عرض/ زياد منى

قد يقول قارئ: هل ما زالت ثمة حاجة إلى المزيد من الكتب عن جرائم الدول الاستعمارية الغربية في بلادنا؟ ألم يكتب ما يكفي!

مع أنه صحيح أنه ما من موضوع كتب ونشر فيه قدر ما كتب عنا وعن مشاكلنا ومشاكل أوطاننا العربية، وصحيح أنه نشرت كثير من الكتب والمقالات والأبحاث عن تلك الجرائم، لكن ديمومة الصراع في بلادنا واستمرار الصدام يحتمان البحث دومًا حيث إن مشاكلنا تمس العالم وأمنه واستقراره.


- الكتاب: تفكيك الشرق الأوسط، تاريخ شغب غربي في بلاد العرب
- المؤلف: جرمي سولت
- الصفحات: 468 صفحة
- الناشر: دار نشر جامعة كاليفورنيا
- الطبعة الأولى 2008

مثلما تؤثر تلك الأحداث في حيواتنا، فإنها تمس المواطن الأوروبي أيضا الذي يرى بلاده تخوض نزاعات وحروبا جديدة في أوطاننا: من أفغانستان إلى الصومال والعراق ولبنان والسودان، وفلسطين دوما، كما يرى أبناءه يرسلون وقودا لحروب قيل له أحيانا: إنها دفاعا عن الحضارة الغربية ومبادئها، وأحيانا أخرى: إنها معارك لحماية الغرب وحضارته المسيحية المقدسة في وجه إسلام دموي يحاول الهيمنة على العالم، وفي أحيان ثالثة: إنها لفرض الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان، وغيرها من الشعارات المضلِّلة.

وفي وجه هذه الدعايات السمجة والممجوجة التي تغرق فيها مختلف وسائط الإعلام الغربي وبعض وسائل الإعلام العربية، المرئية والمسموعة، ثمة حاجة دائمة لمواجهة الكذب بالحقيقة، والخداع بالوضوح، وهذا الكتاب يؤدي واجبه ضمن هذا الإطار.

الكاتب أستاذ العلوم السياسية بجامعة بلكنت بأنقرة جرمي سولت، قدم مؤلفه ضمن هذا الإطار، وأوضح أنه موجه للقارئ غير المتخصص الذي يشعر بالحاجة إلى معرفة المزيد عن بلاد المشرق العربي، والاطلاع على حقائق الصراعات في بلادنا لا تنقلها وسائل الإعلام "الغربية بالطبع" ويمكننا القول: وحتى وسائل إعلام عربية كما توضح حرب العدو الصهيونية على غزة في أيامنا هذه. ولذلك كتبه بلغة مبسطة من دون إهمال التوثيق عند الضرورة.

كما شدد سولت على أن مؤلفه هذا يحوي محصلة مجمل معارفه العلمية والسياسية وتجاربه الشخصية، منذ أن حط رحاله عام 1965م في شواطئ بيروت قادما من بلده أستراليا عبر اليونان.

محتويات الكتاب
على عكس كثير من المؤرخين التقليديين الذين عادة ما يرجعون بدء التآمر الاستعماري على بلادنا إلى الحرب العالمية الأولى واتفاقية سايكس بيكو، يبدأ المؤلف عرضه من حرب البلقان (1912-1913) وينهيه بمرحلة بوش الابن وغزو العراق واحتلاله وتدميره.

قسّم المؤلف كتابة إلى أربعة أجزاء تحوي أربعة عشر فصلا.

الجزء الأول: مقدمة نظرية عنوانها "لماذا يكرهوننا؟" تحوي فصلين سنعود إليهما لاحقا.

الجزء الثاني: "أمانة مقدسة" تبدأ بانهيار الخلافة العثمانية وانتهاء باندثار الإمبراطورية البريطانية ولاحقا الفرنسية التي قضى عليها المجاهدون الجزائريون في حرب الاستقلال، عقب إخفاق العدوان الثلاثي على مصر الذي كان بمنزلة الضربة القاضية التي أنهت حياة تلك الإمبراطورية الظالمة.

وقد عرض سولت تاريخ اغتصاب فلسطين بدءا من احتلالها المزدوج البريطاني الذي مهد للصهيوني عام 1917م، وخصص له ثلاثة فصول كاملة دحض فيها، كما فعل دائما عند تناوله أزمات المشرق وكوارثه، الرواية الرسمية السائدة، اعتمادا على المراجع ذاتها التي يوظفها الرأي الآخر.

وفي ظننا أن تخصيصه أكثر من نصف هذا الجزء لكارثة العرب في فلسطين يوضح تقويمه الصائب للدور الذي تمارسه كارثة النكبة في حيواتنا، يوما بعد يوم، وعاما بعد عام، وجيلا بعد جيل.

الجزء الثالث: "الهيمنة الأميركية" بدأ من حيث انتهى إليه الجزء الأسبق وصعود الولايات المتحدة قوة "غربية" حلت محل بريطانيا التي صارت بالكاد تشرق عليها الشمس بعد أن كانت بالكاد تغرب عنها!

ويغطي هذا القسم العدوان الثلاثي، فعلا بالاسم، بدلا من الصفة المواربة "حملة السويس، حرب السويس، إلخ" التي يستخدمها المؤرخون والسياسيون التقليديون، وتطور العلاقات الخاصة بين "إسرائيل" والولايات المتحدة في عهد الرئيس الأميركي لِندِن جُنسُن حتى عدوان عام 1967م، ويضمنه مغامرات الغرب الأخرى في المشرق ومنها حروب لبنان والاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وتدخل حلف الناتو فيها وطردهم.. إلخ.

الجزء الرابع: "حروب بوش" وهو اسم دال للتعريف بمضمون فصوله الثلاثة.

"
لم يدع الكتاب إطلاقا ما يسمى "الحيادية والموضوعية" التي عادة ما يتخذها مؤرخون استعماريون ذريعة لذكر نصف الحقائق والتمويه على ما قد يكشف مدى التآمر الغربي على بلاد العرب
"
الضحية والجاني
نود الآن تأكيد أن المؤلّف لم يكتب ما كتب من منظور عادة ما يدعي أصحابه أنه "محايد" بل إنه ميز دوما الضحية من الجاني، ولم يلم الأول، إلا ضمنا وبقدر مساهمته في إلحاق الضرر بنفسه.

وهنا تكمن إحدى نقاط الكتاب المهمة حيث لم يدع إطلاقا ما يسمى "الحيادية والموضوعية" التي عادة ما يتخذها مؤرخون استعماريون ذريعة لذكر نصف الحقائق والتمويه على ما قد يكشف مدى التآمر الغربي على بلاد العرب وشعوبها من مختلف القوميات والأديان والمذاهب، ويحتمون بما يطلقون عليه صفة "البحث الأكاديمي الرزين" وما إلى ذلك من الشعارات المزيفة.

مقولات مقولبة وآراء نمطية وأحكام مسبقة وهوس ديني:

في ظننا أن القسم الأكثر أهمية من الكتاب هو المدخل النظري في كل من "المقدمة" وفصلي الجزء الأول "الحضارة وتناقضاتها" وكذلك "العلم والبربرية".

هنا يناقش سولت مجموعة من المقولات المقولبة والآراء النمطية مثل "هم، نحن، حضارة غربية، حضارة عربية إسلامية" وغيرها، وسنعمل تاليًا على عرض آرائه المهمة بخصوص بعضها، ذلك أنها تشكل في رأينا جوهر الكتاب.

لماذا يكرهوننا؟
يذكر المؤلف القارئ بأن أصل هذه المقولة يعود إلى كاتب الرحلات والقس الإنجليزي الكاثوليكي (1577-1626) الذي كتب "إن الرب منع معارف الإبحار عن الفرس والمغول والعباسيين والصينيين والتتر والأتراك حتى تظهر شمس الحقيقة في الغرب ليضيء بها العالم".

سولت يدحض هذه المقولة التمييزية الإقصائية، الخاطئة أصلا لأن العرب والفرس هم من ابتدعوا آلاء النوء البحري تلك، ويذكر بأنه لم يكن في الماضي البعيدة فواصل تميز أوروبا من محيطها، وإنما انتقال تدريجي إلى جغرافيات متباينة وثقافات cultures أخرى.

وهو يذكر هنا بحقيقة "غير متداولة" أن الاسم "أوروبا" يعود، وفق الأساطير الإغريقية، إلى أميرة "فينيقية" خطفها أحد آلهة الإغريق "زيوس" إلى جزيرة كريت.

في الحقيقة إن الاسم أوروبا/ Europe ما هو إلا صيغة مؤغرقة من الكلمة "الفينيقية" القديمة "عرب" التي تعني في تلك اللغة "غرب" [ز م].

من ذلك المنطلق، فإن الكاتب يؤكد الجذور العنصرية لتلك المقولات وما أنتجته في هذا العصر، ومنها على سبيل المثال "صراع الحضارات" وغيرها.

فمن دون "هم" ليس ثمة من "نحن" وإذا لم يكن ثمة من "برابرة ووحوش" فليس ثمة من حاجة إلى احتلال مختلف بقاع العالم وإخضاع شعوبها بقصد "تحضيرها".

غير أننا نرى أن الجذر الأساس للفكر الإقصائي مسجل في التوراة حيث يتم طرد "كنعان" من سفينة نوح، وهي دعوة واضحة للقضاء عليه.

"
طريق الغرب إلى الحضارة ما يزال طويلا حقا
"
مفهوم الحضارة الغربية

في قسم آخر من مقدمته النظرية يتعامل المؤلف مع المفردةcivilization اللاتينية التي عنت في البداية "مواطن".

ويوضح، عبر العودة إلى الكيفية التي وظفت بها في اللغات اللاتينية الأصل، كيفية تزوير المعنى الأصلي.

سولت يرى عدم وجود حضارة واحدة ضمن بقعة جغرافية محددة، والحضارة الغربية [يضعها دوما بين المزدوجتين المعترضتين] وصلت إلى درجات تطور مختلفة.

وهو يذكر القارئ بأنها في القرن التاسع عشر عنت، ضمن أمور أخرى: عمل الأطفال ذوي السن السابعة، وانعدام حق الانتخاب، ومنع اليهود من ممارسة مهن محددة، وقتل "إعدام" المجرمين في الساحات العامة. هذا كله، كما يقول الكتاب، يظهر أن طريق الغرب إلى الحضارة ما يزال طويلا حقا.

وإذا كان "الإنسان الغربي" يظهر همجيته ووحشيته في بلاده، فإن تلك الممارسات كانت أشد وحشية بحق الشعوب المستعمَرة. لذا، فإن الجانب المظلم من الحضارة الغربية لم يكن ناتجًا من جهل أو عرضيًا، بل مَرَضَيًا.

كما يلفت الكاتب الانتباه إلى أن الحرب العالمية الأولى أحدثت شرخا في مفهوم "الحضارة الغربية".

فعلى سبيل المثال، الألمان الذين أسهموا إسهاما كبيرا في الفلسفة والشعر والموسيقى والعلم، صاروا بالضرورة "همّا". ولذا نشأت حاجة إلى إلحاق سبب الحرب مع ألمانيا إلى "الأتراك" الآخرين المسلمين.

"الشرخ" في مفهوم "الحضارة الغربية" حدث على جانبي الجبهة: الألمان الأوروبيين تحالفوا مع الأتراك "المسلمين البرابرة" والإنجليز والفرنسيين تحالفوا مع روسيا الآسيوية "نصف البربرية". لكن العرب والمسلمين والبشر السود "البرابرة والوحوش" حاربوا إلى جانب الإنجليز والفرنسيين "المتحضرين".

لذا فإن "الحضارة الغربية" أنتجت عبودية وحروبا عدوانية واستغلالا ومعسكرات إبادة وتسامحا دينيا وفنونا راقية، كل ذلك معا.

المؤلف يجادل ويفند ويفكك مقولات "أبوات" المقولات الصدامية لبرنارد لويس وصمويل هنتنغتن وفؤاد عجمي وفرنسس فوكوياما وغيرهم.

وهو يؤكد أن الأول كان الأب الروحي لمقولة "صدام الحضارات" التي طرحها عام 1964م. كما يعرض كتاب الإنجليزي مارتن برنال "أثينا السوداء" الذي أعاد فيه الحضارة الإغريقية منبع "الحضارة الغربية" إلى أصولها الأفريقية والمصرية مما أثار زوبعة في أوروبا تجاوزت كتاباته وتحليلاته لتناله شخصيا.

كما أشاد سولت بدور المؤرخ البريطاني هملت غب الذي مارس في النصف الأول من القرن الماضي دورا علميا وأكاديميا مهما في التقريب بين أمم العالم وثقافاتها وحضارتها، حيث إنه يمثل نقيض برنارد لويس ودائرته وأتباعه الفكريين والأكاديميين.

ويناقش المؤلف قضايا تطبيقية أخرى ذات صلة بالموضوع ومنها وضع المسلمين في أوروبا حيث يعانون ما يعانون، واضطرابات الشبيبة المغربية في فرنسا، ويوضح أسبابها الاجتماعية السياسية، وأن هدفها الاندماج وليس الانفصال.

بدلا من الخاتمة
سولت لا ينهي كتابه بأي خاتمة منفصلة، لكنه يطرح نهاية الفصل الأخير أسئلة قصيرة تاركا للقارئ مهمة الرد عليها، ومنها: هل شكلت هجمات الحادي عشر من أيلول نهاية القرن الأميركي حتى قبل أن يبدأ؟ هل تشهد البشرية اقتراب نهاية خمسمائة عام من الهيمنة الغربية على العالم؟ هل نهاية هذه الهيمنة سيئة للغرب وجيدة لبقية العالم؟ أم إنها جيدة للبشرية جمعاء!

"
من الضروري إعادة النظر في كيفية تأريخ بعض جوانب الحركة القومية العربية وتناول صيرورتها على نحو شامل ضمن العوامل والمؤثرات التي تطورت ضمن إطارها وفي قلبها
"
كلمة لابد منها
لقد قارب الكاتب أحداثا خطيرة شتى منها على سبيل المثال ما سمي "الثورة العربية الكبرى" بقيادة الجاسوس البريطاني لورنس وكذلك تمرد آل سعود ضد الخلافة العثمانية، من منظور التعامل معهما جزءا من برنامج استعماري بريطاني فرنسي أميركي هدفه القضاء على الخلافة العثمانية.

وجميعنا يعلم أن هاتين الحركتين لم تنتجا سوى شرق أوسط مقسم خاضع يهيمن عليه الصهاينة العدوانيون والعنصريون، الذين تمكنوا من اغتصاب فلسطين وطرد أهلها منها.

ولذا فمن الضروري إعادة النظر في كيفية تأريخ بعض جوانب الحركة القومية العربية، وتناول صيرورتها على نحو شامل ضمن العوامل والمؤثرات التي تطورت ضمن إطارها وفي قلبها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك