عرض/ عبد الحافظ الصاوي

بعد أن تفجرت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الدول العربية، أتى بركان ثورات الربيع العربي ليطيح بنظم سياسية اتسمت بالدكتاتورية، وأساءت استخدام الفرص التنموية للنهوض بشعوب المنطقة ووضعها على مسار التقدم. ولم تجن الدول العربية في ظل الحكومات الدكتاتورية السابقة سوى اتساع رقعة الفقر، وانتشار البطالة، على الرغم من الثروات المادية والطبيعية التي تتمتع بها المنطقة العربية.

-التقرير: تحديات التنمية في الدول العربية 2011
-المؤلفون: مجموعة من الخبراء
-عدد الصفحات: 153
-الناشر: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي
-الطبعة: الأولى/ فبراير 2012
كما أن النظم السابقة قضت على سمتين أساسيتين كانت تتمتع بهما المنطقة، وهما روح المبادرة الاقتصادية، ووجود درجة عالية من التماسك الاجتماعي، وكان للسياسات -التي اتبعتها الدول العربية منذ الستينيات- الفضل في القضاء على روح المبادرة الاقتصادية، وكان لتطبيق سياسات اتفاق واشنطن السبب الرئيس في تقويض التماسك الاجتماعي بدول المنطقة، وبخاصة في بداية عقد التسعينيات.  

وفي إطار رصد تحديات التنمية في الدول العربية، ووضع تصور للخروج من المأزق التنموي لدول المنطقة، أتى التقرير الثاني لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي بعنوان "تحديات التنمية في الدول العربية 2011".

ويرى التقرير أن الدول العربية تحتاج إلى نموذج جديد للتنمية لا ينظر فيه للاستقرار من منظور أمني محض، ولا ينظر فيه إلى التقدم من منظور منفعة السلع والخدمات، بل من منظور القدرات الجوهرية التي يتمكن من خلالها الفرد أن يعيش حياة كريمة يشعر فيها بدوره الحقيقي.

ولا يتحقق ذلك إلا من خلال نموذج الدولة التنموية، التي لا تعتمد على الريع، ولا على إنتاج مجموعة من السلع الأولية، أو تلك السلع والخدمات ذات القيمة المضافة المتواضعة. كما أن الدولة التنموية في حاجة إلى رقابة حقيقية ومساءلة.

تحديات التنمية في المنطقة العربية
يرصد التقرير تحديات التنمية في المنطقة العربية من خلال مجموعة من المؤشرات، منها:

• انخفاض مؤشرات التنمية البشرية
تظهر البيانات في هذا الشأن أن الفترة من 1970 – 1990 أدت فيها المنطقة بشكل حقق تقدما ملحوظا في تحسن مؤشرات التنمية البشرية، ولكن منذ عام 1990 – 2007، تراجعت المنطقة العربية مقارنة بغيرها من المناطق النامية على مؤشرات التنمية البشرية، ويتجلى هذا من خلال فشل التنمية الريفية في العالم العربي، الذي يعيش 50% من سكانه بالريف، ومع ذلك لا تساهم الزراعة إلا بنسبة 15% من الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية، وهو ما أدى إلى زيادة الهجرة من الريف للحضر من أجل الحصول على خدمات أكبر، ولأن هذه الهجرة غير مخططة فإنها أدت إلى وجود العشوائيات وزيادة الأحمال على المرافق الأساسية بالمدن العربية.

وذهب التقرير إلى أن اعتبار مقياس الفقر العالمي بحجم إنفاق 1.25 دولار في اليوم مضلل ولا يعبر عن حقيقة الفقر في المنطقة العربية، ولذلك يقترح التقرير وجود آلية بديلة لقياس الفقر تظهر تباين خطوط الفقر وفقًا لمستويات الدخل في كل بلد.

• نمو بلا عمل لائق
اعتمدت المنطقة على النفط في أدائها التنموي، وهو ما جعل مشروعها التنموي عرضة لتذبذبات سوق النفط، فضلا عن الطبيعة الريعية التي اتسم بها الأداء التنموي في الدول العربية، سواء في الدول الخليجية أو الدول متنوعة الدخل أو الأقل نموا.

الدول العربية مطالبة في عام 2030 -بدون الدول الخليجية– بتوفير 92 مليون فرصة عمل، بتكلفة قدرها 4.4 تريليونات دولار، أي إنها تحتاج إلى حجم استثمارات سنوي يقدر بنحو 220 مليار دولار

ويرصد التقرير انخفاض معدلات البطالة بالمنطقة العربية في عام 2010 لمعدل 9.3% مقارنة بـ12% في عام 1990. ولكن لا يزال معدل البطالة بالدول العربية أعلى من المناطق النامية الأخرى، وبخاصة بين الشباب والمرأة. كما يرجع التحسن في معدلات البطالة في دول المنطقة لقبول القوى العاملة لفرص عمل بأعداد كبيرة بالقطاع غير المنظم، والذي يتسم بظروف عمل غير لائقة.

ويرصد التقرير التحدي الأكبر في مجال العمل، وهو مطالبة الدول العربية في عام 2030 –بدون الدول الخليجية– بتوفير 92 مليون فرصة عمل، بتكلفة قدرها 4.4 تريليونات دولار، أي إنها تحتاج إلى حجم استثمارات سنوي يقدر بنحو 220 مليار دولار، وهو ما يعادل نسبة 50% من ناتجها المحلي.

• قيمة مضافة ضعيفة
ارتفع حجم التبادل التجاري للدول العربية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى 84% في المتوسط خلال العقد الأول من الألفية الثالثة، بعد أن كان 60% في أوائل ثمانينيات القرن الماضي. ولكن التقرير يذهب إلى أن هذا الارتفاع لم يكن ذا دلالة إيجابية على الاندماج في الاقتصاد العالمي، حيث يصف التقرير هيكل الصادرات العربية بأنه بدائي، فالنفط يمثل نسبة 70% من هيكل الصادرات.

ومن ناحية أخرى فإن المنطقة العربية تعد الأقل تصنيعا مقارنة بباقي مناطق العالم حيث يساهم قطاع الصناعة بنسبة 12% في الناتج المحلي، ويأتي قطاع الخدمات ليكرس القيمة المضافة الضعيفة حيث يشمل خدمات النقل والسفر، ولا يوجد له أثر ملموس في خدمات الاتصالات والمال.

• الفقر المائي
تقع معظم الدول العربية -باستثناء العراق والسودان ولبنان- تحت خط الفقر المائي العالمي، والمقدر بنحو ألف متر مكعب سنويا، وتعتبر اليمن من أفقر الدول العربية في هذا المجال حيث يقدر نصيب الفرد بنحو مائة متر مكعب سنويا. ويرصد التقرير حجم الأضرار التي ستتعرض لها دول المنطقة بسبب التغيرات المناخية، من خلال تراجع معدلات إنتاج الغذاء، الذي تعتمد دول المنطقة على استيراد الجزء الأكبر منه. كما يشير التقرير إلى محدودية الاستثمارات بدول المنطقة العربية في مجال إدارة الموارد المائية وتطوير الري والإنتاجية الزراعية.

• الاستبعاد المجتمعي
أدت السياسات التنموية المتبعة قبل الربيع العربي إلى استبعاد شرائح كبير من المجتمعات العربية من المشاركة، وبخاصة من الشباب والنساء. ويُرجع التقرير عملية الاستبعاد إلى مجموعة من العوامل، منها: العوائد الريعية التي مكنت الدولة من صياغة عقد اجتماعي قائم على توفير الدولة للخدمات والوظائف نظير عدم المشاركة والمساءلة، ولكن هذا العقد انهار مع بداية الثمانينيات من العقد الماضي، حيث عجزت الدول العربية عن توفير الوظائف ومتطلبات دولة الرفاه، ودون أن تعمل الدول العربية على تدارك أخطار سياساتها التنموية القائمة على الاستبعاد، وكذلك تزاوج المال والسلطة وانتشار معدلات الفساد، مما أدى إلى تعميق عملية الاستبعاد في المجتمعات العربية.

في مجالي الزراعة والصناعة يوصي التقرير بالتركيز على المشروعات كثيفة استخدام العمل لامتصاص البطالة بين الشباب والنساء، وتوفير الجزء الأكبر من احتياجات دول المنطقة من الغذاء وباقي السلع الضرورية

خارطة الطريق
بعد أن سرد التقرير تحديات التنمية في الدول العربية، تناول مجموعة من السياسات التنموية في قطاعات مختلفة مثل الزراعة والصناعة والخدمات، ونبه إلى أهمية التكامل الاقتصادي بين دول المنطقة، وضرورة المشاركة المجتمعية والمساءلة، من خلال إدارة لمؤسسات الدول تعتمد على الحوكمة وسيادة دولة القانون.

ففي مجالي الزراعة والصناعة يوصي التقرير بالتركيز على المشروعات كثيفة استخدام العمل لامتصاص البطالة بين الشباب والنساء، وتوفير الجزء الأكبر من احتياجات دول المنطقة من الغذاء وباقي السلع الضرورية.

وفي مجال السياسة المالية يرى التقرير أنه لم يعد مناسبا الاعتماد على آلية الضرائب بلا مساءلة، ولا بد من تقييم أثر السياسات المالية على التنمية. وفي مجال السياسات النقدية يوصي التقرير بالتركيز على توفير الجهاز المصرفي للائتمان للمشروعات الإنتاجية، وبخاصة المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

وفي مجال الاستثمار يطالب التقرير بإزالة كافة المعوقات من أمام مشروعات الاستثمار طويل الأجل، مثل سهولة الإنشاء الفوري للمشروعات أو التوسع فيها، وإعادة النظر في الحد الأدنى لرؤوس أموال المشروعات، ومواجهة حقيقية للفساد.

وفي مجال العدالة الاجتماعية يركز التقرير على أهمية تبني سياسات تنموية تعمل على تحقيق توزيع عادل للثروة، ومحاربة الفقر والبطالة، ومواجهة الأسباب التي أدت إلى الاستبعاد لشرائح كبيرة من المشاركة في عملية التنمية.

ويركز التقرير على أهمية التكامل الاقتصادي لدول المنطقة، وأنه ليس منة أو فضلا من طرف على طرف، مذكرا بالخسائر التي منيت بها الاستثمارات العربية في خارج المنطقة والتي قدرت بنحو ثلاثمائة مليار دولار في لحظة واحدة، إبان الأزمة المالية العالمية، وأن من شأن التكامل الاقتصادي العربي أن يحقق الأمن الإقليمي، الذي اعتمدت فيه دول المنطقة على غيرها، وأدى إلى سيطرة اقتصادية وسياسية للخارج على مقدرات الدول العربية.

ويضع التقرير خلاصة للعقد الاجتماعي الجديد بدول المنطقة والذي يعتمد على وجود سلطة شرعية من خلال انتخابات حرة ونزيهة، ووجود مشاركة مجتمعية حقيقية، وتنفيذ سياسات اجتماعية تعتمد على معلومات حقيقية، وحماية حقوق الإنسان، وإعلام يتسم بالمهنية وعدم التحيز.

التحدي الأكبر أمام الدول العربية، أن تحول نتائج هذا التقرير إلى برامج عمل تحقق شعارات الثورات العربية، وإلا فإنها سوف تواجه بثورات مستمرة

ختاما
رصد التقرير تحديات التنمية، وهي نتائج تناولتها دراسات سابقة قبل ثورات الربيع العربي، ولم تلتفت إليها الحكومات السابقة. ولكن التحدي الأكبر أمام الدول العربية، أن تخرج من نتائج هذا التقرير وغيره من الدراسات إلى برامج عمل تحقق شعارات الثورات العربية، (عيش – حرية – عدالة اجتماعية)، وإلا فإنها سوف تواجه بثورات مستمرة.

خاصة أن الشعوب العربية قد كسرت حاجز الخوف، ومن الصعوبة بمكان أن يتم السيطرة على موجات الغضب التي سيسفر عنها غضب الشارع. وبالتالي سيكون البديل للتنمية ثورات تقتلع حكومات فاشلة، أو تأييد لحكومات تستمد مشروعيتها في البقاء من التنمية الحقيقية التي تحارب الفقر والبطالة، وتعمل على توزيع عادل للثروة ولا تستبعد أحدا من الفئات المستضعفة، وتحرص على تفعيل مؤسسات الرقابة والمساءلة، وتوفير مناخ ديمقراطي حر يسمح بتداول السلطة.  

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك