الدين.

بينما يرى المؤلف أن التطور العلمي المذهل الذي توصل إليه الإنسان اليوم "يفرض تعاونا وثيقا بين العلم والدين أكثر من أي وقت مضى، فهذا الكون الفسيح اللامتناهي لا يمكن أن ينشأ إلا بقوة إلهية خارقة، خلقت عوالم وأكوانا، مثلما قال برونو قبل أربعة قرون".

ما قبل الكون
وتحت عنوان "من ديمومة أبدية إلى أخرى" يعرج الكتاب في فصله الثاني إلى ما اكتشفه العلماء عن نشأة الكون وتفاصيلها، واللغز الحائر المتعلق بعمر الأرض والحياة عليها، وهل هناك مسافة زمنية بين نشأة الأرض وظهور نبي الله آدم عليه السلام وزوجته حواء عليها.

ويرصد الكتاب محاولات العلماء وعلماء الدين لمعرفة هذا التاريخ، فيشير مثلا إلى أن بعض علماء الدين يعتمدون على الروايات الدينية التي تدون تاريخ الممالك القديمة مثل جيمس يوشر الذي توصل في عام 1624 إلى أن خلق الكون كان في الساعة السادسة من مساء يوم السبت الموافق 22 أكتوبر/تشرين الأول من عام 4004 قبل الميلاد.

لكن الكتاب يؤكد أن الأبحاث الفيزيائية ترجح نشأة الكون قبل 13.7 مليار عام بعد حدوث ما يوصف بالانفجار الكبير، أما عمر الأرض فهو حوالي 4.5 مليارات عام.

ويرى المؤلف علاقة وثيقة بين نظرية "الانفجار الكبير" وبين ما هو معروف حاليا عن تركيب المادة والذرة والنواة والجزئيات البسيطة أو المركبة وحالات المادة الصلبة أو الغازية أو السائلة.

ويشير إلى أن السؤال الذي يدور في خاطر الكثيرين هو ماذا كان قبل الانفجار الكبير؟ وكيف كان الكون حينها؟

ويجزم المؤلف بصعوبة الإجابة عن هذا التساؤل رغم أهميته، "لأنه يفترض وجود كتلة ذات كثافة لا متناهية وحرارة أيضا لا متناهية قبل هذا الانفجار الكبير، وهو تصور يقف عنده الفكر البشري ونظريات الفيزياء عاجزين".

ويتطرق الكتاب إلى نظرية جيمس هارتل من جامعة كاليفورنيا وزميله ستيفن هاوكينغ من جامعة كامبريدج المعروفة باسم معادلة "هاوكينغ توروك"، التي تعتقد أن الكون هو حصيلة لكل الاحتمالات الممكنة والتي يمكن تخيلها حول نشأته وتطوره، لكن المؤلف يرى أن تلك النظرية هي لإرضاء الجميع، وليس لها جذور منطقية لأنها تتجاهل الحقائق ونتائج التجارب.

"
ما في هذا الكون ليس صدفة، لأن كل المعادلات الرياضية والحقائق الفيزيائية لا يمكن أن تجعل ما في الكون من دقة متناهية محض صدفة بحتة، بل كل شيء بحساب دقيق، حتى وإن غابت عنا تفاصيله إلى اليوم
"
التراب أصل الكون
ويصل المؤلف في الفصل الثالث إلى حقيقة أن الكون كله خُلق من تراب، وأنه بتركيبه الهائل والمادة بتركيبتها المتناهية الصغر متطابقان، وبينهما يقف الإنسان يستمد من هذا ومن ذاك مقومات حياته وفق قوانين تنسجم مع بعضها من دون تدخل بشري.

ويعطي العديد من الأمثلة على تكامل احتياجات الإنسان من الفضاء الخارجي مثل طاقة الشمس وضوء النجوم وهديها، وما يوجد على الأرض من كافة مقومات الحياة، كما يشرح بالعديد من الأمثلة دور العناصر المختلفة في تهيئة الأرض لاستمرار الحياة عليها.

ثم يتناول الفصل الرابع الحياة على كوكب الأرض واحتمالات وجود حياة في مجرات نائية، ويشير إلى أن "كوكب الأرض بما عليه أشبه بمركبة فضائية تسير وسط الكون الفسيح، ولكن في مسار ثابت ووتيرة محددة مرسومة بدقة، ولا أحد يستطيع نفي أو إثبات وجود حياة أخرى في مكان آخر".

نظرة متفاوتة
يرى المؤلف في الفصل الخامس والأخير أن الإنسان رغم مشاغله بمجريات حياته اليومية، يبقى دائما شغوفا بالتعرف على كل ما يتعلق بالكون، وكيف نشأ الضوء وتطورت الخليقة ومصير الحياة على الأرض، وليس أمامه سوى مصدرين اثنين لا يتناقضان، هما الدين والعلم.

ويصل إلى أن "ما في هذا الكون ليس صدفة، لأن كل المعادلات الرياضية والحقائق الفيزيائية لا يمكن أن تجعل ما في الكون من دقة متناهية محض صدفة بحتة، بل كل شيء بحساب دقيق، حتى وإن غابت عنا تفاصيله إلى اليوم".

وبعد مناقشة العديد من الحقائق العلمية والربط بينها يؤكد أن العلوم الطبيعية والإنسانية والدين تتكامل جميعها للإجابة على أسئلة الإنسان، فالعلم الآن يشرح لنا "كيف"، والدين والفلسفة يشرحان لنا "لماذا".

لكن الكاتب يعتقد أن نظرة الثلاثة إلى الأمر ليست متساوية، "فهم كمن دخلوا غرفة مظلمة، يبحث الفيزيائي فيها عن قطة سوداء موجودة، والفيلسوف عن قطة سوداء غير موجودة، ورجل الدين يبحث عن قطة سوداء غير موجودة لكنه يصيح فخورا: عثرت عليها".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك