عرض/ عبد الحكيم أحمين
الكتاب دراسة متعددة الجوانب والمداخل لظاهرة الهجرة بعدما عاشت المؤلفة مرارة الغربة والهجرة منذ 30 عاما في إحدى دول الغرب.. فرنسا، فهي تخاطب العاطفة والعقل في آن، وترسم عبر تجارب حية صورة واقعية عن المهاجرين واللاجئين ومعاناتهم، وتقدم الدليل على ذلك بالأرقام والدراسات.

- الكتاب: الهجرة.. إشكاليات وتحديات.. فرنسا نموذجا
- المؤلفة: فيوليت داغر
- الصفحات: 272
- الناشر: أوراب، الأهالي، اللجنة العربية لحقوق الإنسان
- الطبعة: الأولى 2008

ويناقش الكتاب في ستة فصول إشكالية الهجرة عبر مثال أوروبا عامة والنموذج الفرنسي خاصة من أجل التعرف على أوضاع المهاجرين العرب خصوصا وعلى سياسات الإقصاء والإدماج المتبعة هناك.

والكتاب يطمح إلى الرد على الأطروحات المعادية للأجانب وعلى السياسات الإقصائية التي تلجأ إلى التنظير الأيدولوجي لتبرير الإجراءات القانونية ضد الأجانب.

في ظل الظلم والقمع اللذين يتعرض لهما الإنسان العربي اندفعت الدكتورة فيوليت داغر إلى مواجهة السؤال عن "دوري كمهاجرة إزاء ما يجري في منطقتي وعن الدين الذي يفترض بي أن أسدده لبلدي الأم، كما أن مسؤوليتي تجاه البلد الذي استقبلني يوم التجأت إليه هي أن أصارحه بحقيقة ليس له أن يغفلها".

فظاهرة الهجرات البشرية والنزوح الجغرافي هي بشكل عام عالمية الطابع وقديمة العهد، عرفت في الحرب كما عرفت في السلم، واختلف شكلها باختلاف ظروف البلدان المصدرة والمستقبلة والحقب التاريخية.

أكذوبة القرية الكونية
وقد تنامت هذه الظاهرة في بدايات القرن الماضي بفعل الفقر ونقص فرص العمل والقمع السياسي والديني والعنصري، ثم أتت العولمة لتفاقم من حركة البشر وتوسّع رقعة البلدان المعنية بهذه الظاهرة، حيث يوجد في بداية الألفية الثالثة مهاجر واحد من 35 مستقرا في بلده.

وقد دفعت العولمة الاقتصادية إلى تغيير اتجاهات الهجرة، فأصبحت بلدان مثل سنغافورة وإندونيسيا محط أنظار الباحثين عن العمل من الهند والصين وباكستان، وأصبح المشرق العربي -خاصة البلدان الخليجية- مقصودا من مهاجرين من الفلبين وسريلانكا وغيرهما.

يعلمنا التاريخ أن هجرات كثيرة تبعت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وحروبا أهلية ودينية، إذ يقدر عدد الذين هاجروا من لبنان بسبب ما سمي الحرب الأهلية بأكثر من مليون شخص، واستمر النزيف بنفس المقدار بعد توقف المعارك بفعل حرب اقتصادية.

أما العراق فقد خسر في السنوات الأخيرة عدة ملايين من أبنائه قتلا وتشريدا جراء القمع السياسي والحصار الاقتصادي والاحتلال الأميركي والتقسيم الطائفي والعرقي.

فما يحدث من هجرات يتحدد غالبا بالقرب الجغرافي والعلاقات التاريخية بين بعض الدول، كأن تتحمل سوريا والأردن أعباء نزوح نحو ثلاثة ملايين عراقي، وهو ما يعد أكبر حركة لجوء بعد نكبة فلسطين عام 1967، رغم أن هاتين الدولتين لا تتحملان قرار ما حدث، كما أنهما لم تحصلا على مساعدات لتحمل الأعباء التعليمية والصحية والسكنية وغيرها للنازحين.

وفي بلدان عربية غير نفطية تهاجر الألوف هربا من قمع سياسي مطبق أو جوع محيق بفعل استشراء الفساد.

وبينما خسرت فلسطين -عدا الشهداء والمقعدين والمساجين- خمسة ملايين على الأقل من أبنائها المشردين داخلها وبين دول الجوار والمنافي البعيدة، تشهد إسرائيل حالة استثنائية دون منازع حيث تشهد حركة هجرة معاكسة، إذ في أربع سنوات وصل إليها من يهود روسيا فقط قرابة 15% من سكانها.

"
في ظل التراجع الاقتصادي والخوف من الغد كثرت ظواهر النبذ الاجتماعي ونمت الأيدولوجيات العنصرية إضافة إلى أزمات القيم والهوية، وبذلك غدا الأجنبي مركز العنف والعزل، وصارت الجنسية الوطنية من مبررات التمايز الاجتماعي والتفرقة العنصرية
"
وفي ظل التراجع الاقتصادي والخوف من الغد كثرت ظواهر النبذ الاجتماعي وترعرعت الأيدولوجيات العنصرية إضافة إلى أزمات القيم والهوية والنظم الأيدولوجية والاجتماعية وغياب المؤسسات الدينية والحزبية النقابية المؤطرة، وبذلك يغدو الأجنبي سبب ومركز العنف والعزل، وتصبح الجنسية الوطنية من مبررات التمايز الاجتماعي والتفرقة العنصرية.

"ما أردت قوله هو أن هذه الأرض ليست بالفسيحة ولا المعطاء كما ينبغي أن تكون، إنها تتكور على نفسها بما يمارس عليها من عنف وعدوان من الإنسان على أخيه الإنسان.

قد نقبل بتسميتها قرية كونية عندما نتحدث عن العولمة الاقتصادية أو التواصل التقني، لكن ذلك ليس دقيقا عندما نتعرض للعلاقات البشرية".

اللجوء والجنسية
في الفصل الأول تحدثت الدكتورة فيوليت داغر عن الهجرة وحركاتها والتحولات الاجتماعية التي تحدث فيها ومسألة الأقليات والخصوصيات وإدماج المهاجرين والهجرة السرية ومكافحتها، فأوضحت أن الاتفاقية الأوروبية للجنسية أعطت تعريفا للجنسية باعتبارها الرباط القانوني بين الفرد والدولة بغض النظر عن أصله العرقي، وأن المواطنة هي مشاركة في المجتمع المدني لمن يعيش بشكل شرعي في دولة معنية.

وهذا الاستعمال الجديد للمواطنة يفترض أن يتمتع الفرد بسببه بالحق في اختيار الانتماء لثقافات ومجموعات مختلفة، لأن الهوية لا تتشكل إلا من الاغتناء بمصادر عدة، لكن عندما ينكر الآخر -خاصة عندما يكون في موقع المسؤولية- هذه الخيارات، فهذا يعني أن الهوة بين من يسن التشريعات ومن يطبقها تبقى مصدر خلل ومعاناة.

ورأت المؤلفة من جهة أخرى أن مسألة اللجوء تبقى أمرا عويصا على الحل في ظل انتشار الهجرة، لأن حركة اللجوء التي كان يتوقع تباطؤها منذ الحرب العالمية الثانية بدأت تسير في الاتجاه المعاكس.

فبينما واجهت الوكالة العليا للاجئين عام 1990 ما قدرته بنحو17 مليون لاجئ داخل وخارج بلدانهم، ارتفع هذا الرقم بعد 10 سنوات إلى 22.3 مليونا، كما تتحدث وكالة غوث اللاجئين عن نحو 40 مليون لاجئ في العام 2007 بزيادة 14% عن السنة الماضية.

ثلثا هؤلاء اللاجئين قصدوا أفريقا وآسيا، مثلما اتجه الأفغان إلى إيران أو الهند أو باكستان، ويقصد العراقيون (أكثر من مليوني شخص) سوريا والسعودية وإيران.

أما الثلث الباقي فلجأ إلى أوروبا وأميركا الشمالية، ما يعني أن اتفاقية اللاجئين وضعت موضع السؤال في الديمقراطيات الغربية التي تبحث عن طرق متشددة لحماية حدودها من اختراق الأجانب لها.

كما انخفض عدد طالبي اللجوء إلى الاتحاد الأوروبي من 693 ألفا عام 1992 إلى أقل من النصف، أي 306 آلاف عام 1999.

وإذا كانت فرنسا تستقبل 50 ألف طلب لجوء سنويا فإنها ترفض نحو 85% منها، وهذه الأرقام تدل على فشل الخطط الاقتصادية والسياسية في تخفيف أسباب طلبات اللجوء.

وجود المهاجر في وضعية غير قانونية لا يعني أنه معدوم الحقوق، لأن هناك يوما عالميا للمهاجرين يوم 18 ديسمبر/ كانون الأول يحسس بقضيتهم، كما أن هناك اتفاقية أقرت عام 1990 لحماية حقوقهم، لكن لم يصادق عليها حتى عام 2005 سوى 34 بلدا ليس منها دولة واحدة غربية شمالية.

"
رغم كل ما تتعرض له الجالية العربية والمسلمة من تهميش وعنصرية وانتهاك لحقوقها في فرنسا فإنها لم تتمكن من تشكيل لوبي يدافع عنها بسبب عدم صياغتها لمرجعية ثقافية واضحة أو مؤطرة، وبسبب ارتباط أفرادها بأكثر من 20 بلدا إسلاميا وعربيا
"
الهجرة السرية
إذا كان عدد المهاجرين السريين في أميركا يقارب 11 مليونا ففي الاتحاد الأوروبي يقدر عددهم بين 3 و6 ملايين يزدادون ما بين 350 و500 ألف سنويا، وهم رغم عدم قانونية وضعيتهم يساهمون بنسبة تتراوح بين 7 و16% من الإنتاج الداخلي، لكنهم يتقاضون أجورا زهيدة.

وقد بينت دراسة نشرت في صيف 2007 ببريطانيا بمناسبة الشروع في تسوية وضع نصف مليون مهاجر سري إليها، أن هذا الإجراء من شأنه أن يدعم اقتصاد البلد بنحو 1.47 مليار يورو سنويا، في حين أن طردهم يكلف 6.9 مليارات يورو.

ولمكافحة الهجرة السرية تسلحت أوروبا بعتاد قانوني وتنظيمي ضخم، ففرنسا مثلا سنت قوانين متشددة كالتأشيرات البيولوجية الرقمية ومراقبة الزيجات المختلطة، وإجراءات لم الشمل وتشديد قبول طلبات اللجوء أو استضافة المدعوين، كما شددت مراقبة الحدود الداخلية والخارجية بزيادة التنسيق الأمني الأوروبي وعقد اتفاقيات التعاون العسكري والأمني مع البلدان المتوسطية.

ورغم ذلك خصصت القوات الفرنسية والإيطالية والإسبانية والبرتغالية وحدات بحرية وجوية لاعتراض المهاجرين السريين وتفتيش السفن المشتبه بها، خاصة أن الدول العربية تعتبر من أكثر البلدان في العالم تصديرا للمهاجرين بسبب الأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية المتردية والانتهاكات الكبيرة لحقوق الإنسان.

لقد جرى في خمس سنوات (ما بين 1998 و2003) إيقاف ما لا يقل عن 40 ألف شخص من 50 جنسية ثلثهم من التونسيين، كانوا قد حاولوا اجتياز الحدود بطريقة غير شرعية.

الفصل الثاني خصصته الدكتورة فيوليت داغر للحديث عن فرنسا باعتبارها بلد الهجرات عبر التاريخ وعن التهميش وانعكاساته، وفزاعة الهجرة وآفاق المستقبل على الصعيدين الداخلي والخارجي، في حين تناول الفصل الثالث إشكاليات وتحديات التثاقف والعلاقة بالآخر والاندماج والإسلام والإسلاموفوبيا والعنصرية.

قالت داغر إنه رغم كل ما تتعرض له الجالية العربية والمسلمة من تهميش وعنصرية وانتهاك لحقوقها فإنها لم تتمكن من تشكيل "لوبي" يدافع عنها، بسبب عدم صياغتها لمرجعية ثقافية واضحة أو مؤطرة، وبسبب ارتباط المهاجرين بأكثر من 20 بلدا إسلاميا وعربيا، وما يحمله ذلك من طابع غير ديمقراطي بالولاء للسلطة والتعقيدات التي تنجم عن معارضتها.

يضاف إلى ذلك التمزق الأيدولوجي والثقافي والسياسي الذي تعيشه بعض البلدان العربية وانعكاس ذلك عبر انقسامات في المهجر.

بل إن المؤلفة تذهب إلى حد القول بعدم وجود جالية لدى المهاجرين العرب في فرنسا لكون الحديث عن الجالية يفترض وجود تنظيم اجتماعي تتوفر فيه شروط مثل التمثيلية في الدفاع عن حقوقها والتحدث باسمها أمام الهيئات الحكومية، وإن كانت توجد منظمات دينية تتكلم باسمها إلا أنها غير متفقة فيما بينها بل هي متصارعة.

هكذا تبدو الجالية المسلمة في حين يمثل اليهود الذين يتجاوزون بقليل 1% (700 ألف) من سكان فرنسا مقابل 5% للمسلمين (ستة ملايين) لوبيا قويا على الساحة الإعلامية والاقتصادية والسياسية والطلابية والدينية، رغم أنهم غير مندمجين في المجتمع الفرنسي عملا بقول بن غوريون "الاندماج في المجتمعات التي يعيش فيها اليهود أكبر خطر يهدد اليهودية اليوم"، كما أنهم ماهرون في تشويه صورة العرب والمسلمين وفي ربط الإسلام بالإرهاب والعنف وغيره.

"
الأطفال الذين ولدوا في المهجر يعيشون تجربة الهجرة عبر أهلهم الذين ينقلون معاناة الغربة لأولادهم، أما الطفل الذي يهاجر مع أهله فهو يعيش مشكلة الاختلاف وصيرورة التثاقف
"
أبعاد أحداث الضواحي
الفصل الرابع كان عبارة عن مقاربة نفسية اجتماعية لمعاناة الغربة، حيث وقفت المؤلفة عند أهم المراحل التي يعيشها المهاجر انطلاقا من البداية ومغادرة البلد الأصل بما فيه من أهل وأصدقاء ولغة وتقاليد ورموز وأفراح وأتراح، مرورا بدخول البلد المستقبل وبداية اكتشاف لغته وعاداته وتقاليده ورموزه، انتهاء بمرحلة العودة إما إلى غربة جديدة في الوطن الأصل أو إلى غربة في الذات في المهجر.

ورصدت أهم المحطات التي تبرز معاناة المغترب من نواحي الهوية والاندماج واللغة الأم والأسرة والصداقة والمرأة والأبوة وغيرها، فقدمت الدليل بدراسة الانعكاسات السلبية على المهاجر التي تظهر في آلام نفسية وصحية.

وأفردت المؤلفة لأبناء المهاجرين الفصل الخامس من كتابها لأن الفصل بينهم وبين المهاجرين عموما ليس اعتباطيا، وذلك للوصول إلى الهدف من التركيز على عنف الشبيبة المهاجرة، خاصة في فرنسا وعن سبب "السطحية في المعالجة كي لا نقول التحريض"، ثم تفكيك العناصر "ليتسنى قراءتها وفهمها بشكل أنجع لمساعدة الضحايا ولفت النظر إلى إشكالاتهم وأوجاعهم، وليس أبدا القبول بأعمالهم العنيفة أو إعطائهم الحجة للبقاء في وضع الضحية".

الأطفال الذين ولدوا في المهجر يعيشون تجربة الهجرة عبر أهلهم الذين ينقلون معاناة الغربة إلى أولادهم، أما الطفل الذي يهاجر مع أهله فهو يعيش مشكلة الاختلاف وصيرورة التثاقف، وسيختبر الحداد على ما غادر ومن ترك وإن كان تأقلمه سريعا مع البلد المستقبل.

وقد ينشأ الطفل في بيئة عاشت تجارب مؤلمة من الانقلاع عن الجذور والانتقال إلى بيئة تشكو ضعف العلاقات الاجتماعية.

هذه التشكيلة المتنافرة في تكوين الأطفال أو المراهقين المهاجرين تضاف إلى ما يوعز به المجتمع للمراهق من أن يكون ما يشاء وفي نفس الوقت يشعره بأنه يجب أن يبقى كما كان أهله.

و"هذا ما يحدث بالضرورة تصادما بينه وبين من يمثلون السلطة والمؤسسات التربوية عندما ينتقصون من قدره ويهينون صورته عن نفسه ومكانة أهله".

هذا الوضع قد يواجهه المراهق بالسخط أو حتى بالثورة على مجتمع يعتبر أنه سبب مشاكله، فهو بدلا من أن يساعد المراهقين ليكبروا بشكل صحيح، هناك أطراف تفضل أن تجعل منهم الشيطان الرجيم.. فتتحول الضحية إلى جلاد يطالب بالقصاص منه.. لكن هل هذا ما ينتظر من نظام يعطي الدروس في الإخاء والمساواة؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك